من القانون عدد 38 لسنة 2020 إلى القانون عدد 18 لسنة 2025 و من الانتداب الاستثنائي إلى إعادة فتح الملف : هل تغيّرت مقاربة الدولة التونسية لملفّ أصحاب الشهائد العليا من طالت بطالتهم ؟
أنور بن حسين *
ظلّت بطالة أصحاب الشهائد العليا في تونس وخاصة أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة خارج سوق الشغل واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيدًا. فالمسألة لا تتعلّق بمجرد غياب موطن شغل بل تتصل أيضًا بتعطّل المسارات المهنية وتراجع فرص الاندماج الاجتماعي وتآكل الأمل في أن تتحوّل الشهادة العلمية إلى وسيلة للاستقلال الاقتصادي وتحقيق الذات.
في هذا السياق، صدر القانون عدد 38 لسنة 2020 المؤرخ في 13 أوت 2020، المتعلّق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي ثم صدر القانون عدد 18 لسنة 2025 المؤرخ في 22 ديسمبر 2025 المتعلّق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية. ويكشف القانونان رغم اشتراكهما في معالجة البطالة طويلة الأمد عبر الانتداب الاستثنائي عن اختلاف في معايير الانتفاع وآليات الترتيب والتنفيذ.
ولا تكمن أهمية المقارنة بينهما في تحديد أوجه الاختلاف القانونية فحسب، بل في طرح سؤال أعمق: إلى أي مدى استطاعت الدولة تحويل الاعتراف بمشكلة البطالة طويلة الأمد إلى آلية عملية تضمن تكافؤ الفرص وتفتح أفقًا مهنيًا لمن انتظروا سنوات طويلة؟
أولًا: القانون عدد 38 لسنة 2020 الانتداب المباشر بوصفه إجراءً استثنائيًا
أقرّ القانون عدد 38 لسنة 2020 مبدأ الانتداب المباشر على دفعات سنوية متتالية لفئات محددة من العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا دون اعتماد صيغة المناظرة الخارجية بالملفات والاختبارات. وشمل هذا الإجراء وفق الفصل الأول من قضوا عشر سنوات أو أكثر في البطالة وكانوا مسجّلين بمكاتب التشغيل. كما شمل الفصل الثاني أصحاب الشهائد العليا الذين بلغوا 35 سنة فأكثر ولم تبلغ مدة بطالتهم عشر سنوات، في حين تناول الفصل الثالث حالة فرد من كل عائلة جميع أفرادها عاطلون عن العمل. ونصّ القانون كذلك على تخصيص نسبة لا تقل عن 5% من الانتدابات السنوية بالوظيفة العمومية للأشخاص ذوي الإعاقة المستوفين للشروط القانونية.
اعتمد القانون إذن على مقاربة تقوم على الاستثناء من المناظرات التقليدية مع ترتيب المترشحين تفاضليًا وفق سنّ المتخرج وسنة التخرج وإخضاع المنتدبين لفترة تكوين مناسبة. ومن حيث المبدأ مثّل هذا التوجّه اعترافًا بأن سياسة الانتدابات لا تعالج بالضرورة أوضاع من قضوا سنوات طويلة في البطالة وأن اعتماد معيار الكفاءة في مناظرة موحّدة دون مراعاة كافية لمدة الانتظار والظروف الاجتماعية قد لا يحقق الإنصاف في جميع الحالات.
لا ينبغي تقييم القانون عدد 38 من خلال المبادئ التي أعلنها فقط بل أيضًا من خلال مدى تحويلها إلى نتائج ملموسة لفائدة الفئات التي استهدفها وحسب تصريحات بعض المعطلين فإن هذا القانون لم ينصفهم ووقع الاستيلاء عليه وتحويل وجهته من أطراف سياسية نافذة آنذاك، حيث كان من المنتظر أن يكون خصيصا لأصحاب الشهائد العليا ولكنه وقع إدماج من يعملون بصيغة المناولة الذين وقع تسوية وضعياتهم في حين وقع اقصاء أصحاب الشهائد مما جعلهم يفقدون الأمل في هذا القانون الاستثنائي.
ثانيًا: القانون عدد 18 لسنة 2025 نحو منظومة أكثر تحديدًا لشروط الانتفاع
عاد ملفّ من طالت بطالتهم إلى الواجهة مع صدور القانون عدد 18 لسنة 2025 الذي أقرّ معالجة وضعية خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم عبر الانتداب الاستثنائي في مختلف القطاعات العمومية سواء في القطاع العام أو الوظيفة العمومية تحت إشراف وزارة التشغيل والتكوين المهني.
ومن أبرز ما جاء به القانون إحداث منصة رقمية تُدرج فيها معطيات المترشحين، ويقع ترتيبهم تفاضليًا وفق مجموعة من المعايير، هي:
سن المترشح مع إعطاء الأولوية لمن تجاوزوا الأربعين سنة. سنة التخرج مع مراعاة من تجاوزت مدة تخرجهم عشر سنوات. الانتماء إلى عائلة جميع أفرادها عاطلون عن العمل مع عدم اشتراط سن معين في هذه الحالة. الوضعية الاجتماعية للمترشح.كما وضع القانون شروطًا تتعلق بالتسجيل بمكاتب التشغيل وعدم الانتفاع بإجراءات تسوية الوضعيات المهنية وعدم الانخراط بصفة مسترسلة في منظومة التقاعد والحيطة الاجتماعية وعدم التمتع بمعرّف جبائي خلال السنة السابقة للتسجيل بالمنصة وعدم الحصول على قرض يفوق 40 ألف دينار من المؤسسات المالية والبنكية عند التسجيل بالمنصة.
ومن جهة أخرى فإن القانون الجديد لا يكتفي بتحديد الفئات المستهدفة بل يضع منظومة للترتيب الرقمي والتثبت من الشروط ويربط الانتداب بالشغورات المتاحة وبالتوازن بين الاختصاصات غير أن الرقمنة مهما كانت أهميتها في تنظيم الملفات لا تعني في حد ذاتها أن الانتداب قد أصبح واقعًا ففاعلية هذه الآلية تظل مرتبطة بوضوح الإجراءات ودقة المعطيات وسرعة التثبت وتوفير الشغورات واحترام الآجال المقررة.
رابعًا: من النص القانوني إلى التنفيذ: أين يكمن التحدي؟
إن أحد أهم الدروس التي يطرحها الانتقال من القانون عدد 38 إلى القانون عدد 18 هو أن معالجة البطالة طويلة الأمد لا تتوقف عند إصدار قانون جديد فالقانون لا يخلق مواطن الشغل تلقائيًا بل يضع إطارًا قانونيًا يفترض أن تتبعه إجراءات إدارية ومالية وتنظيمية واضحة.
وقد أكدت وزارة التشغيل والتكوين المهني، وفق ما نُقل عن الوزير أمام مجلس نواب الشعب في 10 أفريل 2026، أن تفعيل القانون عدد 18 يرتبط بإحداث المنصة الرقمية وإصدار النصوص الترتيبية وأن المنصة كانت بصدد التطوير في ذلك التاريخ.
وتكشف هذه المعطيات عن أهمية التمييز بين صدور القانون ودخوله حيز التنفيذ من جهة واستكمال التراتيب الإدارية الضرورية لتطبيقه من جهة أخرى. فالقانون عدد 18 دخل حيز التنفيذ عند نشره بالرائد الرسمي في 23 ديسمبر 2025 لكن تفعيله يستوجب استكمال النصوص الترتيبية وتطبيق القانون دون تسويف أو تقديم وعود مؤجلة.
وهنا تبرز ضرورة اعتماد الشفافية في كل مرحلة: الإعلان عن كيفية التسجيل وتوضيح طريقة احتساب الترتيب وتحديد آجال معالجة الملفات ونشر المعلومات المتعلقة بالشغورات والانتدابات المنجزة. كما تقتضي العدالة الإدارية تمكين المترشحين من فهم أسباب ترتيبهم وتصحيح المعطيات غير الدقيقة وفق الإجراءات التي ستُعتمد. إن المصداقية لا تُقاس بصدور النصوص وحدها بل بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى مسار واضح يستطيع المواطن متابعته ومساءلة الجهات المعنية بشأنه وضمان عدم تحول الترتيب الرقمي إلى مجرد إجراء شكلي. والمهم في هذه المرحلة أن النقاش انتقل من المطالبة بإقرار القانون إلى المطالبة بتحديد آجال تنفيذه وإصدار النصوص التطبيقية وهو ما أكده عدد من أعضاء مجلس النواب مثل النائب حسام محجوب الذي صرح وفق ما نقلته موزاييك أف أم أن الأوامر الترتيبية بصدد الإعداد للأوامر الترتيبية، بينما أكد النائب علي زغدود على تحديد مسؤولية كل وزارة وإدارة في تنفيذ الإجراءات وضرورة تقديم تقارير دورية حول الانتدابات. كما أن الملف أصبح تحت متابعة رئاسة الجمهورية التي أكدت أن البطالة ليست اختيارا بل ترتبط بممارسات وتراكمات سابقة وضرورة الانتقال إلى مرحلة العمل والوفاء بالتعهدات.
إن المقارنة بين القانون عدد 38 لسنة 2020 والقانون عدد 18 لسنة 2025 تبيّن استمرار اعتماد الدولة التونسية على آلية الانتداب الاستثنائي لمعالجة البطالة طويلة الأمد لدى أصحاب الشهائد العليا لكن الفارق بين القانونين لا ينبغي أن يحجب السؤال الأساسي: هل ستتمكن آليات التنفيذ من تحويل النص القانوني إلى فرص شغل فعلية وفي الآجال المحددة؟
* كاتب وناشط مدني.
ظهرت المقالة هل تغيّرت مقاربة الدولة التونسية لملفّ من طالت بطالتهم ؟ أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة هل تغي رت مقاربة الدولة التونسية لملف من طالت بطالتهم
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل تغي رت مقاربة الدولة التونسية لملف من طالت بطالتهم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل تغيّرت مقاربة الدولة التونسية لملفّ من طالت بطالتهم ؟.
في الموقع ايضا :