أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس
لم تكن الدعوة إلى الله تعالى في جوهرها مجرد كلمات تلقى على الأسماع، ولا مواعظ تتردد على المنابر، وإنما كانت على امتداد التاريخ رسالة هداية، ومنهج بناء، ومشروعا لإحياء القلوب، وتنوير العقول، وتهذيب النفوس، والارتقاء بالإنسان إلى آفاق الإيمان والفضيلة. وقد أرسى القرآن الكريم لهذه الرسالة منهجا ربانيا محكما، تتعانق فيه الحكمة مع الرحمة، ويتآزر فيه البرهان مع الوجدان، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
وفي رحاب هذا التوجيه القرآني السامي، تتجلى ملامح المنهج الدعوي للإمام المجدد بديع الزمان سعيد النورسي، الذي أطل على العالم الإسلامي في مرحلة عصيبة من تاريخه، حين اشتدت رياح التحولات الفكرية، وتزاحمت موجات المادية والإلحاد، وتعرضت القيم الإيمانية لتحديات جسيمة.
وفي خضم تلك العواصف، لم يتخذ النورسي من الصخب سبيلا إلى الإصلاح، ولا من الخصومة منهجا للدعوة، وإنما حمل مشعل الإيمان، وجعل من الحكمة لسانا، ومن الرحمة عنوانا، ومن الموعظة الحسنة جسرا يصل به إلى العقول والقلوب. وهكذا غدت دعوته مدرسة تربوية وفكرية، امتدت آثارها إلى آفاق واسعة، وتجسدت معالمها في موسوعته الإيمانية الخالدة رسائل النور.
الحكمة الدعوية:
لقد أدرك الإمام النورسي أن الحكمة ليست زخرفا لفظيا تتزين به الخطب، وإنما هي بصيرة نافذة تدرك مواطن الداء، وتلتمس لها الدواء، وتضع الكلمة في موضعها، وتخاطب الإنسان بما يلائم عقله وحاله وواقعه. ومن هذا المنطلق، لم ينظر إلى الدعوة بوصفها خطابا واحدا يصلح لكل زمان ومكان، بل رأى أن لكل عصر أسئلته، ولكل مجتمع تحدياته، ولكل نفس مداخلها إلى الحقيقة. وحين رأى أن الشبهات المادية أخذت تتسلل إلى العقول، وأن اليقين الإيماني بات عرضة للاضطراب، وجه عنايته إلى ترسيخ أصول العقيدة، وإقامة البراهين على حقائق التوحيد والنبوة والبعث. ولم يكن منهجه قائما على الإلزام المجرد، بل على الإقناع الذي يفتح مغاليق الفكر، ويوقظ ملكة التأمل، ويقود الإنسان من آيات الكون المنظور إلى حقائق الوحي المسطور. فكانت السماء بنجومها، والأرض بجبالها، والزهور بألوانها، والكائنات بأسرارها صفحات مفتوحة يقرأ فيها دلائل القدرة الإلهية وآثار الحكمة الربانية. وهكذا أضحت الحكمة في فكره قدرة على تحويل المشاهد المألوفة إلى شواهد إيمانية، وربط حقائق العقيدة بما يراه الإنسان ويحسه ويعيشه.
الموعظة الحسنة:
إذا كانت الحكمة عند النورسي نورا يهدي العقل، فإن الموعظة الحسنة كانت نسمة رحمة تتسلل إلى أعماق القلب، فتوقظ فيه معاني الرجاء، وتبعث في جوانحه أشواق القرب من الله تعالى. لقد وعى أن النفوس لا تفتح أبوابها دائما أمام الجدل، وأن القلوب قد تنفر من القسوة وإن حملت في طياتها كلمات الحق. ولذلك اتسم خطابه التربوي برقة التعبير، وحرارة الإيمان، وعمق التأمل في رحمة الله ولطفه بعباده. وكان يربط الإنسان بخالقه من خلال استحضار النعم الإلهية، والتفكر في أسرار الحياة، واستشعار حكمة الابتلاء، واستحضار حقيقة الموت والخلود. ولم يكن حديثه عن الفناء دعوة إلى اليأس، بل كان نافذة تطل منها النفس على معاني البقاء والرجاء. كما لم يكن تذكيره بالآخرة انصرافا عن الحياة، وإنما كان سبيلا إلى تهذيب السلوك، وتصحيح المقاصد، واستقامة العمل. وبذلك تجاوزت الموعظة الحسنة في مشروعه حدود التأثير العاطفي العابر لتصبح تربية إيمانية عميقة، تغرس في النفس يقينا يثمر خلقا، ومحبة تنشئ طاعة، وخشية تقود إلى الاستقامة.
الرحمة والرفق:
من أبهى المعالم التي تتجلى في فكر الإمام النورسي إيمانه العميق بأن القلوب لا تستمال بالعنف، وأن الحق لا يحتاج إلى قسوة في عرضه، وأن الدعوة التي تتجرد من الرحمة تفقد جانبا عظيما من روحها القرآنية. وقد عاش الإمام في زمن مضطرب، وتجرع مرارة السجن والنفي والملاحقة، غير أن هذه المحن لم تصرفه عن طريق التربية والإرشاد، ولم تدفعه إلى اتخاذ العنف وسيلة لنشر أفكاره. بل آثر أن يواجه الشبهات بالبرهان، والجهل بالمعرفة، والخصومة بروح الإصلاح مؤمنا بأن بناء الإيمان في النفوس أعمق أثرا وأبقى ثمرة من الانتصارات العابرة. ومن هنا برز في منهجه مفهوم الجهاد المعنوي، الذي يتجه إلى مقاومة الانحراف الفكري والأخلاقي بوسائل العلم والإيمان والتربية. وفي رسالة الأخوة تتجلى دعوته إلى تطهير القلوب من أدران الحقد والبغضاء، وإحياء معاني المحبة والتسامح والتعاون بين المؤمنين. فالأمة في ضوء هذا التصور، لا تستعيد عافيتها بتأجيج الخصومات، وإنما تسترد قوتها حين تتآلف قلوب أبنائها، وتتوحد جهودهم على خدمة الحق والخير.
الجمع بين نور العقل وحرارة الإيمان:
لم يكن الإمام النورسي يرى تعارضا أصيلا بين العقل السليم والإيمان الصحيح، بل كان يعد التفكر والتدبر من السبل الموصلة إلى معرفة الله تعالى. ولهذا امتازت رسائل النور بمنهج يجمع بين قوة الاستدلال وجمال التصوير، وبين دقة المعنى وعمق التأثير الوجداني. فهو لا يكتفي بإثارة العاطفة الدينية، ولا يقف عند حدود المناقشة العقلية الجافة، بل يسعى إلى أن يجعل العقل مطمئنا بالحجة، والقلب عامرا باليقين. وقد استثمر الأمثال والتشبيهات والصور المستمدة من الحياة اليومية في تقريب القضايا العقدية الكبرى، حتى تصبح المعاني الدقيقة أقرب إلى إدراك القارئ، وأشد رسوخا في وجدانه. وتكمن قيمة هذا المنهج في أنه لم يخاصم أسئلة العصر، ولم يتجاهل ما أثارته الفلسفات المادية من إشكالات، بل سعى إلى مواجهتها بمنطق علمي وتأمل قرآني، مستهدفا بناء إيمان واع، لا تزعزعه الشبهات العابرة.
الإخلاص والقدوة:
ولئن كانت الحكمة جمال المنهج، والموعظة الحسنة روح الخطاب، فإن الإخلاص عند النورسي هو السر الذي يمنح العمل الدعوي صدقه وبركته.
فالكلمة التي لا تنبع من قلب صادق قد تبلغ الآذان، ولكنها قلما تستقر في الأفئدة. أما الكلمة التي تسندها نية خالصة، ويصدقها سلوك مستقيم، فإنها تحمل من قوة التأثير ما يتجاوز حدود البلاغة والبيان. ولهذا أفرد النورسي للإخلاص عناية بالغة، وحذر من آفات الرياء والأنانية والتنافس على الجاه والمكانة مؤكدا أن خدمة الدين أمانة عظيمة لا ينبغي أن تتحول إلى ميدان للمباهاة والمصالح الشخصية. كما جسدت حياته جوانب من الصبر والثبات والتجرد لخدمة الإيمان، فغدا سلوكه العملي امتدادا لرسالته الفكرية، وشاهدا على أن الداعية الحق لا يكتفي بأن يدل الناس على الطريق، بل يسعى إلى أن يكون في سيرته مثالا لما يدعو إليه.
راهنية المنهج النورسي في عالمنا المعاصر:
إن التأمل في التجربة الدعوية للإمام سعيد النورسي يكشف عن معان لا تزال تحتفظ بقيمتها في واقعنا المعاصر، حيث تتسارع التحولات الفكرية، وتتعدد المنابر الإعلامية، وتتسع دوائر الجدل والخلاف. فما أحوج الخطاب الإسلامي اليوم إلى حكمة تستوعب تعقيدات العصر، ورحمة تحسن مخاطبة الإنسان، وبصيرة تميز بين الثوابت والوسائل، وبين قوة الحجة وقسوة العبارة. وما أحوج الدعاة إلى أن يقدموا الإسلام في صورته المشرقة، دينا يجمع بين نور المعرفة وسمو الأخلاق، ويخاطب الإنسان في عقله ووجدانه، ويصون كرامته حتى عند الاختلاف معه. إن استلهام المنهج النورسي لا يعني الوقوف عند حدود تجربته التاريخية، وإنما يعني الإفادة من روحه الإصلاحية، وتطوير أدوات الدعوة بما ينسجم مع حاجات المجتمعات وتحدياتها المتجددة.
وهكذا يتبين أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لم تكن في فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي مجرد مبدأ نظري أو شعار إصلاحي، بل كانت روحا تسري في مشروعه الفكري والتربوي، ومنهجا تتكامل فيه البصيرة مع الرحمة، والبرهان مع الوجدان، والإخلاص مع العمل. لقد آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن إصلاح القلوب أساس إصلاح المجتمعات، وأن الكلمة الصادقة إذا خرجت من مشكاة الإيمان، وازدانت بالحكمة، وتوشحت بالرحمة، استطاعت أن تبدد ظلمات الشك، وتفتح للنفس آفاق الهداية واليقين.
وستظل تجربته شاهدة على حقيقة دعوية خالدة، مفادها أن الدعوة ليست معركة لكسر إرادة الإنسان، وإنما رسالة لإيقاظ فطرته، وإنارة بصيرته، والأخذ بيده إلى رحاب الحق والجمال. فما أعظم الدعوة حين تكون الحكمة سبيلها، والرحمة روحها، والإخلاص زادها، وهداية الإنسان غايتها.
المصادر والمراجع:
1. بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات.
2. بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات.
3. بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات.
4. بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات.
5. بديع الزمان سعيد النورسي، سيرة ذاتية.
مشاهدة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة في فكر الإمام بديع الزمان سعيد النورسي .
في الموقع ايضا :