من باريس إلى بروكسل، ومن مدريد إلى ميلانو، تتعدّد دوافع الاحتجاج وتختلف تجلياته، فيما يلوح خلف هذا التّباين تصدّع أعمق في العلاقة بين المواطن ومؤسساته.
هكذا تبدو أوروبا أمام اختبار لا يتعلق بقدرتها على احتواء الغضب بقدر ما يمسّ الأسس التي قامت عليها تسويتها الاجتماعية، ومدى قدرتها على تجديد الوعد الذي جمع، لعقود، بين الازدهار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستقرار الديمقراطي.
وتثير إصلاحات التقاعد وسياسات التقشف غضب النقابات والعمال في بلجيكا، بينما تتغذى مظاهر الاحتقان في إيطاليا من تراجع الخدمات الاجتماعية. وخلف هذا التباين، تتشكل أزمة أوروبية أعمق، تتآكل فيها القدرة الشرائية وتتزعزع الثقة في قدرة الدولة على حماية مكتسباتها الاجتماعية.
وتتعمق هذه المفارقة حين تتحمَّلُ الفئاتُ العاملة أعْباء التَّقشف، في وقت تتسع فيه فجوات الثّروة وتتقلَّص فُرص الارتقاء. عندئذ يتجاوز الاحتجاج المطالب المعيشية إلى مساءلة الخيارات التي تحكم توزيع الموارد والأعباء.
جيْلٌ يُسَائلُ الوُعود ويقتحِمُ الشَّوارع
وفي المسافة الفاصلة بين اتساع التّطلعات وانكماش الفُرص، تجدُ النّقمة الاجتماعية في الفضاء الرقمي امتداداً يتخطّى الجغرافيا، حتى تغدو المظالم المتفرقة تعبيرات عن اختلالات تتشابه ملامحها على اختلاف السياقات.
من هنا تتكشَّف مُفارقة أعمَق في الاحتجاج المعاصِر: قُدرة غير مسبوقة على توحيد الأصْوات في مواجهة الواقع، تُقابلها هَشاشةٌ في صياغة الأفُق الذي يمكنُ أن يحُلّ محَلّه.
وهنا تتجلى مفارقة الديمقراطية الأوروبية: مؤسسات تضمن حق الاعتراض، وتجد صعوبة متزايدة في ترجمة المطالب المتعارضة إلى خيارات تحظى بالقبول.
من هذا المنظور، لا تعود الاضطرابات شأناً داخلياً تتفاوت حِدَّته بين دولة وأخرى؛ إذ تمتد أسئلتها إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، وإلى مدى قدرة مشروعه المشترك على الصمود أمام تصدّع التوافقات داخل مجتمعاته.
المشروع الأوروبي في مواجهة تناقُضاته
غير أن التحوُّلات الدّيموغرافية والاقتصادية والجيوسياسية باتت تضيِّق هامش هذا التَّوازن، وتُعيد طرح أسئلة النُّمو وتوزيع الثروة وتكافؤ الفرص. ولم تعد شرعية المؤسسات رهينة قدرتها على الاستمرار، بقدر ما أصبحت متعلّقة بما تتيحه من إنصاف اجتماعي وفُرص فعلية للارتقاء.
لعل أعمق ما تكشفُه شوارع أوروبا اليومَ أنَّ قُوَّة الدّول لا تُختبر بما راكمته من ثروة أو شيّدته من مُؤسَّسات، وإنما بقدرتها على صون كرامة الإنسان، ومنحه ما يجعلُ المستقبل جَديراً بالأمل. لذلكَ، حين تفقِدُ الشُّعوب ثقتها في الغَد، تُصبح أوطانُ الرَّفاه نفسها سَاحاتٍ لِلْقَلقِ والاحْتجاج.
أوروبا وقلق الرفاه Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أوروبا وقلق الرفاه
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أوروبا وقلق الرفاه قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أوروبا وقلق الرفاه.
في الموقع ايضا :