اعتدنا أن نقول إن المواطن يمارس حقه (وواجبه) السياسي حين يدخل إلى مكتب التصويت، ويختلي بنفسه خلف الستار، ويضع علامة أمام رمز أو اسم، ثم يلقي بورقته في الصندوق وينصرف. هناك، في ذلك الصندوق الشفاف، تتحول القناعة أو الغضب أو المصلحة أو الوفاء الحزبي أو حتى المزاج العابر إلى رقم يدخل في احتساب الأصوات والمقاعد، وفي النهاية في صناعة الحكومة والمعارضة.
لكن يبدو أن للسياسة اليوم صندوقا آخر، لا يحتاج إلى مكتب تصويت ولا إلى بطاقة ناخب، ولا ينتظر موعدا انتخابيا كل خمس سنوات. نحمله معنا طوال اليوم، ونفتحه عشرات وربما مئات المرات، ونسقط فيه، دون أن نشعر، أصواتا من نوع آخر، كالمشاهدة، والإعجاب، والمشاركة، والتعليق، والبحث، والمتابعة، أو حتى شتيمة… إنه الهاتف الذكي.
هو صندوق لا يمنح مقاعد في البرلمان، ولا يعيّن رئيس حكومة، ولا يستطيع حزب أن يذهب بنتيجة أدائه في “تيكتوك” أو “فيسبوك” إلى المحكمة الدستورية ليطالب بمقعد إضافي، لكنه يفعل شيئا يشبه التصويت، حين يقرر لنا من نراه، ومن نسمعه، ومن يتكرر اسمه أمامنا، ومن ينجح في جر النقاش إلى قضاياه، ومن يبقى خارج الشاشة وكأنه خارج السياسة نفسها.
في عدد سابق من مجلة “لسان المغرب”، حاولنا النظر إلى انتخابات 23 شتنبر 2026 من هذه الزاوية. لم نبحث عمن فاز في صناديق الاقتراع، فقد أعلنت وزارة الداخلية ذلك، بل حاولنا معرفة من كان يفوز، أو يخسر، في سباق آخر كان يجري بشكل مواز على المنصات الرقمية.
والنتيجة كانت كافية لتبديد كثير من الأوهام، لأن الحزب الذي تصدر النقاش الرقمي لم يكن هو الحزب الذي تصدر الانتخابات. العدالة والتنمية كان الأكثر ذكرا في المنشورات المتعلقة مباشرة بالانتخابات، بينما حل الأصالة والمعاصرة أولا في عدد المقاعد.
أما العدد الجديد من المجلة فيعيدنا إلى المرحلة التي سبقت تلك المعركة، وهي ربما أكثر إثارة للاهتمام لأنها كانت أكثر هدوءا.
بين يناير وماي الماضيين، أي بعيدا عن الحمى الانتخابية، وضعت دراسة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري اثني عشر حزبا مغربيا تحت المجهر، وتابعت نشاطها على “فيسبوك” و”تيكتوك” و”يوتيوب” و”إكس” ومواقعها الإلكترونية.
وعندما قرأنا هذه الأرقام إلى جانب نتائج انتخابات شتنبر، وجدنا أن الحزب الأول على “فيسبوك” ليس نفسه الأول على “تيكتوك”، ومن يملك أكبر عدد من المتابعين ليس بالضرورة من يملك الجمهور الأكثر تفاعلا، ومن ينشر أكثر ليس بالضرورة من يُشاهد أكثر، ومن يُشاهد أكثر لا يعني أنه يُقنع…
التجمع الوطني للأحرار، مثلا، كان يملك قاعدة ضخمة من المتابعين وينشر بكثافة لافتة. على “تيكتوك” وحده نشر خلال فترة الدراسة 686 فيديو، مقابل 52 فيديو فقط للأصالة والمعاصرة. لكن نتيجة التفاعل كانت معكوسة تقريبا. فيديوهات ال”بام” حصدت نحو 1.9 مليون مشاهدة، مقابل نحو 102 ألف فقط للتجمع.
وعلى “يوتيوب” حدث شيء آخر. اقترب عدد مشاهدات التجمع من مشاهدات العدالة والتنمية، لكن جمهور الحزبين لم يتصرف بالطريقة نفسها بعد المشاهدة. حصل العدالة والتنمية على نحو 22 ألف تفاعل، مقابل 742 فقط للتجمع، رغم تقارب حجم المشاهدة الإجمالي.
انطلاقا من هذه المعطيات، لدينا اليوم على الأقل ثلاث خرائط: خريطة الأصوات والمقاعد، وخريطة التنظيم الحزبي في المدن والقرى والدوائر، ثم خريطة ثالثة ترسمها المنصات والخوارزميات، حيث لا تكفي عضوية المكتب السياسي ولا عدد البرلمانيين ولا تاريخ الحزب كي تضمن لك الوجود.
في تحليلنا السابق للفترة الانتخابية، استحوذ ثلاثة رجال فقط، هم فوزي لقجع وعبد الإله ابن كيران وعزيز أخنوش، على نحو نصف حضور الشخصيات السياسية في المنشورات المرتبطة بالانتخابات. الأحزاب موجودة، طبعا، لكن المنصات الرقمية تحب الأشخاص أكثر.
الخوارزمية لا تعرف معنى اللجنة المركزية، ولا تحترم أقدمية العضوية، ولا تنحني للأمانة العامة. هي تفضل الوجه، والجملة، والصراع، واللحظة القابلة للاقتطاع إلى فيديو قصير. لهذا يمكن لزعيم واحد أن يحمل حزبا كاملا إلى مقدمة النقاش، ويمكن لشخص وفد حديثا إلى تنظيم أن يصبح في أسابيع أكثر حضورا من قادته التاريخيين، ويمكن لرئيس حكومة أن يتحول اسمه إلى وعاء تصب فيه كل مشاعر الرضا أو الغضب تجاه خمس سنوات من الحكم.
تعلمنا منذ سنوات، كصحافيين، أن أكثر مادة قراءة ليست بالضرورة الأفضل، وأن عنوانا رديئا يمكن أن يحصل على مشاهدات أكثر من تحقيق استغرق أسابيع من العمل. لكننا تعلمنا أيضا أن تجاهل ما يقرأه الناس لا يجعلهم فجأة يقرأون ما نحب نحن أن يقرؤوه.
تواجه الأحزاب اليوم المعضلة نفسها. إذا تجاهلت المنصات، تحدّثت إلى نفسها. وإذا خضعت بالكامل لمنطقها، تحولت إلى صانع محتوى آخر يطارد “الترند”. والحل ليس في لوم الخوارزميات، فهي في النهاية لا تحمل بطاقة انخراط في أي حزب، ولا تصوت يوم الاقتراع. هي تعيد فقط توزيع الانتباه وفق قواعد ليست دائما واضحة لنا، لكننا جميعا نشارك في تغذيتها.
كل مرة نتوقف فيها عند فيديو، أو نعيد نشره، أو نغضب منه، نضيف صوتا صغيرا إلى ذلك الصندوق الثاني. حتى الشتيمة فيه تُحسب. وهذه ربما أكثر مفارقات السياسة الرقمية طرافة. يمكنك أن تمضي عشر دقائق في مهاجمة سياسي لا تطيقه، فتكون قد ساهمت في زيادة انتشاره أكثر من أحد أنصاره الصامتين.
لذلك بات من الخطأ أن نتسأل: من احتلّ الصدارة على “فيسبوك”؟ السؤال الأدق هو: ماذا تعلّم كل حزب عن جمهوره هناك؟ ومن استطاع تحويل الحضور الرقمي إلى علاقة، والعلاقة إلى ثقة، والثقة إلى تعبئة حين جاء موعد الاقتراع؟
الصندوق الثاني (الافتراضي) لا يعوض الأول (الواقعي). والمتابع الرقمي ليس ناخبا. والمشاهدة ليست صوتا. والتفاعل ليس تأييدا. لكن قبل أن يختار المواطن لمن سيمنح صوته، هناك معركة أخرى لتحديد من سيحصل أصلا على فرصة أن يسمعه، ليفتح أمامه إمكانية الإقناع ومن ثم التصويت.
هذه هي القصة التي حاولنا تفكيكها في عددين متتاليين من “لسان المغرب”. في الأول تابعنا فترة الانتخابات كما جرت على المنصات خلال الأسابيع التي سبقت 23 شتنبر، وفي العدد الجديد عدنا إلى الأشهر الهادئة السابقة، لنبحث عن البنية الرقمية التي دخل بها كل حزب إلى تلك المعركة.
والخلاصة أن الصندوق الأول الذي يفرز البرلمان والحكومة، يفتح أبوابه يوما واحدا، ثم يُغلق ليبدأ الفرز وتوزيع المقاعد. أما الصندوق الثاني فمفتوح في جيوبنا طوال الوقت.
الأول يقرر من يدخل البرلمان. والثاني يقرر، قبل ذلك بكثير، من يدخل إلى رؤوسنا دون تقطيع ولا لوائح انتخابية ولا قاسم انتخابي.
أما “وزير داخليته” فلا نعرف حتى اسمه.
انتخابات في جيوبنا صوت المغرب.
مشاهدة انتخابات في جيوبنا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ انتخابات في جيوبنا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، انتخابات في جيوبنا.
في الموقع ايضا :