أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس
في صفحات التاريخ الإسلامي أعلام لم تكن حياتهم مجرد رحلة في طلب العلم، ولا آثارهم حبيسة المصنفات ومجالس التدريس، بل كانوا مشاعل هداية، ورواد نهضة، وحملة رسالات امتدت أنوارها عبر الأجيال. ومن بين هذه القامات السامقة يبرز الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، أحد أعلام الفكر الإسلامي والتجديد الديني في العصر الحديث، الذي اجتمع له رسوخ القدم في العلم، ونفاذ البصيرة في الفكر، وصدق العزيمة في الدعوة، وعمق الإيمان في مواجهة المحن.
لقد أدرك النورسي أن نهضة الأمة لا تستقيم على دعائم السياسة وحدها، ولا تنهض بأسباب التقدم المادي مجردة من القيم، وإنما تتأسس على إيمان يحيي القلوب، وعلم ينير العقول، وأخلاق تزكي النفوس. ومن هنا تحولت مسيرته من رحلة في طلب المعرفة إلى مشروع إصلاحي متكامل، اتخذ من القرآن الكريم منبع الهداية، ومن التربية الإيمانية سبيل البناء، ومن العلم أداة لاستنهاض الإنسان والأمة.
النشأة العلمية وبواكير النبوغ:
ولد سعيد النورسي في قرية نورس التابعة لمنطقة بدليس شرقي الأناضول في أسرة عرفت بالتدين والاستقامة، ونشأ في بيئة تشرب فيها محبة العلم، وتفتحت مداركه على معاني الإيمان والتقوى. وقد بدت عليه منذ نعومة أظفاره مخايل النبوغ، وقوة الحافظة، وحدة الذكاء، وسرعة الفهم، واستقلال النظر. وتنقل بين مدارس العلم في شرقي الأناضول، يتلقى المعارف الإسلامية والعربية على أيدي العلماء، حتى تضلع من التفسير والحديث والفقه والمنطق وعلم الكلام. ولم يكن طالب علم يقنع بمجرد الحفظ والرواية، بل كان شديد الولع بالبحث والمناظرة، نافذ البصيرة في دقائق المسائل، متطلعا إلى إدراك حقائقها وأسرارها. وسرعان ما ذاع صيته بين العلماء، حتى اشتهر بلقب بديع الزمان، الذي غدا عنوانا لعبقريته العلمية وشخصيته الفكرية. ولم تقف همته عند حدود العلوم الشرعية، بل امتدت إلى الرياضيات والفلك والطبيعيات إيمانا منه بتكامل المعارف، وأن النظر في آيات الكون يعمق فهم الإنسان لسنن الخالق وحكمته.
من التحصيل العلمي إلى الوعي الإصلاحي:
لم يطل بالنورسي المقام في دائرة التفوق العلمي الفردي، حتى اتسعت آفاقه، وأخذت هموم الأمة تستولي على فكره ووجدانه. فقد عاصر مرحلة عصيبة من تاريخ الدولة العثمانية، اشتدت فيها الأزمات السياسية، وتفاقمت مظاهر الضعف الحضاري، وتصاعدت التحديات الفكرية والاجتماعية. وأدرك ببصيرته أن داء الأمة أعمق من اختلال موازين القوة، وأن جذور الوهن تمتد إلى ظلمات الجهل، وتراجع التعليم، وضعف الوعي الديني، وتصدع روابط الأخوة والتعاون. ومن هذا الوعي انبثقت رؤيته الإصلاحية، القائمة على الوصل بين أصالة الشريعة ومتطلبات العصر، والتآلف بين العلوم الدينية والمعارف الحديثة، والجمع بين صفاء الروح وقوة العقل.
وكان من أبرز تجليات هذه الرؤية مشروع مدرسة الزهراء، الذي تطلع من خلاله إلى إقامة صرح علمي يجمع بين علوم الوحي وعلوم الكون، ويخرج جيلا يجمع إلى رسوخ الإيمان سعة المعرفة، وإلى أصالة الانتماء قدرة الإبداع. فقد رأى أن القطيعة بين التعليم الديني والتعليم الحديث تورث خللا في بناء الإنسان، وأن النهضة المنشودة لا تؤتي ثمارها إلا إذا تساند العقل والوحي، وتآخى العلم والأخلاق.
التجربة العامة ونضج الرؤية الإصلاحية:
لم يكن النورسي بمعزل عن قضايا عصره، بل خاض غمار الحياة العامة في أواخر العهد العثماني داعيا إلى العدل والشورى والحرية المسؤولة، ومحذرا من الاستبداد والفرقة والجهل. وفي سنة 1911م ألقى خطبته الشهيرة في الجامع الأموي بدمشق، المعروفة بالخطبة الشامية، فشخص فيها أدواء الأمة، وفي مقدمتها اليأس، وغياب الصدق، واستشراء العداوة، وضعف التعاون. وقد تجلت في هذه الخطبة ملامح بصيرته الإصلاحية، إذ جعل تهذيب النفوس وإحياء الفضائل أساسا لإصلاح المجتمعات، ورأى أن الأمة لا تستعيد عافيتها حتى تسترد ثقتها بدينها، وتستنهض عزائم أبنائها. وخلال الحرب العالمية الأولى، شارك في الدفاع عن بلاده، ووقع في الأسر الروسي، ثم عاد إلى إسطنبول سنة 1918م. وكانت هذه التجارب القاسية، بما انطوت عليه من آلام وتحولات، مدرسة أخرى صقلت شخصيته، وعمقت نظرته إلى الحياة والإصلاح. ومع أفول الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية، وما رافق ذلك من تحولات سياسية وثقافية، أخذت رؤيته تتجه نحو ترسيخ الإيمان وبناء الإنسان من الداخل.
من سعيد القديم إلى سعيد الجديد:
شكل الانتقال من مرحلة سعيد القديم إلى سعيد الجديد منعطفا جوهريا في مسيرته الفكرية والدعوية، إذ تحول من الانشغال الواسع بقضايا السياسة والإصلاح الاجتماعي إلى العناية بتجديد الإيمان، وإحياء الوعي القرآني، وتحصين العقيدة من الشبهات. ولم يكن هذا التحول عزوفا عن هموم الأمة، وإنما كان نفاذا إلى جذور أزمتها، وإدراكا بأن إصلاح الظاهر لا يستقيم ما لم يسبقه إصلاح الباطن، وأن بناء اليقين في القلوب أبقى أثرا من تغيير الصور والأشكال. ومن هنا جعل خدمة القرآن الكريم محور رسالته، واتخذ من الحجة العقلية والموعظة الإيمانية والتربية الأخلاقية وسائل لإحياء القلوب وإنارة العقول. وقد تعرض في هذه المرحلة للنفي والمراقبة والسجن غير أن المحن لم توهن عزيمته، بل زادته ثباتا وإقبالا على رسالته، فحول العزلة إلى محراب للتأمل، والسجن إلى مدرسة للصبر، والابتلاء إلى منبع للعطاء العلمي والتربوي.
رسائل النور وريادة التجديد الإيماني:
تتجلى ذروة المشروع الإصلاحي للنورسي في موسوعته الشهيرة رسائل النور، التي تعد أبرز آثاره العلمية، وأعمق تعبير عن رؤيته في تجديد الإيمان وإحياء الوعي القرآني. وقد ألف أجزاء مهمة منها في سنوات النفي والعزلة، متناولا حقائق التوحيد والنبوة والبعث، ومناقشا الشبهات العقدية والتيارات المادية بمنهج يجمع بين نور الوحي وبرهان العقل. وتميزت هذه الرسائل باستنطاق آيات الكون، واستجلاء دلائل الحكمة الإلهية في مظاهر الخلق، وربط المعرفة العقلية باليقين القلبي، حتى يغدو الإيمان حقيقة حية تسري في وجدان الإنسان، وتنعكس على أخلاقه وسلوكه. ولم يكن غرضه أن يضيف إلى المكتبة الإسلامية مصنفات جديدة فحسب، بل أن يبعث في النفوس روح الإيمان، ويوقظ الضمائر من غفلتها، ويجعل من المعرفة القرآنية قوة دافعة إلى الصلاح والعمل. كما دعا إلى الإخلاص والأخوة والتعاون، ونبذ العنف والخصومات مؤكدا أن الإصلاح الراسخ يقوم على العمل الإيجابي، والحكمة في الدعوة، والصبر على الشدائد. وقد حمل تلاميذه هذه الرسائل، ونسخوها وتداولوها، حتى نشأت حولها حركة علمية وتربوية تجاوز أثرها حدود تركيا، وامتدت إلى آفاق واسعة من العالم الإسلامي.
رحيل الجسد وخلود الرسالة:
في الثالث والعشرين من مارس سنة 1960م، طويت بمدينة أورفة التركية صفحة من صفحات العمر، ولم تطو صفحة من صفحات المجد والعطاء، إذ انتقل الإمام بديع الزمان سعيد النورسي إلى رحمة ربه بعد حياة أفناها في رحاب العلم، وميادين الدعوة، ومسالك التجديد والإصلاح، وقضاها ثابت الجنان أمام المحن، صابر النفس على الشدائد، لا تفت في عزيمته الخطوب، ولا تثنيه عن أداء رسالته عوادي الزمان.
لقد استهل مسيرته طالبا للعلم، شغوفا بالمعرفة، متطلعا إلى آفاقها الرحبة، ثم انتهى رائدا من رواد التجديد الإيماني، جمع بين أصالة التراث وبصيرة العصر، وبين سطوع البرهان وحرارة الوجدان، وبين رسوخ المعرفة وسمو الغاية، فجعل من العلم رسالة، ومن الإيمان قوة، ومن الإصلاح أمانة حملها في قلبه وفكره حتى آخر أيامه.
ولعل أبلغ ما تفصح عنه سيرته أن نهضة الأمم لا تشيدها الشعارات البراقة، ولا تصنعها المظاهر العابرة، وإنما تنهض على عقول أضاءها العلم، وقلوب عمرها اليقين، ونفوس زكتها الفضيلة، وعزائم لا تنال منها المحن، ولا توهنها تقلبات الأيام.
وهكذا غاب النورسي عن دنيا الناس، ولم يغب عن دنيا الفكر والإيمان، فقد بقيت آثاره حية في بطون الكتب، وأصداؤه مترددة في منابر الدعوة، وأنوار رسالته ممتدة في ضمائر الأجيال، شاهدة على أن العلماء الربانيين لا تخلدهم كثرة المصنفات وحدها، ولا رفعة الألقاب والمنازل، وإنما يخلدهم ما يبعثونه من حياة في القلوب، وما يشعلونه من نور في العقول، وما يغرسونه في وجدان الأمة من بذور الإيمان، ومعالم الهداية، وروح التجديد والإصلاح.
المصادر والمراجع:
1. بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات.
2. بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات.
3. بديع الزمان سعيد النورسي، اللمعات.
4. بديع الزمان سعيد النورسي، الشعاعات.
5. بديع الزمان سعيد النورسي، الخطبة الشامية.
مشاهدة الإمام سعيد النورسي من طلب العلم إلى ريادة التجديد والإصلاح
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الإمام سعيد النورسي من طلب العلم إلى ريادة التجديد والإصلاح قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الإمام سعيد النورسي: من طلب العلم إلى ريادة التجديد والإصلاح.
في الموقع ايضا :
- عاجل: القوة البحرية في حرس الثورة الإسلامية: ناقلتا نفط مخالفتان كانتا تعتزمان العبور عبر المسار غير المسموح به في مضيق هرمز تحترقان الآن بنيران شديدة جداً إثر اصطدامهما بلغم بحري
- عاجل / آخر التطورات الميدانية والعسكرية.. تفاصيل المعارك الضارية لتثبيت المواقع وتحرير جبل الأهنب الأبيض
- عاجل: متحدث وزارة الصحةفي حكومة صنعاء: 34 شهيداً و49 جريحاً جراء العدوان السعودي خلال الـ24 ساعة الماضية