الترجمة والتبيئة وصناعة الآخر ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (الوحدة) -

مايو 22, 2024

علي حسن الفواز*

صحيح أن الآخر له مجاله العام بتوصيف هابرماس، وله مرجعياته، وأن ذاكرته التبشيرية والاستعمارية والاستشراقية، جعلته موضع شكّ من الآخرين، إلا أن ذلك لا يعني النكوص إلى «ثقافات ضدية» وإلى صيانات تتعطل فيها إرادة الوعي بمسؤولية التعرّف والتعلّم، ودفع «الذات العربية» إلى التماهي مع عقدة اللاوعي الجمعي حول أشباح ذلك الآخر، حيث وجد بعض مُنظّريه في هذه الفوبيا قاعدة خلفية لصناعة المزيد من الأشباح، والمزيد من أفكار الرعب والهيمنة، والعودة إلى تناظرات لم تعد صالحة، رسّخها البعض في سياق تاريخ الصراع مع «الآخر» واستعادتها بوصفها «اوهاما ضاغطة» بدءا من مواقف توما الأكويني من العرب والمسلمين، وموقف أرنست رينان العنصري، ومن ابن رشد والرشدية والجدال الذي أثاره جمال الدين الأفغاني وعلي عبد الرازق مع أفكاره، وليس انتهاء بأطروحات برنارد لويس وعنصريته، وصولا إلى ما أثاره صموئيل هنتغتون في «صراع الحضارات» وفوكويا ياما في أفكاره حول «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» وكذلك أفكار برنارد هنري ليفي ذات التوجّه الأيديولوجي والعنصري، وتدخلاته في الشأن السياسي والأمني والأنثروبولوجي، لاسيما ما يتعلّق بأحداث «الربيع العربي» ما أعطى صورة سلبية، ليس عن الاستشراق الجديد، بل عن الفلسفة التي سحبتنا إلى أطروحات جان بول سارتر بعد حرب حزيران/يونيو 1967، ومن أفكار جماعة «الفلاسفة الجدد» في فرنسا.. الوعي بمسؤوليات الجدّة، تتطلب وعيا متعاليا بها، وبالقدرة على مواجهة أوهام الآخر ومركزيته، أو أطروحات بعض فلاسفته ومنظريه، لاسيما كتابات هنري ليفي عن الهوية والأمة والأنثروبولوجيا والفلسفة والنظرة إلى «الغير» إذ تحولت هذه الأطروحات إلى فوبيا، وإلى لاوعيٍ مقهور، لم تحظ إشكالاته وأسئلته بنقاش حيوي، بل اكتفى الكثيرون بالبحث عن «مركزية ضدية» مسحوبة من سرديات التاريخ، حيث تتكرس فيها ثنائيات الرعب عن «الأنا والآخر، والشرق والغرب» رغم أن ليفي الأنثروبولوجي والفلسفي والعنصري، يمارس وظيفته النقدية المتعالية على هامش الفلسفة واليسار، ما جعله جزءا من سخرية بيير بورديو، كاشفا عن حجمه الحقيقي، بالقول: «يحسبه بواب عمارتي صحافيا، ويظنُّه الصحافيون فيلسوفا».غياب الترجمة الممهنجة، كانت جزءا من غياب منهجية المشروع، لضعف فاعليته، ولرثاثة أنساقه الحاكمة التي يمكن أن تجعله مصدر قوة وتفاعل، ففوبيا الآخر ظلت تعتاش على علّة اللاوعي المأزوم، وعلى تأثيره في كشف مشاريع السياسات العربية التي تعاني من تشوهات بنيوية، على مستوى تأطير فاعليات التنمية والأمن الثقافيين، أو على مستوى إقامة علاقات متوازنة مع الآخر، على أساس المصالح، وليس للانخراط في المحاور والخنادق العدائية. هذا الآخر، رغم كل سردياته المخادعة والماكرة والعنيفة، إلا أن وجوده ليس في كوكبٍ آخر، إذ هو جزء من التاريخ، وهذا ما يتطلب التعرّف على تاريخه، وعلى ذاكرة عنفه، وتحولاته، وأسباب نهضته، والعمل على تحويل بيئة التعرّف، إلى قوة فاعلة، مؤهلة لإنتاج قيم التجدد والأفكار الدافعة للحداثة، والعناية بالصناعات الثقافية، ومنها ما يتعلّق بصناعة «الخطاب الترجمي» فرغم وجود الكثير من مؤسسات ومراكز الترجمة، إلا أنها تظل عشوائية في خططها، لا رابط يجمعها، ولا تفاعل وتواصل بينها، وبين الجهات المعنية- مدنية أو حكومية أو أكاديمية – على مستوى البرامج والمشاريع والتوأمة، أو على مستوى إقامة الورش التفاعلية، وإنْ أقيم مؤتمر أو فاعلية أو ندوة هنا أو هناك، فإنها ستكتفي بالظواهر العامة، ولا تتعاطى مع أسئلة الواقع- اقتصادا وتنمية وأمنا – ولا مع قضاياه الإشكالية التي تخصّ تأثيرات معقدة مثل تغوّل النمط الاستهلاكي، وتلوث البيئة، والأنثروبولوجيا المقتولة، وظاهرة الاستشراق الجديد، وعلاقة ذلك بمحنة الهويات المتشظية «المقتولة والقاتلة» في راهننا العربي، ولا حتى بجعل الصراع داخل الفضاء العربي ذي سمات تقدمية تتطلبها الحاجة إلى البناء، والثروة والعمران وعلمنة المجتمع، وتأهيل السلطة، والقانون والحريات، وهي مهام كبيرة وضرورية ولازمة، لكن اضطراب وجودها في السياق يجعلها تصطدم بأنماط المركزيات المحلية، وبالهويات القاتلة، وبالقضايا الجيوبوليتكية التي تخصّ الثروات والحقوق والمصالح، وإدارة الأزمات والمحاور في المنطقة، وعلاقة ذلك بالعالم، فضلا عما يتعلق بالدراسات التي تخصّ اللسانيات والأنثروبولوجيا، الإثنوغرافيا، السوسيولوجيا، والأثنولوجيا وغيرها.

ما يهدد الشرق العربي، ليس بعيدا عما يهدد المغرب العربي، فالصراع المقبل هو صراع أمكنة وجغرافيات، مثلما هو صراع هويات، فالغرب ذاهب إلى مركزة الرعب مرة أخرى، وربما إلى إنتاج «استعمارات جديدة» وإلى إعادة النظر بمفاهيم «الأوروبة» والهوية الدينية، وموت النمط التقليدي للغرب الأبيض، فضلا عن اجتراح سياسات عدائية على مستوى التمثيل العنصري، وعلى مستوى سياسات الهجرة واللجوء وقبول الآخر، لاسيما مع تعقّد الحرب بين روسيا الشرقية وأوكرانيا الغربية، والحرب التجارية بين الغرب والصين الشرقية، فضلا عن الحرب في غزة، التي أخذت تشكل منعطفا خطيرا في تمثيل سسيولوجيا «موت النمط». هذا الاصطناع المفاهيمي للموت بات يؤطر الصراع العالمي، عبر تضخم آخر لمركزيات أكثر عنفا، ولتمظهرات تجعل من «دول الهامش» أضحيات، تخضع إلى مزيد من السيطرة على الأرض، وعلى الممرات المائية. وأحسب أن الدفاع المستميت للغرب عن «الكيان الإسرائيلي» هو جزء من لعبة التوحش هذه، وتطبيقا ضديا لأطروحات الكسندر دوغين الروسي الداعي إلى السيطرة على المياه، كمقدمة للسيطرة على اليابسة، مثلما ستقوم مؤسسات غربية على التحريض للحديث عن سرديات «ما بعد الكولونيالية» بوصفها مجالا استعاديا وتعويضيا غاضبا ومهيّجا لتذكّر الآخر الذي ترك اللاوعي الجمعي عند «قلب الظلام» كما تحدث كونراد.كما أن الذهاب إلى الحرب، أو تحويل الحرب إلى همٍ عمومي، يدفع السلطات في عالمنا العربي إلى تغويل مظاهر العنف والقمع الداخلي، مثلما يذهب إلى الحماية والصيانة عبر اختراع وهم «العدو الخارجي» وبالتالي إثقال الميزانيات الوطنية بصفقات الأسلحة، مثلما هي إثقال الذاكرة عبر تغويل الصورة الذهنية للآخر، الذي يمكن أن يتحوّل إلى عدو داخلي، من خلال إحياء وتغويل العنصريات والعصبيات والهويات المأزومة، فتبدو هذه الحروب الغامضة كاشفة عن جهل الآخر، غير المُعرّف به، وغير المترجم في وثائقه وبحوثه وملفاته السرية، فمثل هذه الحرب ستبدو ساذجة إن اكتفت بالأسلحة التي بات الحصول عليها مثل الحصول على وجبات الهمبورغر، وربما تصنعيها عبر تهريب الشيفرات السرية لها، لكن توسيع مفهوم الحرب عبر المعرفة هو الأخطر، والأكثر جدوى، والأكثر تهديدا، لأنها ستقوم على نوع من «المراقبة والعقاب» كاستعارة من فوكو، وعلى المحو الهوياتي، والإشباع الرمزي والخدر الثقافي، بعيدا عن الصحو والتعرّف وفكّ غموض ما يجري من صراعات كبرى يمكن أن تتحول بسهولة إلى سرديات أخرى لإعادة فرضية الآخر القوي والمتوحش.

كاتب عراقي

ثقافــة

مشاهدة الترجمة والتبيئة وصناعة الآخر

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الترجمة والتبيئة وصناعة الآخر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الوحدة ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الترجمة والتبيئة وصناعة الآخر.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار