ما أن تعبر باب بوجلود حتى تشعر بأنك تنتقل من زمن إلى زمن. خلفك مدينة السيارات والإشارات والواجهات المستقيمة، وأمامك فاس القديمة التي تتلوى أزقتها كما لو أنها تحفظ سرّا وتخشى أن يصل إليه الغريب بسرعة. يقف باب بوجلود بفسيفسائه الزرقاء من الخارج لونا لفاس، والخضراء من الداخل، كأنه يعلن أن للمدينة وجهيْن: وجه تقدمه للقادم، ووجه لا تكشفه إلا لمن يدخلها. وعلى الرغم من مظهره الموغل في القدم، فإن صورته الحالية تعود إلى مطلع القرن العشرين؛ لكنه نجح، مثل أشياء كثيرة في فاس، في أن يكتسب من جواره هيبة القرون.
في الطريق تستوقفك المدرسة البوعنانية، شامخة في هدوء المرينيين. شيّدها السلطان أبو عنان المريني في القرن الرابع عشر، فكانت مدرسة ومسجدا وفضاء للعلم. تتداخل في الحكايات المنسوبة إلى تأسيس المدرسة روايتان يصعب الجزم بتفاصيلهما التاريخية؛ لكنهما تلتقيان عند معنى التحول وإمكان الخلاص: إحداهما تقول إن السلطان أراد التكفير عن ذنوبه، فاستشار العلماء، فأشاروا عليه بتحويل موضع تتراكم فيه النفايات إلى مدرسة وبيت للصلاة، ليكون إعمار المكان سبيلا إلى إصلاح النفس. أما الرواية الأخرى فتربط بناء المعلمة بغرامه بامرأة عاب عليه الفقهاء صلته بها، فاختار موضعا تنفر منه النفوس وأقام عليه تحفة معمارية، ثم واجه منتقديه بمعنى مؤداه: إذا كان المكان يمكن أن يتغير، فلماذا لا يكون للإنسان الحق نفسه في أن يتغير؟
هنا يفتنني الجص الذي تحوّل تحت أيدي الصناع إلى كتابة، وخشب الأرز الذي صار هندسة معلقة، والزليج الذي يذكّرني بأن الجمال في الحضارة المغربية ليس زينة ملحقة بالحياة، بل طريقة في إدراك العالم. يبدو العلم كأنه يحتاج إلى الجمال كي يكتمل، وتبدو الزخرفة كأنها تحس وتفكر بصمت.
ثم يأخذني انحدار الطالعة الكبيرة أعمق في المدينة. تتقدم الحواس أحيانا على المعرفة: تصل الرائحة قبل اسم الدكان، ويأتي وقع المطرقة قبل أن ترى يد صاحبها. تمرّ عين أزليتن، ثم تتوالى الأسواق والحرف، والشرابليين وما يتفرع عن المحور من دروب، حتى تشعر بأن أسماء الأمكنة نفسها بقايا وظائف قديمة التصقت بالجغرافيا. أتوقف عند معنى الاسم في فاس. عين، سوق، فندق، حرفة، مادة، وليّ، مسجد… كان الناس يسمون المكان بما يفعلونه فيه أو بما يجدونه عنده، ثم يورثون الاسم وقد صار وثيقة موجزة عن طريقة عيشهم.
شيئا فشيئا أدخل مجالا تتكاثف فيه الأسواق حول القلب الديني والتجاري للمدينة. أصل إلى سوق الحناء؛ ذلك الفضاء الصغير الذي يحمل في اسمه ذاكرة مادة وحرفة واستعمال يومي، وتجاوره ذاكرة مارستان سيدي فرج. عادة ينجذب الحديث عن المدن سريعا إلى قصور السلاطين ومآثر العلماء، بينما تكشف طريقة استقبال المريض والضعيف جانبا آخر من أخلاق العمران. أسأل نفسي: كم من الذين مروا من هنا وكان وجعهم سببا في أن تنشأ مؤسسة للعلاج والرعاية في محاولة مدينة أن تخفف ألم شخص مجهول؟
وقد صار اليوم متحفا لفنون الخشب وحرفه؛ لكنه لا يزال يحتفظ بمعنى الضيافة القديمة: فناء في الوسط، وغرف تطل عليه من الطبقات العليا، وبناء يجعل من الداخل عالما مستقلا يحتمي من صخب السوق.
أطيل النظر إلى الخشب. أفكر في الشجرة التي كانت يوما تستقبل المطر وتظل العابرين من حر القيظ، ثم أصبحت بابا أو سقفا أو منبرا. بين الغابة والمدينة سلسلة من الأيدي والمعارف والطرق والعرق. ما أراه قطعة جميلة كان، قبل أن يستقر هنا، رحلة كاملة. في النقش أثر عين تعبت، ويد ترددت ثم أصابت، ووقت طويل لم نره. من حق الذين صنعوا هذا الجمال أن يكون لهم نصيب من ذاكرتنا، حتى حين نجهل أسماءهم.
وعند ضريح مولاي إدريس الثاني تبلغ الرحلة قلبها الروحي. فإلى إدريس الثاني يُنسب استكمال بناء فاس وجعلها عاصمة لدولة ناشئة في مطلع القرن التاسع. حول ضريحه تشكلت حرمة خاصة، وظل المكان مقصدا للزوار وأهل المدينة. تمر قربه فتنخفض الأصوات تلقائيا. تبدو الذاكرة هنا علاقة وجدانية بين المدينة ومؤسسها، بين المكان ومن منحه أحد معانيه الجامعة.
وأنت تقف قرب أبوابه يصعب أن ترى المكان كاملا. إنه مثل امرأة غنوج لا تمنحك نفسها في لقطة واحدة. تكشف لك بابا، قوسا، جزءا من صحن، لمحة من ثريا، ثم تترك للخيال أن يتمم ما حجبته الجدران. وفي جوار القرويين لا أستطيع تجاهل مكتبتها؛ فالمدينة التي صنعت للعلم جامعا ومدارس صنعت للكتاب أيضا بيتا يحفظه. تذكّرني المخطوطات القديمة بأن المعرفة تعيش بعبقرية مؤلفيها وبأجيال من النساخ والخزنة والفقهاء والمجلدين وأمناء المكتبات الذين منعوا الورق من أن يتحول إلى غبار.
ثم يقودني المسار إلى الصفارين، وهنا يحسن ألا أمر بالمكان من دون أن أتذكر أن فاس عرفت أيضا مدرسة الصفارين، إحدى المدارس المرينية المبكرة التي حفظت للحي صلته بالعلم كما حفظ له السوق صلته بالحرفة؛ لكن ما يسبق الرؤية هنا هو الصوت. قبل أن أرى ساحة الصفارين أسمعها. يعلن المكان عن نفسه بضربات المطارق على النحاس. يجلس الصناع أمام أوان وصوان وقدور، يطرقون المعدن بالإيقاع نفسه الذي سمعته أجيال سبقتنا. طرقات مثل موسيقى قديمة، كل مطرقة تضيف إلى النحاس ذاكرة، وكل إناء يخرج من السوق يحمل شيئا من صوت الساحة. وفي عالم يتجه نحو الآلات الصامتة والإنتاج المتشابه، يحتفظ الصفارون بحق الأشياء في أن تحمل أثر اليد التي صنعتها.
ومن هنا تبدأ المدينة، بالنسبة إليّ، في تغيير ضفتها. وادي فاس أحد مفاتيح فهم نشأة المدينة. فعلى جانبيه تشكلت العدوتان اللتان حملتا في الذاكرة اسم القيروانيين والأندلسيين، قبل أن توحدهما المدينة سياسيا وعمرانيا. وقد يبدو الوادي، اليوم، مختفيا في مواضع كثيرة تحت العمران أو محجوبا عن العين؛ لكن أثره لا يزال حاضرا في منطق المكان.
وأبحث بعينيّ عن أثر الماء في ترتيب المدينة. قد يغيب بعض مجراه عن النظر؛ لكن حضوره التاريخي باقٍ في الاستقرار والصنائع والطهارة والسقايات. لو رسمنا خريطة فاس انطلاقا من حاجتها إلى الماء لظهرت تحت الأزقة مدينة أخرى.
أفكر في الفرق بين إعجابنا بهذا التدبير وبين حياة الناس الفعلية فيه. فالدار القديمة تحتاج اليوم إلى صيانة وتهوية وتجهيزات، والأسرة تحتاج إلى الراحة كما احتاجت الأسر قبلها. أحب فاس حين أراها قادرة على الاستمرار، وحين يكون جمالها صالحا للسكن أيضا.
وفي جولة جانبية نحو البليدة وعين الخيل والزاوية التيجانية تتسع أمامي خريطة أخرى لفاس، تصلها بالمغرب وإفريقيا جنوب الصحراء عبر الزيارة والتصوف وطرق التواصل. أدرك أن الأزقة التي تبدو منغلقة على نفسها كانت قادرة على استقبال القادمين من مسافات بعيدة. فالمدينة شديدة الخصوصية، ومع ذلك يعرفها أناس لم يولدوا فيها بوصفها جهة من جهات وجدانهم.
أحسست بأن المسافة من البرج الشمالي أكثر من انتقال جغرافي، إنها تغير زاوية النظر. من الداخل ترى تفاصيل المدينة ولا ترى المدينة، ومن المرتفع ترى المدينة ولا تسمع تفاصيلها. وبين النظرتين تكتمل الصورة.
ومن هناك تنعطف رحلتي نحو البطحاء. في قصر البطحاء، الذي صار متحفا للفنون الإسلامية بعد ترميمه وإعادة افتتاحه في صيغته الجديدة، تستأنف العين قراءة ما لمحته في الطريق. يتيح المتحف أن نتأمل القطعة عن قرب، وأن نرى في الزخرفة تاريخ تقنية وذوق واستعمال.
وأجعل للأطراف الجنوبية جولة أخرى تتسع لباب الحديد وباب الجديد ولأحياء مثل زيات والدوح. في هذه الجهات تتبدل نسب الكتل والفراغات، وتتكشف جوانب من عمارة الدور والقصور. أجد متعتي في متابعة هذه الفروق الصغيرة، فالمدينة لا تكرر نفسها بالدرجة التي توحي بها النظرة السريعة.
وجنان السبيل حديقة مناسبة للاستراحة في حكايتي، إنه جغرافيا موضع عبور بالغ الدلالة، لأنه يقع بين فاس البالي وفاس الجديد، كأن المدينة نفسها وضعت حديقة بين زمنين. ومن جنان السبيل أمضي إلى باب المكينة والمشور، ثم إلى فاس الجديد. هنا يتغير المشهد. تتراجع المتاهة قليلا، وتتقدم الأسوار الكبرى ومظاهر السلطة ومرافقها.
وللملاح مكان أساسي في هذا الفصل من المدينة. بين أزقته وشرفاته وكنيس ابن دنان والمقبرة اليهودية نستعيد فصلا من تاريخ فاس صنعه المغاربة اليهود عبر العبادة والتجارة والحرف والحياة المشتركة. أتوقف هنا بمحبة وبحذر من الكلام السهل. تتسع الذاكرة للجوار والتبادل كما تتسع للألم والتحولات والفراق. أفكر في البيوت التي غادرها أهلها، وفي أسماء ظلت على الألسنة بعد أن ابتعد أصحابها. إن وفاء المدينة لتاريخها يظهر في قدرتها على حفظ آثار الذين أسهموا في صنعها وعلى رواية قصتهم ضمن قصتها، لا في هامش منفصل عنها.
في المدن الحديثة نفصل الأشياء: منطقة للسكن، وأخرى للتجارة، وثالثة للإدارة، وطريق للعبور. أما المدينة القديمة فقد نسجت الحياة بعضها في بعض. المسجد قريب من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحركة اليومية، والحرفة امتداد للبيت، والسقاية زينة ومنفعة في اللحظة نفسها.
حين بدأت جولتي كنتُ أبحث عن أثر الماضي، فإذا بي في نهايتها أسأل أكثر عن حق هذا المكان في المستقبل: أن تبقى المدرسة مفتوحة، والحرفة مجدية، والدار آمنة، والدرب مأهولا، وأن يظل لأهل فاس مكان في الصورة التي نعجب بها.
وعندما أبتعد، يظل في ذهني تفصيل صغير: عتبة ملساء مرت عليها أقدام كثيرة. لعلني أحببتُ فاس، في تلك اللحظة، من جهة هذه العتبة تحديدا، من أثر العبور المتواضع الذي يجمع أجيالا لا يعرف بعضها بعضا. شخص عبرها قبل قرنين وهو يفكر في دين لم يسدده، وآخر عبرها إلى درس، وطفل قفز فوقها، وعروس مرت بها، ورجل عاد من سفر، وأنا أمر اليوم من فوق الأثر نفسه دون أن أعرف أسماءهم.
طريقة تجعل المسجد قريبا من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحياة اليومية، والحرفة امتدادا للبيت، والماء زينة ومنفعة في الوقت نفسه، وتجعل المهاجر يحمل ذاكرته إلى المدينة فتأخذ منها المدينة شيئا، وتعطيه شيئا، حتى يصبح من الصعب بعد قرون أن نعرف أين ينتهي القادم وأين يبدأ المكان. ولهذا، تخرج من المدينة القديمة وقد تركت في روحك شيئا من عتمة أزقتها، ومن زرقة أبوابها، ومن رائحة خشبها، ومن أصوات مطارقها، ومن ماء سقاياتها.
أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أسرار فاس العتيقة حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أسرار فاس العتيقة حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أسرار فاس العتيقة .. حين تتداخل الأسواق والمدارس والذاكرة الإنسانية.
في الموقع ايضا :