yemenat
يمنات
د. نجيب عسكر
تاريخ البشرية حافل بالمآسي التي تتكرر بصور مختلفة، ولعل أكثرها بشاعة تلك التي يُساق فيها الناس خلف شعارات براقة ووعود كبرى، قبل أن يكتشفوا أنهم وقعوا ضحايا أوهام صنعتها قيادات لا ترى في الشعوب سوى أدوات لتحقيق مشاريعها.
وتقدم تجربة بول بوت (سالوث سار – Saloth Sar) في كمبوديا نموذجاً بالغ القسوة لآلية «القيادة بالوهم»، وكيف يمكن لزعيم وجماعة متطرفة أن يستدرجا شعباً بأكمله إلى كارثة إنسانية، تحت لافتات التحرر الوطني والمساواة واستعادة المجد وبناء المجتمع المثالي.
عاد بول بوت من دراسته في فرنسا حاملاً مشروعاً أيديولوجياً متطرفاً، استطاع تسويقه من خلال استثمار معاناة الناس وسخطهم على الأوضاع القائمة، ورفع شعارات التحرر من الهيمنة الأجنبية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة مجتمع جديد خالٍ من الفوارق والامتيازات. وهكذا تحولت الوعود بالمساواة والكرامة إلى غطاء لمشروع سلطوي دموي.
وبمجرد استيلائه على السلطة عام 1975، سقط القناع، وظهرت حقيقة الوهم الذي جرى تسويقه للجماهير.
فقد أُجبر سكان العاصمة (بنوم بنه) والمدن الأخرى على مغادرة منازلهم قسراً، في مشهد مأساوي جرى تسويقه باعتباره خطوة نحو بناء المجتمع الزراعي الجديد. وفُرض ما عُرف بـ«العام صفر»، وأُلغيت العملة والأسواق، وعُطّل التعليم، وفُككت مؤسسات المجتمع، وأُخضع السكان لنظام قاسٍ من العمل الجماعي القسري.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد؛ إذ تحولت البلاد إلى سجن كبير، وانتشرت الإعدامات والتعذيب والمجاعة والأمراض، وقُتل ما يقارب مليوني إنسان، أي نحو ربع سكان البلاد، خلال سنوات حكم الخمير الحمر (1975–1979).
ولم يكن التعليم أو الانتماء إلى النخب أو مجرد الاشتباه في مخالفة النظام سوى أسباب كافية للاضطهاد والقتل في ظل ذلك الحكم الدموي.
انتهى حكم بول بوت، لكن الكارثة التي خلفها لم تنتهِ بسقوطه؛ فقد ترك وراءه مجتمعاً ممزقاً، ومؤسسات مدمرة، وذاكرة وطنية مثقلة بملايين الضحايا. أما هو، فتوفي عام 1998 في معسكر تابع للخمير الحمر على الحدود التايلاندية الكمبودية، دون أن يمثل أمام محكمة للعدالة.
وحين نتأمل هذه المأساة، ندرك أن التاريخ لا يعيد أحداثه بالضرورة، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج آليات الخداع والسيطرة ذاتها.
وفي واقعنا اليمني، لا يصعب ملاحظة نماذج من أدعياء الشعارات الذين يستثمرون معاناة الناس ومظلومياتهم، ويتاجرون بمفردات السيادة والمجد والكرامة والهوية، ويعدون الجماهير بالخلاص واستعادة الحقوق، بينما تقود ممارساتهم إلى مزيد من الخراب والتجويع، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتدمير مؤسسات الدولة، ومصادرة مستقبل الأجيال.
إن المأساة الحقيقية تبدأ حين تتحول الشعارات إلى بديل عن العقل، والولاء للزعيم أو الجماعة إلى بديل عن الولاء للوطن، وحين يُطلب من الناس التضحية بحاضرهم ومستقبل أبنائهم من أجل مشروع لا يُسمح لهم حتى بمساءلة أصحابه.
إن أخطر ما يهدد الشعوب ليس فقط عدوها الذي يعلن عداءه، بل أيضاً من يتسلل إلى وعيها بأقنعة الخلاص، ويستثمر آلامها وأحلامها ليصنع منها وقوداً لمشاريعه السلطوية.
فليس كل من رفع راية الوطن حريصاً عليه، وليس كل من تحدث باسم الكرامة يحترم كرامة الناس، وليس كل من وعد بالخلاص يحمل مشروعاً للإنقاذ.
تلك هي إحدى أخطر صور القيادة بالوهم، حيث يُقاد الناس إلى الجحيم وهم يعتقدون أنهم في طريقهم إلى الجنة.
yemenat
مشاهدة دروس تتكرر وأوهام تتجذر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ دروس تتكرر وأوهام تتجذر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، دروس تتكرر وأوهام تتجذر.
في الموقع ايضا :