المصعد آلة وغرفة اعتراف عمودية. يدخل الإنسان واقفا بكامل كرامته. يخرج بعد ثلاثين ثانية وقد راجع طبقته الاجتماعية، علاقته بالجيران، موقفه من الدولة. في المصعد تظهر الأخلاق عارية. رجل يضغط على الزر كأنه يوقّع مرسوما رئاسيا. امرأة تدخل ومعها كيس خبز. طفل يلمس كل الأزرار، أبوه يبتسم ابتسامة باردة. ساكن الطابق الأول يستدعيه كأنه طلب سيارة إسعاف. ينظر إلى المرآة. يعدّل ياقة قميصه. يخرج بانتصار رجل هزم الجاذبية. ساكن الطابق الثامن يراقبه بنظرة فلسفية. في عينه سؤال قديم: لماذا نعيش مع هؤلاء؟
في المصعد يختصر الناس الدبلوماسية. “صباح الخير” تخرج مثل عملة معدنية رخيصة. الرد يأتي بنصف فم. العيون تهرب إلى الأرقام الحمراء. الجميع يراقب الصعود كأنه يتابع نتائج انتخابات. الطابق الثالث. الطابق الرابع. الصمت ينتصر بأغلبية ساحقة. المرآة داخل المصعد جهاز أمني خطير. لا تراقب الوجه، تفضح التعب، تفضح البطن، تفضح الكذبة التي قلناها صباحا: “أنا بخير”. رجل يدخل غاضبا من العالم. يرى شعره في المرآة. ينسى العالم. يهاجم خصلة متمردة. يصل إلى طابقه وقد أصلح رأسه وفشل في إصلاح حياته.
صُّندوقُ يُعَلّمُنا كمْ نحنُ ضيِّقُون
يعلمنا المصعد معنى السلطة الناعمة. من يقف قرب لوحة الأزرار يصير وزير النقل. الجميع يطلب منه الطوابق. “الرابع من فضلك”. “السابع لو سمحت”. يضغط ببرودة. يشعر بأهمية نادرة. يخطئ مرة. يأخذ الجميع إلى الطابق الخطأ. لا يعتذر. يرفع حاجبه كأن الشعب لم يفهم الخطة. المصعد ليس وسيلة صعود. المصعد اختبار صغير للمدَنِية. يكشف من يترك الباب مفتوحا. يكشف من يهرب بعينيه. يكشف من يحتل المكان بجسده، وصوته، وحقيبته.
يدخل المصعد كأنه يدخل مكتبه الخاص. يبدأ مكالمة بصوت واسع. نعرف اسم أمه. نعرف مشكلة البنك. نعرف أن خالته لم ترسل الوصفة. نعرف أن المدير شخص صعب. خلال عشرين ثانية يمنحنا سيرة عائلية مجانية. لا أحد طلبها. لا أحد يجرؤ على إيقافها. في المصعد يظهر نوع خاص من الشجاعة: شجاعة النظر إلى الأرض. الجميع يدرس البلاط. يتحولُ البلاط إلى كتاب مُقدس. رجل ينظر إلى حذائه كأنه يراجع رسالة دكتوراه. امرأة تفتح هاتفها دون شبكة، تمرر إصبعها على شاشة ميتة.
الإنسان حين ينحشر تظهر حقيقته
يصير المصعد في المباني الإدارية امْتحانا طبقيا دقيقا. الموظّف الصّغير يترك المدير يخرج أولا. المدير لا يقول شُكرا. الشكر يرهقه. تحملُ السكرتيرة ملفات أكبر من راتبها. يعرفُ الجميع ترتيبه داخل الصندوق. حتى الهواء يوزع نفسه حسب المنصب.
في كل مصعد توجد لحظة خيانة صغيرة: لحظةَ يُفتح الباب، فيرى الدّاخلون أنه ممتلئ. تقولُ الوجوه: لا تدخل. يقولُ اللِّسان: تفضل. يفهمُ الداخل الخديعة. يدخل مع ذلك. الكلّ يتقلص. الكلّ يندم، لينغلقَ البابُ على مأساة مُهذبة اسمُها المجاملة.
حضارة معلّقة بين زِرّيْن
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
المِصْعَدُ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الم ص ع د
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الم ص ع د قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المِصْعَدُ.
في الموقع ايضا :
- تحذير لمستخدمي سامسونغ .. تحديث «One UI 9» المستقر يعطّل الإنترنت والاتصالات في هواتف Galaxy… فهل تتحول الترقية إلى عزلة رقمية؟
- ما الخدمات الجديدة التي أطلقتها السعودية عبر منصة أبشر؟ تغييرات مهمة تسهّل الإجراءات على المواطنين والمقيمين!
- عاجل: المكتب السياسي لأنصارالله: دماء اليمنيين ليست مستباحة للنظام السعودي، وجرائمه بحق الشعب اليمني لن تمر دون رد وعقاب