دخل المغرب هذا المسار منذ البداية، لا بصفة مراقب فقط، بل عضواً مؤسساً في “تحالف لوميير”، وشريكاً في مبادرة IRIS لدعم القاعات والتوزيع المستقل، وطرفاً في الشراكة العالمية للتربية على الصورة. ويطرح هذا الانخراط سؤالاً أعمق من الدبلوماسية الثقافية: هل يستطيع المغرب أن يحول الحضور إلى سياسة صناعية وثقافية متكاملة، أم سيكتفي بوضع اسمه في شبكة دولية متقدمة بينما تظل بنيته الداخلية موزعة بين دعم الإنتاج، وجذب التصوير الأجنبي، وضعف التوزيع، وضيق القاعات، وهشاشة الاقتصاد السينمائي؟
من موقع للتصوير إلى صناعة سينمائية
يجذب المغرب الإنتاج الأجنبي بفضل تنوع عوامل كثيرة منها، فضاءاته المتنوعة وخبرته التقنية واستوديوهات الطبيعية والمهيأة بورززات، وكذلك بفضل الأمن والقرب من أوروبا وتسهيلات التصوير وآلية الاسترجاع المالي. غير أن تنفيذ إنتاج أجنبي، مهما خلق من فرص عمل ونقل خبرة، لا يساوي امتلاك صناعة وطنية مكتملة. يظل الفرق كبيراً بين أن نكون موقع تصوير ممتازاً وأن نكون مركزاً يطور المشاريع، يمولها، وينتجها ويمتلك حقوقها ويسوقها ويوزعها، ويعيد استثمار أرباحها في دورة إنتاج جديدة.
تظهر إحدى مشكلات السينما المغربية حين يختلط مفهوم “الإنتاج” بمفهوم “التنفيذ”. ينتج المنتج الحقيقي المشروع منذ الفكرة: يقرأ السيناريو، ويطور الكتابة، ويحدد الجمهور، ويصمم التمويل، ويبحث عن الشركاء، ويبرم اتفاقات التوزيع المسبق، ويفاوض المنصات والقنوات، ويخطط للمهرجانات والأسواق، ويحمي الملكية الفكرية. أما المنتج المنفذ فيدير عملية التصوير لصالح مشروع يملكه آخرون.
لهذا يصبح التحدي المالي بنيوياً. لا يمكن لصناعة أن تعتمد دائماً على لجنة دعم ثم تطلب أن تنافس شركات دولية تشتغل برأس المال، والائتمان، وصناديق المخاطر، والتوزيع المسبق، والمبيعات الدولية. يستطيع دعم الدولة أن يحمي التنوع ويشجع الأفلام الأولى والمشاريع التي لا تخضع لمنطق السوق وحده، لكنه لا ينبغي أن يعوض غياب المنتج المستثمر.
القاعات: الحلقة التي تقرر مصير الفيلم
تكشف هذه الأرقام ضيق السوق وتركيزه. يظل عدد السكان أكبر بكثير من قدرة شبكة العرض، وتبقى مدن وأقاليم واسعة خارج الدورة الطبيعية للفيلم. لذلك تأتي مبادرة IRIS في توقيت حاسم، لأنها تريد دعم “القاعات المستقلة والموزعين والشبكات التي تضمن تداول الأعمال” (Elysée, 2026). وإذا تعامل المغرب معها بجدية، فيمكنه أن يجعلها مدخلاً لإعادة بناء شبكة عرض صغيرة ومتوسطة، قريبة من الجامعات والمدن الصاعدة والمراكز الثقافية، لا مجرد مضاعفة المركبات التجارية الكبرى.
لا يحتاج القطاع فقط إلى تقنيين يعرفون تشغيل الكاميرا والإضاءة والمونتاج وهذا ما يجد صدا وتفهما لحد الآن، بل يحتاج كتاب سيناريو ومطوري مشاريع ومديري إنتاج ومنتجين ماليين، كما يحتاج وكلاء مبيعات ومسؤولي حقوق، ومتخصصين في البيانات والجمهور والتسويق والتوزيع. وتزداد الحاجة مع الذكاء الاصطناعي الذي يغير مراحل التطوير وما قبل الإنتاج وما بعده إلى مدراء فنيين عميقي التكوين في مفاهيم الإبداع والفكر والوعي المدني والفلسفي والجمالي.
ولهذا تبدو مشاركة المغرب في الشراكة العالمية للتربية على الصورة مهمة بقدر أهمية التمويل. يحتاج الطفل والطالب والمواطن إلى تعلم قراءة الصورة، لأن المجتمع الذي لا يقرأ الصور يسهل تضليله بها. ويصبح تعليم السينما هنا جزءاً من التربية المدنية، لا مادة ترفيهية ولا شئنا استثماريا سطحيا وتجاريا بالأساس.
السينما اقتصاد، ولكنها أيضاً ديمقراطية
تساهم السينما في تحديث المجتمع حين تدرب المتلقي على المقارنة والشك والسؤال، وتمنحه مسافة من الخطاب الجاهز. ولا تصنع الديمقراطية صناديق الاقتراع وحدها، تحتاج إلى مواطن يستطيع قراءة الصورة والخطاب والوعد السياسي والإشهار والخبر. ولذلك يرتبط تطوير السينما بالتنمية البشرية والوعي المدني والثقافة السياسية، وليس فقط بوزارة الثقافة أو بالمركز السينمائي.
تمنح “لوميير” المغرب فرصة للتعلم من شبكات تضم مؤسسات عامة ومنتجين وموزعين ومنصات وشركات تكنولوجيا. غير أن الشبكة الدولية لا تعالج وحدها هشاشة التوزيع الداخلي. يحتاج المغرب إلى موزعين مستقلين أقوى، وإلى بيانات فورية وشفافة عن شباك التذاكر، وإلى سياسات تساعد الفيلم الوطني على الوصول إلى الجمهور من دون فرضه إدارياً. كما يحتاج إلى أسواق مهنية حقيقية تربط الكتاب والمنتجين والممولين والموزعين ووكلاء المبيعات، لأن المهرجان الذي يعرض الأفلام فقط يحتفل بالنتيجة، أما السوق فيصنع الدورة الاقتصادية التي تسمح بظهور الفيلم التالي.
الحوكمة والبيانات: لا صناعة بلا معرفة دقيقة بنفسها
تحتاج السياسة السينمائية إلى مؤشرات تتجاوز عدد الأفلام والتراخيص: نسبة استرداد الاستثمار، مدة حياة الفيلم، مداخيل كل نافذة عرض، صادرات الحقوق، عدد الوظائف المستدامة، حصة النساء والشباب، تمركز الشركات، التفاوت الجهوي، ونسبة الأموال التي تعود إلى دورة الإنتاج. عندها يمكن تقييم الدعم باعتباره استثماراً ثقافياً واقتصادياً، لا مجرد مبالغ صرفت ومشاريع أُنجزت.
فرصة أم عضوية شكلية؟
يملك المغرب أسباباً حقيقية للاستفادة من “لوميير”: موقع جغرافي واستراتيجي قوي، تراكم مهني، حضور دولي، اتفاقات إنتاج مشترك، خبرة في استضافة المشاريع الكبرى، مواهب شابة، وسمعة متقدمة داخل إفريقيا والعالم العربي. كما يمنحه موقعه، كما يقول بلاغ المركز السينمائي المغربي، قدرة على العمل “ملتقى بين إفريقيا والعالم العربي والمتوسط وأوروبا” (CCM, 7 septembre 2026).
ويحتاج المغرب أيضاً إلى تغيير معيار النجاح. لا يكفي أن نقول إن فيلماً صور في ورززات أو إن نجماً عالمياً أقام في مراكش. يجب أن نسأل: ما الذي بقي بعد مغادرة الفريق؟ كم تقنية انتقلت؟ كم شركة مغربية ارتقت من التنفيذ إلى الشراكة؟ كم حقاً امتلكناه؟ كم منتجاً دخل السوق الدولية؟ كم فيلماً مغربياً وجد جمهوراً خارج الدعم والمهرجان؟
المغرب وقمة "لوميير" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة المغرب وقمة لوميير
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب وقمة لوميير قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب وقمة "لوميير".
في الموقع ايضا :
- يبدو أن Binance قد تم اختراقها، كما يقول CZ، حيث قامت Tether وCircle بتجميد 1.8 مليار دولار · تقرير Clash
- وزارة التربية تشارك عن بُعد بـ(397) متخصصًا من المحافظات في الورشة التعريفية بالمكتبة الرقمية التي ينفذها مكتب التربية العربي لدول الخليج
- اعتراض صاروخين باليستيين في الرياض يتسبب بإصابة مواطن وأضرار مادية