حول التوسعات والانكماشات ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

يصف بول فاليري، في مقالاته التي صاغها بذكائه الحاد، والمؤلفة من جمل قصيرة لكنها تنطوي على تأكيدات عميقة ومثيرة للتفكير، التاريخ بأنه أخطر المنتجات التي تنتجها كيمياء فكرنا. أما مؤرخنا الراحل إيلبر أورتايلي، فكان يطلق على ذلك مفهوم «لاهوت المؤرخ». وبطبيعة الحال، لا تقتصر الكتابة التاريخية على هذا فحسب، فالكتابات التاريخية البديلة تحتل مكانة بالغة الأهمية لا يمكن إغفالها في مجال التأريخ. وإذا أمكن إبقاء هذه الكتابات التاريخية بمنأى عن أي شكل آخر من أشكال التطرف أو الانحراف داخلها، فإنها تساعد على مراجعة الروايات المهيمنة السامة التي تحدث عنها فاليري.

إن الابتعاد عن السرديات التاريخية التي تصوغ التاريخ في شكل سيناريوهات تقوم على التأسيس والصعود والركود والانهيار، هو أول ما ينبغي القيام به للتخلص من السموم. وإذا نظرنا عن كثب وبعمق أكبر، فسوف يتضح أن كل نمو وتوسع ينطوي، منذ نقطة انطلاقه أساساً، على بداية عملية انهياره التراجيدي/الجدلي. فعمليات النمو والانتشار أو التوسع هي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نتاج تراكم ما. وإذا تعذر إيقاف هذه العمليات، فإنها تصل إلى مرحلة الاقتراب من خط التقارب، ويبدأ الجدل في العمل. وعندما تبلغ حداً تصطدم به ولا تستطيع تجاوزه، تبدأ العمليات التراجيدية. وعندئذ تبدأ عجلات الأنظمة القائمة على النمو، والمستندة إلى تحقيق مكاسب هامشية من القيمة الفائضة، في التعرض للضغط والتكسر. فعمليات استخراج الفائض (النهب الخارجي)، التي كانت تعمل من الخارج إلى الداخل وتُدمج في النظام باعتبارها مكاسب هامشية، تحفّز هذه المرة عملية أخرى تسير في الاتجاه المعاكس، من الداخل نحو المركز (النهب الداخلي). ولم تعد الموارد قادرة على تجديد نفسها. ويكون انعكاس ذلك على السياسة بالغ القسوة؛ إذ تبدأ الأنظمة القائمة في الانحلال بسرعة، ويشرع الفساد والرشوة والاختلاس وما شابهها من الأعمال والممارسات غير الأخلاقية في نهش الحياة الاجتماعية. وتتوالى حالات عدم الاستقرار والتمرد، وتنتهي بانهيار شامل. ومن المفترض أن يكون واضحاً من ذلك أن عمليات الانهيار ليست نتيجة سلسلة من الأحداث «التعيسة» التي تقع لاحقاً. أما التفسيرات من قبيل: «يا سيدي، لقد تدهورت الأخلاق أولاً، وقلّ عدد الأخيار، وكثر الأشرار، ولذلك حدث الانهيار»، فلا يمكن وصفها إلا بأنها «حكايات تُروى للكبار». والصحيح هو إدراك أن الانهيار يأتي من داخل عصور الصعود المهيب ذاتها، وبفعلها هي نفسها.

نصادف في التاريخ أحداثاً لا حصر لها تشير إلى فشل عمليات النمو أو الصعود التي بلغت حداً يتعذر معه إدارتها. ولعل أشهر مثال على ذلك هو إمبراطورية الإسكندر. فقد كان الإسكندر، الذي أعدّه أعظم فاتح في التاريخ، يطمح إلى السيطرة على جميع المناطق الجغرافية التي كانت تشكل عالم ذلك العصر. ولم تكن لطموحه حدود. انطلق من شمال البلقان، وفتح اليونان القارية وآسيا الصغرى ومصر وإيران، وامتد حتى المناطق الجغرافية التي نعرفها اليوم باسم باكستان وأفغانستان. وكان يعتزم الوصول إلى الصين. لقد كان ذلك توسعاً جغرافياً هائلاً، دفعه الطموح إلى بلوغ مرحلة باتت معها إدارته مستحيلة. وبالفعل، فقد حياته في هذا الطريق. وبعد وفاته، تفككت إمبراطوريته إلى أشلاء، واستحوذ كل طرف على جزء منها. وشهدت روما الأمر نفسه. فقد أسهمت العقلية الفاتحة التي جسّدها قيصر في ضمان توسعها. أما قسطنطين، مؤسس روما الثاني، فقد اتخذ قراراً صائباً للغاية عندما أسس روما أخرى قابلة للاستمرار. واعتبر خسارة روما الغربية بمثابة التخلص من عبء زائد، وتخلى عن روما المترامية الأطراف، وانسحب إلى الشرق الذي كان يمنح روما ثروتها الحقيقية. فلم تعد هناك روما فاتحة، بل أصبحت هناك روما أكثر قابلية للإدارة. وبفضل ذلك، تمكنت روما الجديدة، التي اتخذت من إسطنبول مركزاً لها، من البقاء ألف عام أخرى. أما الدولة العثمانية، التي حلّت محل روما، فقد عاشت هي الأخرى 600 عام في «الحوض التاريخي» نفسه، وهي مدة لا يُستهان بها على الإطلاق. ولو بقيت الظروف الأخرى على حالها، لربما أكملت عمر روما، حتى وإن لم تكن النتيجة النهائية ستتغير.

إن أحد العوامل التي تطيل عمر الأنظمة السياسية يتمثل في النمو المتناغم مع منطقة جغرافية يمكن تعريفها بأنها حوض تاريخي، تتشكل من أقاليم جغرافية فرعية ترتبط فيما بينها بمصير تاريخي مشترك. ومن المؤكد أن هذا الانسجام لا يمنح أي كيان سياسي خلوداً، لكنه يطيل عمره على الأقل. أما عمليات النمو التي تتجاوز هذا الحد، فإنها تحفّز دائماً حدوث نهايات مبكرة. وكلما اتسعت الرقعة الجغرافية، ازدادت المخاطر بالسرعة نفسها.

قد يقول قائل: «يا سيدي، كانت الإمكانات أو القدرات المادية للعالم القديم محدودة، ولذلك لم يكن من الممكن أن تتاح لأحد فرصة فرض هيمنة كاملة على العالم». لكنني لا أشارك هذا الرأي كثيراً. فالمشهد لم يتغير في العالم الحديث أيضاً. إذ واجهت النزعات التوسعية الحديثة والتوسعات الإمبريالية المصير نفسه. وبالطبع، فإن الدول الاستعمارية الحديثة، من حيث إمكاناتها وتجهيزاتها، أكثر قوة ومتانة بكثير من جميع النواحي. لكن المصير، كما أشرنا، لم يتغير. وتقدم المملكة المتحدة أكبر نموذج على ذلك في العالم الحديث. فقد أقامت، بفضل أسطولها البحري ذائع الصيت، إمبراطورية «لا تغيب عنها الشمس». وتتطابق هذه العمليات بصورة مباشرة مع ظاهرة أشار إليها كارل ماركس وأكد عليها، وصاغها مفهوماً تحت مسمى «توسع رأس المال». لقد كانت عملية تفتقر إلى مقومات الاستمرارية، وكان لا بد أن تنفجر في نهاية المطاف في وجه المملكة. وقد عمل الجدل، وعلى الرغم من كل أشكال المقاومة، انفجرت هذه العملية في وجه لندن.

إن العالم الذي أُنشئ عقب الحرب العالمية الثانية، وعُرف بالنظام ثنائي القطب، كان يستند إلى آلية من التوازنات. فقد انتهت عملية تقاسم النفوذ. وكان النظام يسمح للطرفين المتنافسين بتحقيق قدر محدود للغاية من النمو. وهكذا أمكن أخيراً إقامة نظام عالمي كان يعمل بصورة مقبولة، ويمكن اعتباره مستقراً نسبياً. لكن مواصلة استمراره كانت بالغة الصعوبة. ولم يتمكن من الصمود سوى نحو نصف قرن على الأكثر. ففي تسعينيات القرن الماضي، انكسر النظام وتفكك من جهة الطرف الذي كان يشكل حلقته الأضعف. وكان المشهد مضللاً للغاية؛ إذ جرى تصوير ما حدث على أنه هزيمة لطرف وانتصار للطرف الآخر. في حين أن النظام كان ينهار برمته. وكان الشعور بالانتصار هو ما دفع الطرف المنتصر إلى التمادي. فلم يتمكنوا من كبح جماحهم، وبدأوا في مهاجمة كل مكان تحت ذريعة «جمع العالم مع القيم الغربية السامية». وكانت الولايات المتحدة في طليعة هؤلاء. أما الاتحاد الأوروبي، فقد ارتكب أكبر خطأ في تاريخه عندما قرر التوسع. وكأن روح الإسكندر قد تجسدت من جديد. وأشك في أن العالم شهد مثل هذا التمادي منذ عهد الإسكندر أو جنكيز. وكانت عمليات التوسع الجديدة نصفها مالياً ونصفها الآخر عسكرياً. وأُعيد تفكيك الهياكل السياسية القائمة بعنف. فبدأوا بإغراق المجتمعات التي تعاني من نقص رأس المال في الديون، من خلال ضخ أصول مالية انفصلت عن انضباط الإنتاج، والاستيلاء على الدول التي أعلنت إفلاسها، ومعاقبة الدول التي أبدت مقاومة عسكرياً.

لقد وصلنا الآن إلى مرحلة لم يعد فيها من الممكن مواصلة عمليات النمو القائمة على الفتوحات المالية والعسكرية. فالعمليات التي أتاحت للإمبرياليين النمو على مدى بضعة عقود، باتت تعمل اليوم ضدهم. وهذه الأجواء التي يتحرك فيها ترامب والنخب المماثلة تعكس الانهيار الداخلي للإمبرياليين. فالهيئة الأوروبية ترفع راية الإفلاس في كييف ووارسو، بينما تتخبط الولايات المتحدة في مضيقي هرمز وباب المندب. لقد اصطدموا بالمصير الذي لا يتغير لعمليات التوسع غير المحسوبة. فحتى روما، أثناء انهيارها، كانت تحقق انتصارات بيروسية مضللة. وكانت فنزويلا انتصاراً بيروسياً للولايات المتحدة، كما كان خسارة أوربان انتصاراً من هذا النوع بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. صدقوني، هذه الأمور مؤقتة للغاية. بل إن تزايد الانتصارات البيروسية يشير، من الناحية الجدلية، إلى اقتراب وقوع الهزيمة الكبرى.

 

مشاهدة حول التوسعات والانكماشات

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حول التوسعات والانكماشات قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حول التوسعات والانكماشات.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار