الحديقة الأولى -من حدائق عبدالمحسن يوسف التي بلغت 167صفحة- خصها للشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي ليس كشاعر كبير ولكن كمترجم رائع ومدهش، أبدع رائعته (مدن الآخرين) التي تصدى فيها لترجمة أشعار بودلير وأبيللينير ورامبو وأراجون ولوركا وسان جون بيرس وجمال الدين بن الشيخ، وما أثار دهشة عبدالمحسن يوسف وجعل مدن الآخرين أول حدائق كتابه حدائق الآخرين أن أحمد عبدالمعطي حجازي تصدى لترجمة أشعار هؤلاء الشعراء الكبار ولأنه شاعر كبير وخبير بأسرار الشعر ومفاتيحه فأنقذ الشعراء الذين ترجم لهم من الانطفاء والترجمة البليدة والشحوب الذي يشبه ترجمة (جوجل) وإنه -أي أحمد عبدالمعطي حجازي- نقل الشعر كما تنقل الورود في سلالٍ أنيقة، وإنه بما يملك من موهبة كبيرة ووعي كوني ترجمَ وحافظَ على شموخ قصائدهم وطزاجتها واخضرارها وألقها وزهوها الجميل وجمرها الفصيح، يقول لوركا:
يعترف عبدالمحسن يوسف في كتابه (حدائق الآخرين) أنه كان يشعر بالضجر الكبير كلما قرأ الترجمات المملة التي تركز على المعنى الحرفي للنص أو على المضمون المباشر؛ لأن القصيدة في هذه الحالة تأتي مشوهةً حتى أخذته الأقدار هذه المرة إلى روسيا؛ كي يؤسس منها حديقته الثانية المملوءة بالحقول والزهور والبيوت والخبز والطين والفلاحين والسنابل، وذلك عندما وقع في يده ديوان (الغجر) لبوشكين ذلك الشاعر الروسي الكبير الذي أحدث انقلاباً في بنية ومفهوم وعالم الشعر في روسيا، ديوان (الغجر) كان ترجمة الشاعر رفعت سلام وكان بحق مدهشاً في ترجمته، والسبب في ذلك ثراء لغته وامتلاكه لعينين مغايرتين لأيِّ مترجم وإحساسه البهي الذي يملكه والذي ساعده في أن يجاري بوشكين في الخروج من القصور إلى الحقول، يقول بوشكين في ديوانه:
لا يكف عبدالمحسن يوسف عن فتح شرفاتٍ للضوء ومن روسيا يأخذنا إلى أمريكا ويقدم لنا حديقة جديدة اسمها «خمسون قصيدة من الشعر الأمريكي الحديث»، هذه الحديقة أبدعها الشاعر توفيق صايغ وفيها ستجد القصائد أزهاراً والمترجم صاحب مهارة عظيمة في الترجمة فهو يترجم ليمتع نفسه ويجعلك تشعر بأن النص الذي تقرأه غير مترجم، وفي هذه الحديقة التي جاءت زهورها من أمريكا ابتعد المترجم عن الترجمة الحرفية ونأى عن الترجمة الخلاقة واختار أن تكون الترجمة ترجمةً ليست تعليقاً ولا توضيحاً إنما ترجمة عربية لشعراء أمريكيين كتبوا الشعر الحديث مثل والاس ستيفنز وعزرا باوند وروبنسون جفرز وارشينالد مكليش وادوار استيلين كمينغز والشاعر وليم كارلوس وليمز الذي قال: «عندما أتحدث عن الزهور/ فذلك لأعيد للذاكرة/ أننا بوقتٍ مضى/ كنا صغاراً».
وفي الحديقة التالية يأخذنا عبدالمحسن يوسف إلى ترجمة صياح الجهيم والشاعر العراقي عبدالكريم كاصد لقصائد الشاعر الفرنسي الذي تتصف قصائده بالتكثيف الشديد جاك بريفير وتحديداً ديوان (كلمات)، في هذه الحديقة الجميلة يقارن عبدالمحسن بين الجهيم كمترجم عادي وكاصد كمترجم وشاعر، ويرى من خلال ترجمتين مختلفتين لنصوص واحدة أن الأول كان مترجماً فقط وترجمته لا تمنحك المتعة ولا تشعر بعد قراءتها بالامتلاء وصاحبها معنيٌّ بتوصيل الحكاية وأحداثها عن طريق النثر العادي وليس الفني، أما الثاني وهو مترجمٌ وشاعرٌ كبير فقد اقترب من روح الشاعر الذي يترجم له وكانت ترجمته مقتصدة مثل قصائد بريفير وجاءت لغته منسجمةً مع روح الشعر فقد اختار مفرداته وعباراته بعنايةٍ شديدة وحضرت شمسُ الشعر أكثر وسطعت شمسُ اللغة وجاءت ترجماته متماسكةً وأكثر قرباً من ضفاف الشعر وبنائه ولغته وعذوبته، يقول بريفير في ترجمة لعبدالكريم كاصد: «على الطريق ضائعة/ وحيدة بلا قطعة نقد/ فتاةٌ في السادسة عشرة/ واقفة بلا حراك/ في ساحة الكونكورد/ في ظهيرة منتصف آب».
وبعدها ينقلنا إلى حديقة الشاعر السنسكريتي كاليداسا المسماة (رسول السحاب) ترجمة المبدع العراقي فوزي كريم ومنها أهديكم هذه الزهور: «الفارغُ خفيفٌ أبداً وثقيلٌ هو الممتلئ»، و«المرأة تكتفي لحظة البوح بالارتباك»، و«عانِقْ ذراعَ (شيفا) الراقصَ عناقَ شجرة وهُز بريحك أشجارَ الرغبةِ التي ترتعشُ أغصانُها كأرديةِ حرير»..
وفي حدائق عبدالمحسن يوسف تجد التشيلية غابرييلا ميسترال التي فازت بنوبل 1945 تلك التي دَوّنَتْ حبها لزوجها بكلماتٍ بسيطةٍ كجمراتِ نار، تقول ميسترال: «أنا أشبه بالنافورة المهملة، ميتة تسمع خريرها القديم»، وتجد كذلك ترجمة سيد أحمد علي بلال في حديقته (تصوّف) عن (كازانتزاكي) القاسي كمكتبة كما وصفته زوجه، يقول: «أنا جسر شُيِّدَ بغير اتقان، أحدهم يعبرني فأتحطم وراءه»، وكذلك نرى ديوان «ما لا قيمة له» للنرويجي تور ألفن الذي قال من خلال ترجمة طارق حربي: «رجلٌ ما هناك، يضربُ ظلَّهُ بقضيبٍ حتى الموت» ثم مات منتحراً عام 1995م، ولكي تكتمل روعة حدائقه خصص عبدالمحسن يوسف ركناً للغجر بعنوان (أغاني الغجر) جمعها راد أوليك وبرانكو راديشفيتش ونقلها إلى العربية عبدو زعبور، وفيه نقرأ: «بين الضلوع، كان يتأرجح القلب، كورقةٍ يابسة»، ونقرأ أيضاً: «العيونُ الطيبةُ
ونقرأ هذا الجمال الذي وصلنا بكامل حرائقه:
وقد أغمضتُ عينيَّ
تمددْتُ بكل الطول الذي أنا فيه
الآنَ شمعةٌ، فحسب، تحترقُ بين الرؤوس،
ولا ينسى عبدالمحسن يوسف نساء البشتون ويخصص لهن حديقةً يسميها (بلاغة الحرائق) في شعر (نساء البشتون) وهي أجمل الحدائق في الكتاب، وإذا كان الطباخ الماهر يعرف طبيخه بنقطة، فهذه الحديقة المدهشة الطازجة الدافئة الجريئة منها نعرف كيف يُترجم الشعر؟ وأي شعر يترجمه المترجم؟ وهل يترجم الكلمات حرفيّاً أمْ ينقلها بدفئها وطزاجتها وجمرها وحزنها وفرحها ودهشتها، في شعر نساء البشتون، تقول إحداهنًّ:
أنا مرصودةٌ للذين يسهرون عليَّ
وتقولُ أخرى:
وأنا أرتقُ أسمالَ حبٍّ قديم».
لقد فتح عبدالمحسن يوسف في كتابه الصادر عن دار أروقة بالقاهرة نوافذَ عديدةً للنور، وفتح شرفاتٍ على كل جهات الأرض، وجاءنا عبر نوافذه الشعرُ طازجاً ومدهشاً وبِكْراً، وأكدَّ في أكثر من موضعٍ على ضرورة ألا تكون الترجمةُ حرفيةً، ويجب أن يقوم بهذه الرسالة مترجمون مبدعون.. وختاماً أتمنى أن يتم تدريس هذا الكتاب في كل كليات الترجمة والآداب، فهو إطلالةٌ مميزةٌ على شعراء العالم وهو نموذج متفرِّد لترجمة الشعر من أغلب لغات الدنيا إلى لغتنا العربية الشاعرة.
مشاهدة حدائق عبد المحسن يوسف عندما يصل الإبداع طازجا وشهي ا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حدائق عبد المحسن يوسف عندما يصل الإبداع طازجا وشهي ا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حدائق عبد المحسن يوسف.. عندما يصل الإبداع طازجاً وشهيّاً.
في الموقع ايضا :