وأشار الصقلي، في الحوار التالي مع هسبريس، إلى أن الفعالية المنظمة بمدينة فاس، من 17 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت الرعاية الملكية، “تنطلق من رؤية تجعل الثقافة الصوفية مدخلا إلى الحوار الحضاري والانفتاح على مختلف الأديان والثقافات، ومجالا لاستكشاف إمكانات التلاقي بين التراث الروحي وأسئلة الإنسان المعاصر”، داعيا إلى تجاوز الأحكام المسبقة التي تختزل التصوف في بعض الممارسات المعزولة.
يختار المهرجان لهذه الدورة شعار “الشعر الصوفي، إكسير الشفاء”، ويطرح سؤالا حول ما يمكن للشعر أن يقدمه في عالم مثخن بالجراح. السؤال من الناحية العملية هو: كيف؟
والغاية من ذلك أن يحقق الإنسان أولا الارتقاء الروحي، وأن يستشفي من مجموعة من الأمراض والأسقام العالقة بالنفس الإنسانية.
وهذا الشعر يحتاج إلى وسائل تمكّنه من الوصول إلى الناس؛ فهو يحتاج إلى التربية والإنتاج والابتكار، ولا يأتي من تلقاء نفسه. وهذا ما يراهن عليه المهرجان، ولو على مدى أيام فعالياته، بوصف المهرجان مختبرا للتجربة. فإذا استطعنا تحقيق ذلك خلال عشرة أيام، فكيف يمكننا توسيع التجربة لتستمر عشرين يوما أو تمتد على مدار العام؟
هذه الحاضرة العريقة بمثابة مختبر أيضا؛ فقد استطاعت، على امتداد القرون، أن تسهم في إرساء جمالية المجتمع وترسيخ ثقافة شعرية. وهذا ما يفسر التعلّق بهذا الإرث والاهتمام به في فاس وفي عدد من المدن المغربية العريقة.
فاس مدينة اقترن فيها العلم بالتربية الروحية، وتجاورت فيها المدارس والزوايا ومجالس الذكر، وظل الجمال جزءا من تهذيب النفس وحسن الصلة بالناس.
أكدت في تصريح سابق أن هدف المهرجان ليس تقديم التصوف بشكل سطحي أو فلكلوري، بل إخراج كنوز الزوايا إلى الفضاء العمومي. هل تتصور أن الحدث نجح بعد كلّ هذه الدورات في إرساء علاقة جديدة مع التصوف؟
أعتقد، وفق ما أراه، أن هذا الأمر يتجلى في توافد زوار جدد عاما بعد عام، يأتون من جهات مختلفة، وليسوا، في غالبيتهم، بالضرورة مسلمين أو صوفيين أو منتمين إلى هذا المجال.
وكل ذلك يتيح للزوار اكتشاف أشياء جديدة خلال أسبوع واحد، قد لا يتعرفون إليها حتى لو زاروا فاس مئة مرة. فمن خلال المهرجان، يزورون فضاءات وأماكن لا يعرفونها، مثل باب المكينة، والمدارس التي تحتضن اللقاءات، وعدد من الدور القديمة والعريقة في فاس التي تُنظّم فيها أنشطة متنوعة.
ومن الأمور اللافتة التي تدل على إمكان إنتاج ثقافة كونية، كما يتجلى في نماذج الأندلس وفاس والحضارة المغربية، أن اللقاءات تستقطب جمهورا متنوعا يضم أتباعا ومهتمين من الشرق والغرب، ومن ديانات وثقافات مختلفة، رغم أن الأساس الذي تنبثق منه هذه الثقافة الروحية هو التصوف.
وتستند هذه الرؤية، في أصلها، إلى الأنثروبولوجيا الخاصة بالمغرب، وإلى تصور متجذر في تاريخ البلاد منذ القدم، يستند إلى المجاورة والتعايش والقدرة على استقبال ثقافات وديانات مختلفة والانفتاح عليها. إنها رؤية ملكية مغربية حملها ملوك المغرب عبر التاريخ.
فعندما نكون في جنان السبيل وننظم لقاءات داخل حدائقه، تكتسب هذه الفضاءات معنى آخر. والأمر نفسه ينطبق على المدارس التاريخية؛ إذ أصبحت تحتضن محاضرات ونقاشات حول ثقافات العالم ومستقبل الإنسان في ظل التحديات، والإشكالات التي قد تطرحها التطورات المستقبلية بشأن تحديد ما هو إنساني، وماهية العمل الروحي ودوره في هذا كله.
تطرح إحدى الموائد المستديرة سؤال: “هل يستطيع الجمال أن ينقذ العالم؟”. بصفتك مديرا للمهرجان وأحد مهندسي رؤيته الفكرية، كيف ترى قدرة الجمال الصوفي على مواجهة قبح الصراعات الرقمية والضجيج الذي يطبع عالمنا اليوم؟
نراهن هنا على العودة إلى الأصول؛ لأن التراث الصوفي غني، ويمتد على مدى قرون طويلة من التراكمات والإنتاجات الفكرية والفنية والموسيقية والفلسفية والروحية. ولو ذهبنا اليوم إلى مكتبة القرويين لوجدنا رصيدا هائلا من المؤلفات؛ فقد كتب العلماء في هذه الفنون، وتناولوا قضاياها من زوايا متعددة. وابن خلدون، مثلا، رغم أنه لا يُعرف أساسا بوصفه صوفيا، ألّف كتاب “شفاء السائل لتهذيب المسائل” في التصوف، كما خصّص له فصلا مهما في كتابه الشهير “المقدمة”.
ويمكن أن يندرج هذا العمل أيضا ضمن المجال التربوي. فقد اشتغلنا، مثلا، على قصة ابن طفيل وروايته الفلسفية “حي بن يقظان”، وأعددناها في صيغة مسرحية، كما اشتغلنا على حكاية فريد الدين العطار في “منطق الطير”، وقدّمناها بالدارجة المغربية للأطفال في مرحلة ما قبل التمدرس.
نحن نخرج بهذا الموروث من المكتبات والزوايا ليصبح جزءا من الحياة الثقافية العامة، ونلاحظ أن الناس يتفاعلون معه بقوة، لأنه متجذر في أعماقهم. فالمغاربة، كلٌّ بطريقته، تربطهم صلة بعالم التصوف، سواء من خلال الأسرة أو الوالدين والأجداد، أو الانتماء إلى زاوية، أو ممارسة الذكر، أو التشبع بهذه الثقافة.
الأمر ليس بسيطا، وإنما يتعلق بتراكم تجارب وممارسات عبر القرون، وبضرورة دراسة الإيقاعات المستخدمة، وفهم الكيفية التي تسهم بها في تشكيل حالات وجدانية معينة.
وكما لاحظت في البرنامج، فقد فتحنا ورشات وآفاقا للبحث؛ فهذا تراث بالغ الغنى، يمكن لكل متخصص أن يستلهم منه بحسب مجال اشتغاله. فالطبيب النفسي، مثلا، يستطيع أن يستكشف من خلاله سبل فهم المشاعر الداخلية للإنسان وتدبيرها، وكيف يمكن أن تسهم بعض الممارسات، المتراكمة عبر القرون، في التخفيف من القلق وتعزيز الشعور بالطمأنينة.
مقاطعا.. في المقابل، تعرف أن فعاليات المهرجان ورهاناته ومنطلقاته تتحرك داخل بيئة شعبية تضم أيضا تيارات ترفض التصوف الطرقي المغربي، وتعتبره مرادفا للجهل والضلالة. كيف يحضر هذا التحدي في اشتغالكم على هذا الحقل المعرفي الذي يثير الكثير من الجدل؟
ما الإنتاجات التي أفرزها هذا التراث؟ وماذا أنتج جلال الدين الرومي؟ ولماذا يُعدّ الرومي من أكثر الشعراء ترجمة في العالم عبر التاريخ، بل يُشار إليه بوصفه الشاعر الأكثر ترجمة على مر العصور؟
إن هذا المجال يحتاج إلى العلم والمعرفة، وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام محاولات للنيل من تراث يشكل أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة المغربية، كما أسهم في بناء حضارات أخرى. ويظل هذا التراث أساسيا في المغرب، الذي تميّز بالحفاظ عليه وعدم السماح باندثاره؛ إذ لا يزال حاضرا ويحظى بالاهتمام على مستويات متعددة، ويُعدّ هذا المهرجان أحد مظاهر ذلك الاهتمام.
يكفي أن نتأمل الشعر الصوفي وما قدّمه للعالم وللمغرب. انظروا إلى الحراق، مثلا؛ فالشاعر محمد الحراق أشبه بـ”رومي المغرب”، لما يتسم به شعره في العشق والمحبة الصوفية من دقة وعمق، ولما يحمله من قيم إنسانية وروحية.
إن هذا الغنى يستحق أن نوليه ما يلزم من الاهتمام. وما أتاح لهذه المقاربة أن تغيّر نظرة الناس إلى التصوف هو أننا تعاملنا معه بوصفه ثقافة وتراثا إنسانيا، لا مجرد ممارسة مرتبطة بطريقة بعينها. فعندما ننظر إليه من زاوية الطريقة وحدها، قد يسأل أحدهم: لماذا هذه الطريقة دون غيرها؟ المهرجان يطرح أسئلة أوسع: ماذا أنتجت هذه الزوايا عبر القرون؟ بماذا تتميز؟ وما الكتب التي ألّفها علماؤها؟
تجمع هذه الدورة بين “باخ والرومي”، وإنشادات هيلدغارد فون بينغن، وطقوس الشاي اليابانية، والإنشاد الباكستاني والهندي. هذا المزيج اللغوي والثقافي كيف يخدم فكرة الحوار الحضاري بما يواجهه من مشقات؟
هذا التعدد قائم بالفعل، لكن ذلك لا يعني أننا ندّعي أن الأديان متطابقة أو متساوية في جميع جوانبها، ولا أننا ندعو إلى توحيدها. المقصود هو الإقرار بوجود هذا التنوع، وبقدرة الإسلام على احتضانه داخل مجتمعه، بما يعكس قيم التسامح التي أسهمت في بناء حضارة كبرى استوعبت اختلاف الثقافات والأديان وغيرها.
وبهذا المعنى، يمكن للمختبر الثقافي الذي نتحدث عنه، القائم على الثقافة الصوفية، أن يتحول، من خلال الاشتغال العلمي والهندسة الثقافية، إلى فضاء يعيد إحياء القدرة على بناء سياق روحي يتيح التعدد، ويعزز إمكان تدبيره بصورة سلمية ومنتجة.
الصقلي: مهرجان فاس يعيد وصل الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الصقلي مهرجان فاس يعيد وصل الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الصقلي مهرجان فاس يعيد وصل الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الصقلي: مهرجان فاس يعيد وصل الأجيال الجديدة بالتراث الصوفي المغربي.
في الموقع ايضا :