محمد البادي يكتب: الجرائم العابرة للحدود.. تحديات الأمن والمستقبل ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (صحيفة المسار العُمانية) -

المسار   | مقالات الرأي

بقلم: محمد بن علي بن ضعين البادي

محمد بن علي البادي

تواصل شرطة عُمان السلطانية جهودها في تطوير المنظومة الأمنية ومواكبة المتغيرات المتسارعة في عالم الجريمة، انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية في حماية المجتمع وصون مكتسبات الوطن. وفي هذا الإطار، جاء المؤتمر العلمي الدولي الثالث لأكاديمية السُّلطان قابوس لعلوم الشرطة، ليشكل منصة علمية مهمة لمناقشة تحديات الجرائم العابرة للحدود، واستعراض الاستراتيجيات والتقنيات الحديثة الكفيلة بمواجهتها، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والمختصين من داخل سلطنة عُمان وخارجها.

لقد أصبحت الجرائم العابرة للحدود من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات والدول في العصر الحديث، فلم تعد الجريمة محصورة في نطاق جغرافي معين، أو مرتبطة بوسائل تقليدية يسهل رصدها وملاحقتها، بل تطورت أدواتها وأساليبها مستفيدة من الانفتاح العالمي والتقدم التكنولوجي وسرعة انتقال المعلومات والأموال، الأمر الذي جعل مواجهتها تتطلب مستويات متقدمة من التنسيق والتعاون وتبادل المعلومات والخبرات بين مختلف الدول والأجهزة المعنية.

إن خطورة هذه الجرائم لا تكمن في تعدد أشكالها فحسب، بل في قدرتها على التأثير في أمن الدول واستقرارها واقتصاداتها ومجتمعاتها. فهي تشمل جرائم الاتجار بالبشر والمخدرات وغسل الأموال والاحتيال المالي والجرائم الإلكترونية والأنشطة غير المشروعة التي تقف وراءها أحياناً شبكات منظمة تمتد عبر أكثر من دولة، وتعمل بأساليب معقدة يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.

ومن هنا، لم تعد المواجهة الأمنية تقتصر على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، وإنما أصبحت الحاجة ملحة إلى تبني مفهوم الأمن الاستباقي، القائم على استشراف المخاطر وتحليل المعلومات وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرات الكوادر الأمنية، بما يعزز سرعة اكتشاف الجرائم والتعامل معها قبل اتساع نطاقها أو تفاقم آثارها.

ولا شك أن أمن المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن الوطني والاقتصادي والاجتماعي؛ فاستقرار الدول لا يقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما كذلك بقدرتها على حماية مؤسساتها ومقدراتها الاقتصادية، وصون أفراد المجتمع من المخاطر التي تستهدف أمنهم وحقوقهم ومستقبلهم.

ومن هذا المنطلق، فإن انعقاد مثل هذه المؤتمرات العلمية يعكس إدراكاً لأهمية البحث العلمي في تطوير العمل الأمني، ويؤكد أن المعرفة أصبحت إحدى الأدوات الأساسية في بناء منظومة أمنية قادرة على التعامل مع التحديات المتجددة.

كما أن ما يستحق الإشادة والتقدير في هذا المؤتمر هو اختيار نخبة متميزة من الباحثين والأكاديميين والخبراء والمختصين، ممن قدموا أوراق عمل ودراسات علمية عكست مستوى من الوعي والبحث المتخصص في قضايا الأمن ومكافحة الجريمة. وقد أسهم هذا التنوع العلمي والمهني في إثراء النقاشات وتبادل الخبرات وطرح رؤى تستند إلى المعرفة والتجربة، وهو ما يؤكد أهمية الاستثمار في العقول والكفاءات الوطنية والدولية، والاستفادة من مخرجاتها في تطوير العمل المؤسسي.

ومن وجهة نظري، فإن مواجهة الجرائم العابرة للحدود لا يمكن أن تتحقق بالجهود الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها، بل تتطلب عملاً وطنياً مشتركاً وتكاملاً بين مختلف مؤسسات المجتمع، وأرى أن ذلك ينبغي أن ينطلق من عدة مسارات أساسية:

أولاً: الأسرة والوقاية المبكرة. فالأسرة هي خط الدفاع الأول في حماية الأبناء، من خلال تعزيز الوعي لديهم، وتحذيرهم من مخاطر الجرائم المستحدثة وأساليب الاستدراج والاحتيال والاستغلال.

ثانياً: الإعلام والمسؤولية التوعوية. ينبغي ألا ينتظر الإعلام وقوع الجريمة حتى يتحدث عنها، بل أن يكون شريكاً فاعلاً في الوقاية منها. وهنا تبرز أهمية أن تتبنى وزارة الإعلام، بالتعاون مع شرطة عُمان السلطانية والجهات المختصة، برامج توعوية مستمرة تصل إلى مختلف فئات المجتمع، وتقدم خطاباً إعلامياً مسؤولاً يتجاوز نقل الأحداث إلى بناء الوعي وتعزيز الثقافة الأمنية.

ثالثاً: المؤسسات التعليمية والدينية. من خلال إدراج التوعية الأمنية ضمن الأنشطة والبرامج التعليمية في المدارس، والاستفادة من منابر الجوامع والمساجد في تناول القضايا المجتمعية المعاصرة، وتوجيه رسائل توعوية تسهم في حماية الفرد والمجتمع.

رابعاً: التشريعات والقوانين. مواصلة تطوير المنظومة التشريعية بما يواكب تطور أساليب الجرائم المستجدة، ويعزز كفاءة الملاحقة والمحاسبة، ويضمن وجود عقوبات رادعة تتناسب مع خطورة هذه الجرائم.

خامساً: هيبة الدولة وسيادة القانون. إن التصدي الحازم لهذه الجرائم، وملاحقة الشبكات الإجرامية، وتطبيق القانون دون تهاون، يمثل ركيزة أساسية لحماية أمن المجتمع واستقراره، وترسيخ الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على صون مقدرات الوطن وحماية أفراده.

فالأمن مسؤولية وطنية مشتركة، لا تنهض بها مؤسسة واحدة، وإنما تتكامل فيها جهود الأسرة والإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية والتشريعية والأجهزة الأمنية، في ظل دولة قوية بمؤسساتها، راسخة بسيادة قانونها، وواعية بمجتمعها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمرات العلمية المتخصصة؛ فالمعرفة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النقاشات والأوراق البحثية، وإنما يجب أن تتحول إلى أدوات عملية تسهم في دعم صانع القرار، وتطوير أساليب التحري والتحقيق، ورفع كفاءة المؤسسات في اكتشاف المخاطر ومواجهتها.

وقد عكس المؤتمر العلمي الدولي الثالث لأكاديمية السُّلطان قابوس لعلوم الشرطة أهمية مواصلة الاستثمار في البحث العلمي وتبادل الخبرات، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الأمنية والأكاديمية، بما يواكب طبيعة الجرائم المتغيرة وأساليبها المتطورة.

كما أن تكليف مركز البحوث والدراسات بالأكاديمية بإعداد مصفوفة تنفيذية لتحويل مخرجات المؤتمر وتوصياته إلى واقع عملي يمثل خطوة مهمة في ربط البحث العلمي بالتطبيق المؤسسي، ويؤكد أن قيمة أي مؤتمر لا تقاس فقط بما يطرحه من أوراق عمل ونقاشات، بل بما يتركه من أثر في تطوير الأداء وتعزيز القدرات ومواجهة تحديات المستقبل.

وفي الختام، فإن الجرائم العابرة للحدود تفرض واقعاً أمنياً جديداً يتطلب وعياً مجتمعياً، وتعاوناً دولياً، وتطوراً تشريعياً وتقنياً مستمراً. وتبقى المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها شرطة عُمان السلطانية، أمام مسؤولية وطنية كبيرة في مواصلة حماية أمن الوطن واستقراره، مستندة إلى الكفاءة والخبرة والجاهزية، وإلى شراكة مجتمعية واعية تدرك أن الأمن مسؤولية الجميع.

إن الاستثمار في الأمن هو استثمار في استقرار الأوطان ومستقبل الأجيال، وكلما امتلكت الدول المعرفة والقدرة على استشراف المخاطر والتعامل معها، ازدادت منعتها وقدرتها على حماية مكتسباتها وصون أمن مجتمعاتها.

مشاهدة محمد البادي يكتب الجرائم العابرة للحدود تحديات الأمن والمستقبل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد البادي يكتب الجرائم العابرة للحدود تحديات الأمن والمستقبل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محمد البادي يكتب: الجرائم العابرة للحدود.. تحديات الأمن والمستقبل.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار