أنقرة وأوتاوا.. شراكة قوتين متوسطتين لتعزيز استقلالية القرار في عالم مضطرب ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

ترك برس

تناول مقال للكاتب والباحث محمود  الرنتيسي، دوافع التقارب التركي الكندي في ظل الاضطرابات التي يشهدها النظام الدولي وتراجع موثوقية الولايات المتحدة في تعاملها مع حلفائها، ولا سيما بعد تصاعد الضغوط التجارية والسياسية على كندا. 

يرى الرنتيسي أن الشراكة الاستراتيجية بين أنقرة وأوتاوا تمثل فرصة أمام قوتين متوسطتين لتعزيز استقلالية قرارهما وتوسيع خياراتهما الاقتصادية والأمنية، من خلال التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة النووية والصناعات الدفاعية. 

كما يسلط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية لهذا التقارب، ودور تركيا في قضايا الأمن الأوروبي والشرق الأوسط، وإمكانية توظيف الشراكة في تنسيق المواقف الدبلوماسية، بما فيها القضية الفلسطينية. وفيما يلي نص المقال الذي نشره موقع "TRT عربي":

في إطار إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي استقبل لأول مرة في إطار اجتماع ثنائي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إطلاق شراكة استراتيجية بين تركيا وكندا، تشمل توسيع آفاق العلاقات بين البلدين في كل المجالات، ولا سيما في الشق الاقتصادي والاستثماري، يمكننا الحديث عن تقارب بين قوتين متوسطتين تريدان توسيع هامش المبادرة في بيئة دولية مضطربة، مع أن هذا لا يعني الجفاء مع التحالفات الغربية الأخرى بما فيها العلاقة مع الولايات المتحدة نفسها.

قد تكون عبارة "في عالم متغير" لم تعد تصف عمق الاضطراب الذي يعيشه النظام الدولي في ظل تراجع القابلية للتنبؤ بسلوك القوى الكبرى وحتى الصغرى، ولكن هي عبارة تظل صحيحة في وصف أي نظام في ظل الخلل الذي يصاحب بنية النظام الدولي وعملية التدافع والصراع المستمرة، ولكن عندما نرى كيف تستخدم الولايات المتحدة قوتها في التعامل مع حلفائها كما يشير الأكاديمي الخبير بالنظام الدولي ستيفن والت، فإن الأمر لا يعود تغييراً في موازين القوى بقدر ما هو اضطراب في القواعد والضمانات التي تعتمد عليها الدول الأخرى، وتصبح المشكلة ليس في تراجع قوة الولايات المتحدة كمهيمن على النظام، بل في طريقة استخدامها لها أيضاً.

وفي هذا السياق تبرز كندا كمثال قريب لتغيير علاقة الولايات المتحدة مع القوى المتوسطة القريبة منها تاريخياً، فبالرغم من تحالفها مع الولايات المتحدة إلا أن الأخيرة غيرت تعاملها مع كندا فأصبحت بعض الروابط الأمريكية-الكندية التي كانت كندا تعتبرها مصدراً للاستقرار وللتهديد مثل الوصول للسوق الأمريكية واتفاقية التجارة والشراكة الأمنية، وأصبحت هذه القضايا موضع ضغط وابتزاز من واشنطن وهنا يعتبر تراجع الموثوقية بالولايات المتحدة دافعاً مهماً لقوة متوسطة مثل كندا للبحث عبر خيارات سياستها الخارجية الأخرى.

وفي هذا السياق وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026 أكد بنك كندا أن الولايات المتحدة فرضت رسوماً بنسبة 50% على مجموعة من المنتجات الكندية بصرف النظر عن الاتفاقيات السابقة، وبالتالي ارتفع متوسط معدل الرسوم الأمريكية على الواردات من كندا من 0.1% قبل 2025 إلى 7.5% بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026. 

لا يعني هذا انهيار التجارة الحرة بالكامل ولكن قابلية التعويل على الولايات المتحدة كوجهة أصبحت موضع دراسة وتشكك، كما أن نوعية القطاعات التي فرضت عليها الرسوم، مثل الحديد والصلب والسيارات تشير إلى أن الشراكة الأمنية الوثيقة بين كندا والولايات المتحدة لم تعد كافية لتحصين القطاعات الاقتصادية الكندية الحيوية، والأهم أن الاجراءات الأمريكية تبرر بأنها لحماية الأمن القومي الأمريكي.

وإذا كان البعض يرى أن الأمر لا يعدو كونه محاولة استفادة أمريكية من عملية التجارة بين البلدين ليميل الميزان لمصلحتها، فإن هذا التفكير يصبح غير دقيق عندما نستحضر ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بأنه يريد جعل كندا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.

 ومرة أخرى لا نتحدث عن خطة ضم أمريكية لكندا كما تسعى إسرائيل لضم الضفة الغربية، ولكن يمكن الحديث عن انهيار فكرة احترام السيادة الكندية في الخطاب السياسي الأمريكي على الأقل، ما يؤكد ما ذكر في البداية عند اضطراب القواعد التي تحمي العلاقة بين الأطراف وعدم اليقين حول الخطوات القادمة.

لم تكتف كندا بإدانة الإجراءات والتصريحات الأمريكية ولكنها حددت اتجاهات استجابة هي تقوية السوق الكندية الداخلية، وزيادة الإنفاق والقدرة العسكرية وتعميق العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، وقد تعهد رئيس وزراء كندا كارني بمضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة خلال عقد، ولا يتعلق الأمر بنظرة تجارية فحسب، بل بالعمل على الحد من انكشاف استراتيجي.

الانفتاح على تركيا

ولما سبق فإن الانفتاح على تركيا يخدم الأهداف الكندية لتقليل الانكشاف أمام الولايات المتحدة ولو جزئياً، إذ لا يتوقع أن يجري ذلك مع تركيا، فتركيا تعتبر في المجال الأوروبي وتساهم في هدف تنويع التجارة والطاقة والتعاون الصناعي الدفاعي الكندي، إذ يمكن أن تحصل الشركات الكندية على عقود في تركيا، ويمكن لمجالات تتخصص فيها كندا مثل تقنية كاندو وهي مفاعلات تعتمد على الماء الثقيل وسيطاً واليورانيوم الطبيعي وقوداً بدلاً من اليورانيوم المخصب، وتحتاج تركيا لمثل هذا النوع من المفاعلات لدعم إنتاج الطاقة لديها وتنويع شراكاتها النووية.

يبدو ملف الصناعات الدفاعية واحداً من الملفات المهمة، ففي ظل الزيارة التاريخية والثنائية لأول مرة لرئيس وزراء كندي إلى تركيا، فقد جرى الترحيب بمذكرة تفهم للشراكات في القطاع الدفاعي، وتتيح هذه الشراكة لكندا توسيع خياراتها وترجمة الإنفاق الدفاعي إلى قدرة فعلية. 

وفق المنظور الغربي القديم للأمن، قد لا تحتاج كندا للعمل مع تركيا لتقوية شراكاتها الأوروبية، ولكن الاضطراب الذي تحدثنا عنه في بداية المقال وعبور الصراعات للحدود، فالأمن الأوروبي والأمن الغربي لا يقتصران على دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، فتركيا حاضرة اليوم في ملفات كثيرة، منها ملفات البحر الأسود وشرق المتوسط والقضية الفلسطينية وسوريا والحرب الإيرانية-الأمريكية، وقضايا الطاقة والممرات البرية والبحرية، فضلاً عن قضايا الصناعات الدفاعية، كما أن الشراكة بين شركاء الناتو يمكن أن تتطور في المجال الثنائي، ولا تكتفي بالتنسيق والتعاون داخل الناتو الذي قد يكون مقيداً.

كندا وتركيا قوتان متوسطتان

لا تقف قيمة الشراكة بين قوتين متوسطتين، لأنهما قوتان متوسطتان في ظل مسؤولية أمام تقلبات النظام الدولي فحسب، بل في بناء تكامل يوسع خياراتهما معاً، ولذلك هناك مسارات عملية يجري المضي فيها في التجارة والاستثمار والصناعات الدفاعية والطاقة.

والأهم من ذلك أن هذا التعاون ليس مغلقاً، فهو ينفتح على شراكات أخرى لكل واحدة منهما، فمثلاً عندما يكون لدى تركيا شراكات مع دول متوسطة أخرى، ويكون لدى كندا على سبيل المثال علاقات مع أستراليا وغيرها، فيمكن الذهاب نحو توسيع شراكة القوى المتوسطة عبر القدرات المشتركة وليس عبر القيم المشتركة فحسب.

لقد كان أحد التعريفات في حقل العلاقات الدولية عن القوى المتوسطة أنها قوى ملتزمة قيم النظام، وتمثل مواطناً صالحاً في النظام، ولكن اليوم يعاد هذا التعريف الذي يمكن الجدل حوله، لأنه يفترض الاستقرار، بينما طبيعة النظام طبيعة فوضوية تعتمد على القوة، وتحاول هذه القوى المتوسطة أن تتبادل أدوات بناء القوة في مختلف المجالات، وليس في المجال الدبلوماسي فحسب. 

كما بقية العلاقات المتطورة بين أي طرفين في النظام الدولي، ستخضع العلاقات التركية-الكندية للاختبار في تحويل التفاهمات الأولية إلى انخراط عملي وستخضع للاختبار العملي عند أقرب أزمة، وإن كتب لهذه العلاقة النجاح فهي ستخدم الطرفين وستعمل على تنويع داخل المعسكر الغربي، ولا تمهد لتحول أو اصطفاف سياسي جديد، بل ستخدم استقلالية القرار وإمكانية تحويل هذه الشراكة في العمل الدبلوماسي إلى نفوذ، وعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة من التطور الإيجابي في موقف كندا تجاه القضية الفلسطينية، التي اعترفت في سبتمبر/أيلول 2025 بدولة فلسطين، ثم وسعت هذا العام عقوباتها على المستوطنين في فرض ضغوط أكبر على دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ تدعو تركيا لمزيد من الضغوط على اسرائيل لتحقيق الاستقرار، وقد تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أهمية هذه الضغوط في خطاباته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقبل ذلك في قمة الناتو التي استضافتها أنقرة.

كل ما سبق لا يلغي الخلاف بين قوتين متوسطتين متقاربتين، فتركيا وكندا لديهما توجهات مختلفة تجاه عدة قضايا، ولكن التقارب رغم إدراك الخلاف يدل على نضج حقيقي، فمنع التصورات المختلفة من تعطيل التعاون في كل الملفات هي إشارة نضج وهي ميزة تتميز بها القوى المتوسطة أكثر من القوى الكبرى في الأغلب.

مشاهدة أنقرة وأوتاوا شراكة قوتين متوسطتين لتعزيز استقلالية القرار في عالم مضطرب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أنقرة وأوتاوا شراكة قوتين متوسطتين لتعزيز استقلالية القرار في عالم مضطرب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أنقرة وأوتاوا.. شراكة قوتين متوسطتين لتعزيز استقلالية القرار في عالم مضطرب.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار