ويختصر بنكراد ذلك في أنّ اللعب لا يتمتعُ بأي مردود نفعي، “فالنَّاسُ لا يلْعبون مِن أَجْل غَايَة، أو قد لا يَفعلونَ ذلك إلّا عندما تَنتفي كلّ الغاياتِ” وكذلك الأمر مع الفنّ، “فلا غايةَ منه سوى الحصولِ على متعةٍ أو بحثٍ عن طمأنينةٍ في عالمٍ يهبُ الحياةَ خارج واقعٍ مركّبٍ. إنّنا نَبحَثُ فيه عن انفعالٍ خالصٍ يَأتي إلى الذّاتِ من الحسيّةِ وحدها”.
“يجبُ أنْ نقيّدَ أنفسَنا بإكراهاتٍ لكي نُبدِعَ بحريّةٍ” – أومبيرتو إيكو
يَشتَرِك الفَنُّ واللَّعبُ فِي خَصِيصَةٍ وَاحِدةٍ على الأقلِّ، فكلاهمَا لا يتحدَّدُ مِن خِلَال مَردُودٍ نَفعِيٍّ فِي الحيَاة. فالنَّاسُ لا يلْعبون مِن أَجْل غَايَة، أو قد لا يَفعلونَ ذلك إلّا عندما تَنتفي كلّ الغاياتِ. إنّهم يَلعبون مِن أَجْل التَّسْلية أو مِن أَجْل تَفرِيغِ طاقاتٍ لَم تَجِد طريقَهَا إِلى التَّحَقُّق فِي النَّشَاط اليوْمِيِّ. وَكذَلِك الأمْر مع الفَنِّ. فلا غايةَ منه سوى الحصولِ على متعةٍ أو بحثٍ عن طمأنينةٍ في عالمٍ يهبُ الحياةَ خارج واقعٍ مركّبٍ. إنّنا نَبحَثُ فيه عن انفعالٍ خالصٍ يَأتي إلى الذّاتِ من الحسيّةِ وحدها.
إنّ الفنّ بعبارةٍ أخرى، سبيلٌ جديدةٌ إلى الحياةِ، فمن خلاله نقومُ بجولةٍ خارج إكراهاتِ العيش النفعيّ. وذاك ما يُؤكده تنوعُ أشكالِه. فالفنُّ المسرحيُّ ذاته، وهو أقربها إلى الحياة، “لا يُقاسُ بالحاجات التي يمكنُ أنْ يُلبّيها، إنّه يحضُر في العينِ بِاعْتباره يُحيلُ على قُدرَةِ العملِ الأدَبيِّ نَفسِه إِلى التسلّلِ إلى الوُجود، أي الدَّازاين”، إنّه لعبٌ حوّلته الفرجةُ إلى فنٍّ. وتلكَ وظيفةُ اللّعبِ أيضاً، إنّه يُشكّلُ “حالات إحماءٍ” أوليّة نَتعلّم من خلالها كيف نَستحضرُ ما يُمكن أنْ يقعَ “جديّاً” في الحياة النّفعيّة، وليس غريباً أنْ يشترطَ استعداداً أوليّا لممارسةِ اللّعبةِ.
ومع ذَلِك، فَإِنّ اللّعبَ لَيْس مُمَارسَةً عَارِضةً أو طَارِئة يَقُوم بِهَا أَفرَادٌ فِي أوقاتِ فَراغِهم، فهناك مَا يُشير فِي السُّلوك الإنْسانيِّ اللَّاواعي إلى وجودِ بقايَا ممارسةٍ لعبيّةٍ هي ما ميّزَ شكلَ وجودِ النّاسِ في الحياةِ. فقد كان “الإنسانُ اللّاعِب، homo ludens يقوم هو أيضاً بوظيفةٍ لا تقلُّ أهميةً عن النّشاطِ الحرفيِّ، لذلك يستحقُّ هذا المفهومُ أنْ يُوضعَ بجانبِ الإنسانِ المخترعِ homo faber… فالإنسانُ اللّاعبُ كان لاحقاً للإنسانِ المخترعِ، وهذا كان بدورِه لاحقاً للإنسانِ العاقلِ”. يتعلّقُ الأمرُ بنشاطٍ اخترقَ حضورَ الإنسانيّة كلّها في الأرضِ.
إِنَّ النُّصوص الدِّينيَّة ذاتهَا لَم تَسلَم مِن هذَا الـمُضاف الفنِّيِّ، فَترتِيل القُرآن، أيُّ مَنْحُ الكلماتِ بُعْدًا صوتيّاً لا معادل لَه فِي الصِّيغةِ الكتابيَّة، أَمرٌ مُستَحَبٌ، إِنَّه يَمنَحُ النَّص “طَاقَة إِقْناعيَّة” مُضَافَة، فما يَستهْوِي مَلايِين المؤْمنينِ لَيْس المعْنى الذِي تُحيل عليْه الكلماتُ حقّاً، فهؤلاء لا يَفهمون مضْمونهَا إلَّا لماماً، بل مَا يُـمكنُ أنْ يُضيفَه هذَا التَّرْتيلُ، أيْ مَا يَأتِي مِن الطَّاقة الصَّوْتيَّة للمُقْرئِ. ولم يُختَر بِلَال لِيكون أَوَّل مُؤذِّنٍ فِي الإسْلام لِذكاءٍ أو لِتقْوى تَفُوقُ مَا كان عِنْد الآخرين من صَحابةِ الرّسولِ، بل لِأَنّه كان يَتَمتَّع بِصَوتٍ جميلٍ، كما يُقالُ. فما يُضيفُه المؤذّنُ ليس مُستوحى من مضمونِ الكلماتِ، بل مصدرهُ الإيقاعُ الآتيُّ من صوتِ القارئ. يتعلّقُ الأمرُ بــ “علاماتٍ نوعيّةٍ” مصدرُها مضافٌ صوتيٌّ أو مثيراتٌ بصريّةٌ هما مصدرُ إحالاتها الدلاليّةِ.
وَهِي صِيغة أُخرَى لِلقوْل، هُنَاك فِي الدَّاخل النفْسِيّ رَغبَةٌ حَرَّى فِي التَّخَلُّص مِن زَمَنيَّة مُوَجّهَةٍ ومحدودةٍ بِغايَاتٍ مُرتبطَةٍ بِالـحسِّ المشترك وَحدَه، لِاسْتعادة أَصْلٍ أَوَّلَ يَكونُ خالياً مِن كُلِّ الإكْراهات، كائنًا بِلا ذَاكِرةٍ ولا وَسائِط يَعبَث بِالأشْياء قَبْل أنْ يُسَميهَا أو يَضعُها في مفاهِيم تَحولُ بَينَه وبيْن دِفْءِ الطَّبيعة كما يتسلّلُ إلى وِجْدانه. وهذَا مَا يُؤكّدُه سُلُوكُ البدائيِّ نَفسِه، فَهذَا الكائنُ لا يُعير فِي الغالبِ أيّ اِهتِمامٍ “لِمَا يُميِّز بَيْن كيْنونتِه وبيْن لَحَظات لَهوِه، فلَا عِلْم لَه بِالـهـويَّة والصُّورةِ والرَّمْزِ”. إنّ اللّعب عند “البدائيِّ”، كما هو عند الطّفلِ، تصريفٌ لأحاسيسَ لا تَتحكّم فيها المفاهيمُ، بل تُوجّهها في الغالبِ حركاتُ الجسدِ وإيماءاتُه والأصواتُ الصّادرةُ عنه.
وقد يكونُ هذا هو الأصلُ في التّقابلِ الذي تُقيمُه العربيّةُ بين اللّهوِ واللّعبِ. فقد مَيّزَت بينهما بِدقَّة فائقةٍ استناداً إلى مردودِهما في الحياةِ. إنّ اللّعب نَشَاطٌ قد لا يَنفَعُ، ولكنَّه لا يَضُرُّ أيضاً، إنّه تسليّة أو تحايلٌ على زمنيّة تُدرَك خارج العملِ الجديِّ فيها. أَما اللَّهوُ فيشْغلُ النَّاسَ عن أعْمالِهم وعن دينِهم. لِذَلك كان الطِّفْلُ لَاعبًا، فَهُو غَيْر مُكلَّفٍ، أَمَّا الرَّجل فيلْهو حين يلعبُ، أيْ يقوم بعملٍ لا طَائِل من ورائه. وضمنَ هذا وذاك وضَع النصُّ القرآنيُّ الحياةَ كلّها: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ” (سُورَةِ الأَنعَامِ). إنّ الفناءَ الأرضيَّ، وفق هذا، هو وحدَه القادرُ على استيعابِ حالاتِ اللّهوِ واللّعب، أمّا الجدُّ فهو ما يَعدُ به العالم الآخر.
وَذَاك أيْضًا هُو مَا يُشير إِلَيه التَّعْريف الأوَّل لِلْفنِّ، فقد نُظر إِلَيه قديمًا بِاعْتباره مُحاكَاةً لِطبيعةٍ مِنهَا اِنبثَق كُلُّ شَيْء، أو هُو “مُحَاولَة لِلتَّغْطية على عَناصِر النَّقْص فِيهَا”، كمَا كان يَقُول كانْدينسْكي. بِعبارة أُخرَى، “قد تَبدُو الطَّبيعةُ ذَاتُها، بِاعْتبارهَا لَعِباً دائماً بِدون غَايَةٍ ولَا قَصْدٍ ولَا جُهْدٍ، وَكَأنهَا النَّموذجُ الأصْلِيُّ لِلْفنِّ، فالفنّ طاقةٌ مُضافةٌ تتغذّى من الأحاسيسِ ذاتِها. وهذَا مَا أَشَار إِليه شِليجل حِين اعتبَر كُلَّ الألعابِ المقدَّسةِ لِلفنِّ مُجرَّد مُحاكَاةٍ لِلعالم مُغْرِقةٍ فِي القِدمِ، ذَلِك أنَّ العملَ الفنِّيَّ يَتَحدَّد دائمًا مِن خِلَال شَكلِه”.
ومع ذَلِك، فَإِنّ اللّعبَ لَيْس مُمَارسَةً عَبَثيَّةً تُعَدّ نقيضًا لِحياةٍ جِدِّيةٍ مَحكُومةٍ بِإكْراهات وضوابطَ. إِنَّ ...
مشاهدة المفكر المغربي بنكراد يرسي جسور العلاقة المشتركة بين الفن واللعب في الحياة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المفكر المغربي بنكراد يرسي جسور العلاقة المشتركة بين الفن واللعب في الحياة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المفكر المغربي بنكراد يرسي جسور العلاقة المشتركة بين الفن واللعب في الحياة.
في الموقع ايضا :