هكذا يحمل الفنُ الجداري كل هذه القيَم الإنسانية النبيلة والمعاني العميقة، نظرًا لدوره التاريخي والحضاري والثقافي. فهو منذ الإرهاصات الأولى على جدران الكهوف والأَسقُف الصخرية، مرورًا بجدران المعابد والكنائس، وصولًا إلى جدران المباني والميادين والملاعب، كان وسيلةً حقيقية للتعبير عن الحقوق والهواجس والمبادئ والقضايا الخاصة والوطنية، وكان أيضًا وسيلة للتواصل والإعلام ومحطةً مهمةً لإيصال الرسائل احتفاءً بكرامة الإنسان وحريته. كذلك كان شاهدًا على كل المتغيرات والتطورات على مر العصور، إذ لكل مرحلة جداريتها وكلماتها وألوانها وأساليبها وفنانوها، ولكل بلد أو مدينة حكاياتها وأحلامها ونضالاتها وإبداعاتها. ومن خلال مشاهدتنا لأي جدارية في الطريق يُمكن أن نقرأ الواقع والأحداث والتطلعات، ويُمكن أيضًا أن نتعرف إلى الحضارات والثقافات، فهي تُتيح لنا الانطلاقَ نحو فضاءاتٍ واسعة بلا قيود أو زمان، تتجدد العلاقة مع المكان، ويتسع الحنين وتتجلى الذكريات، وفي كل مرة نشاهد هذه الجدارية أو تلك نكتشف أسرار الأيام وعبقرية المكان، ونشم منها رائحة الماضي، كأننا أمام قصائد متحررة تشدو بالحب والإحساس والسلام.
إن أهم ما يميز هذا الفن العالَمي هو وجوده خارج المعارض والغاليريهات وأنه غير مرتبط بالوقت، يتركز على واجهاتِ المباني والجدران، وغالبًا ما يحمل رسالةً سياسية وثقافية. لذا يُمكن مشاهدة ومتابعة إنجاز أي جدارية من البداية حتى النهاية بشكلٍ مباشر، سواء كان العمل فرديا أم جماعيا، والتعرف إلى الطريقة والتقنيات التي يَستخدمها الفنانون في رسمها، والاطلاع على أفكارهم وإبداعاتهم والرسائل التي يريدون إيصالها، والمضامين التي يقدمونها سواء بأسلوب واقعي أم تجريدي أو «فانتازي»، وهي بتشكيلاتها وحروفياتها وتكويناتها تضفي جماليةً ساحرة وبهاءً ورَونقًا خاصا.
اكتسبت الجداريات أهميةً كبيرة منذ العهود الأولى، كونها تُعَد من أَقدم أشكال الإبداع الفني والنحتي والزخرفي في التاريخ، وفيها من الحوامل الفنية ما تَجعل المساحات الجامدة تضج بالحركة والجمال. فعبرت عن الحياة والموت، ووثقت الطقوس والعادات الدينية، لكنها في السنوات الأخيرة برزتْ بشكلٍ كبير، وخصوصًا في البلدان التي تعاني الاحتلال والظلم، وتَشهد حروبًا وصراعات، حيث عبر الناس عن قضاياهم وآلامهم وتوقهم إلى الحرية، ودافعوا عن عنفوانهم وكرامتهم كخطوةٍ منهم في إيصال أصواتهم، وكنَوعٍ من التحدي والصمود والبقاء. من هنا اتخذ فنانون فلسطينيون من الجدران في المُدن والقرى والمخيمات، وحتى جدار الفصل العنصري، وسيلةً للمقاومة والثورة والانتفاضة؛ فمنهم من رَسَمَ القدس والمسجد الأقصى، ومنهم مَن رَسَمَ صورًا للشهداء وحكايات النضال والبطولة والفداء، وبعضهم اتخذ منها وسيلة لتسليط الضوء على قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية، فجسدوا مُعاناتهم وآلامهم وتضحياتهم. وهذا الشكل من فعل المقاومة ينسحب حتى إلى خارج فلسطين المحتلة، وتحديدًا في المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث تَمتلئ الجدرانُ برسوماتٍ مُختلفة كنَوعٍ من الاحتجاج والصمود والمُطالَبة بحق العودة، إضافة إلى تناول موضوعات تعزز الهوية والتراث الشعبي الفلسطيني. ويُمكن الإشارة إلى بعض الجداريات التي تضمنت عبارات ومقاطع شعرية للشاعر الراحل محمود درويش (هذا البيت لي/ هذا الجدار الرطب لي/ هذا الرصيف وما عليه لي)، (وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة)، وجداريات أخرى تُخاطِب العالَم وتتحدى الاحتلال (عائدون، فلسطين باقية من بَحرها إلى نَهرها، قادمون، مفتاح العودة، سأقاوم، حتمًا سنعود، أنا كالقيامة ذات يومٍ آتٍ..). وللقدس مساحة كبيرة من الفن الجداري لرمزيتها وتاريخها وهويتها (كل المقاومة من أجل القدس.. القدس – عاصمة – فلسطين.. حبك ثورة..)، هذا فضلًا عن رسوماتٍ ملونة لقبة الصخرة ومسجد الأقصى.
والمُتتبع لهذا الفن يُمكن أن يشاهد جداريات مرسومة بريشة فنانين كبار، وأخرى من أعمال هواة كان لهم دَورُهم البارز في جعْلِه فنا شعبيا؛ فهُم يُترجِمون الواقع بكل معانيه ويَرسمون مستقبلًا يصبون إليه يتسم بالحرية والأمان والاستقرار. فقد غيرت الجداريات وجهَ المُدن، وحولت الشوارع إلى لوحاتٍ تشكيلية باهرة، وجَعَلَتْها حية نابضة بالألوان والكلمات والصور، تُجسِد الحياة والتعايُش والسلام، وتَحمل قيَمًا جمالية ومعاني نبيلة، وتُبرِز القضايا الراهنة في مجالات السياحة والتراث والصحة والبيئة. كلها حالات إبداعية لجذْبِ الأنظار وإيصال الرسائل، بما في ذلك الاحتجاج والثورة، حيث شكلت مَقصدًا للزوار والسياح والمُهتمين وعشاق هذا الفن للاستمتاع أولًا بالألوان والكتابات والجماليات والإيماءات؛ وثانيًا لقراءة الموقف والدور والحدث والهدف والأهمية من زوايا واتجاهات متعددة؛ وثالثًا لاستمداد القوة والأمل والمعرفة والتضحية.
اختلفت طبيعةُ الجداريات، لجهة تعبيرها عن الشعوب، وباتت أكثر وضوحًا، وخصوصًا في المرحلة المُعاصرة والحديثة. وهذا ما أشار إليه الدكتور ماضي حسن في كتابه «الفن وجدلية التلقي» قائلًا إن الجداريات العربية تحكي مضامينها في مجالٍ مفتوح أمام المجتمع العام من خلال عرضها في أماكن في الطرق وأمكنة التجمع، من حدائق وأبنية كبيرة. ولقد تجسد ذلك عند بعض الدول العربية بأثر الأحداث الحالية منها: قيام الثورات في تونس ومصر حتى أُطلق مصطلح «حرب الحوائط»، حيث كان الفن قادرًا على توصيل رسالة الشعوب إلى الحُكام، وكان الأمر في ليبيا أيضًا؛ وهكذا تحول هذا الفن من أداةٍ في يد الحُكام إلى فن احتجاجي، غالبًا ما يَعكس اعتراضًا على الأوضاع السائدة.
*كاتب وإعلامي من لبنان
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق
مشاهدة تكشف علاقة الإنسان بالبيئة الجداريات رؤية تاريخية وجمالية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تكشف علاقة الإنسان بالبيئة الجداريات رؤية تاريخية وجمالية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريدة الوطن السعودية ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تكشف علاقة الإنسان بالبيئةالجداريات.. رؤية تاريخية وجمالية.
في الموقع ايضا :