بدأ الاهتمام المشرقي ببلاد المغرب يزداد أكثر فأكثر خلال العقدين الأخيرين بسبب ما أحدثته وسائل الاتصال الحديثة التي قربت البعيد وسمحت بالتعرّف عن كثب بين البلدان والأقطار. كان هذا الأمر أشبه باكتشاف بالنسبة للمشارقة أكثر من المغاربة. وهكذا توالت الكتابات العربية عن المغرب ووقفت، في كثير من الأحيان، على ذلك التميّز الحضاري واختلاف أساليب العيش والعادات، وسمة التعدد التي ميّزت المغرب في المجال الطبيعي وعلى المستوى الجغرافي واللغوي، والعمراني والإرث التاريخي الذي مازال حيا في كلّ مظاهر الحياة المغربية.
إعداد وتقديم: سعيد الباز
سيف الرحبي.. المغرب صلةٌ وثيقةٌ جماليا ومعرفيا
… في عُمان، زمن الطفولة البعيدة، لا نكاد نعرف شيئا عن البلاد المغاربية. كانت ثقافة بلاد المشرق العربي بكافة مناحيها، بجانب الإرث المحلي، تمارس مطلقة الهيمنة على الوعي العام وهو وعي تقليدي… وكان هناك ما يشبه الكلام الغامض عن الثورة الجزائرية و(وادي ميزاب) حيث يقطن الأمازيغ الإباضيون، الذين تربطهم صلة رحم مذهبية بإخوانهم في عُمان. وحين كنّا في القاهرة، استمرّ هذا الغموض حول تلك البلاد الشاسعة والنائية… نفرٌ من الطلبة ذهب إلى المغرب، وجاء بأخبار مثيرة عن طبيعة تلك البلاد التي تفوق بلاد المشرق ولطف تعامل أهلها مع الغرباء…
مطلع الثمانينات زرتُ المغرب قادما إليها من دمشق وعائدا إليها. نزلتُ مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، وهو لا يختلف كثيرا في تواضعه وبساطته عن مطار دمشق الدولي. كنتُ أحمل معي نسخاً من كتاب صدر لي للتوّ (الجبل الأخضر) وحين لاحظ شرطي الجمارك السوري كثرة النسخ في الحقيبة، أخذني إلى غرفة جانبية حيث سألني الضابط عن سبب كثرة النسخ وطبيعة الكتاب. أوضحت أنني كاتبه وأنني مقيم في الشام… حتّى ضجر لعدم أهميّة الموضوع بالنسبة إليه، فأفرج عنّي وعن الكتاب الذي حملته إلى المغرب والأصدقاء…
لحظة وصولي إلى المطار المغربي، وأنا في طريقي إلى منطقة تفتيش الحقائب، اندلقت الحقيبة التي أحملها وهي غير مقفولة كالعادة التي استمرت حتّى هذه اللحظة، تطايرت نسخ الكتاب متبعثرة على أرضية المطار، ممّا جعل شرطي التفتيش يدعوني متجاوزا الذين قبلي في الطابور. سألني بدوره عن الكتاب ولماذا هذا الكم من الكتب المتشابهة؟ أوضحتُ له مثلما أوضحتُ لزميله السابق في دمشق. تركني أمضي في حال سبيلي من غير مشاكل وأسئلة إضافية تحفل بها مثل هذه المناسبات. مضيتُ إلى الردهة الخارجية للمطار حيث كان في انتظاري زاهر الغافري وأصدقاء آخرون مقيمون في المغرب من أجل الدراسة.
منذ تلك الفترة التي بدأت في التعرّف فيها على الوسط الثقافي المغربي، أخذت الصلة في التوثيق والحميمة جماليا ومعرفيا، عبر أطوار الزمن وتقلبات أمكنته… وبدار توبقال… أصدرتُ ديوان (رأس المسافر) الذي استُبل بشكل رائع وفريد. اتّسعت العلاقة وتشعبت حضورا مكثفا… كنتُ أحضرُ في العام أكثر من مرة، من مراكش، فاس، الرباط، الدار البيضاء، وحتّى أصيلة وطنجة خاصة في موسم الصيف والمهرجان… حيث يتجمع الأصدقاء من كلّ الأنحاء المتشظية والبلاد… وجدتُ في المغرب والبلاد المغاربية عامة ما لم أجده في المشرق. ذلك الشغف حدّ الهوس والجنون بالفنون والفلسفة، الطليعي منها واللامألوف الذاهب صوب المغامرة والخطر والمجهول. هوس عبّر عنه أصحابه كتابة وسلوكا، حياة وموتا… هذا الرافد من روافد هذه الثقافة يصبّ في متنها العريض بأسمائه البارزة في ساحة الثقافة والفكر العربيين. فقد أعطت هذه المناطق في الثلاثين سنة الأخيرة وأمدّت ثقافة العرب وفكرهم الذي وصل في بعضه إلى التنميط الإيديولوجي وضجر التكرار العقيم، بكلّ ما هو جديد، مبعث سجال مضيء.
الأسماء في هذا المنحى، من فرط إلحاحها، ليست بحاجة إلى إيراد وتسطير.
علاء خالد.. أكتب إليك من بلد بعيد
يقدم الشاعر والكاتب المصري علاء خالد، في كتابه «أكتب إليك من بلد بعيد» الذي ضم رحلات إلى اليونان وفرنسا وأمريكا والمغرب، لوحات جميلة للمغرب تتأمل المكان والمعمار من زاوية جمالية، وتكشف في الوقت نفسه دلالاته الاجتماعية: «البيوت في مراكش وفاس جنّتها هي الداخل. ليس لها نوافذ تفتح على الخارج. جدران مصمتة متعالية تلتقي في هذا السقف المجازي، نقطة الزوال، للدرب الضيق. البيت وحدة مغلقة على الداخل، وربما لهذا السبب يتحقق داخل البيت ما كان المفروض أن يحدث خارجه. يتحوّل إلى وحدة اجتماعية كاملة. الشارع للعبور فقط، بأقل قدر من المساحة والاتساع والصدام، أمّا نسج الجمال والعلاقات على مهل فيحدثان داخل قلب حبّة الرمان.
بعد الدخول مباشرة للرياض هناك مدخل يفضي إلى ممر صغير يفضي لباحته، على اليمين مباشرة هناك سلم يفضي للأدوار العليا ومنها للسطح. يختزن السطح كمية من الضوء تعوض درجات العتمة التي يستقبلك بها البيت. فقط من تلك الفتحة العليا داخل الرياض تدخل الشمس، ثم يُعاد توزيع الضوء بالتساوي، على اليمين غرف الرياض وأدواره الثلاثة، من هذا الصنبور الضوئي الشفاف المليء بذرات الغبار. داخل الرياض الضوء هادئ ومطمئن، وذاتي، مجهول المصدر، كضوء ثمرة الرمان، أو كضوء الأحجار الكريمة، أصيل وليس انعكاسا لضوء آخر، بالرغم من عامود الشمس المصبوب داخل باحة الرياض. هناك شمس حيية تعيش في فاس. تشعر بأن هناك غلافا منصوبا حول المدينة يمنع وصول تلك الدرجة القوية من ضوء الشمس، يمتص جزءا منها، ويمرر ضوءا مكسورا كأنه لون غائم. يحفظ المدينة فيه. كأنّ المدينة تعيش داخل فقاعة من الضوء المكسور. تشعر بأنّ هناك فلترا سماويا ترى الشمس من خلاله، ويمكنك أن تفتح عينيك فيها. لا أعرف هذه الشمس الحيية مرتبطة بهذا الوقت من السنة، أم هي ظاهرة ! وهذه الدرجة من الضوء المكسور هي التي جذبت الرسامين ليرسموا فاس القديمة ويصبح ضوؤها إحدى أيقونات رسوم عصور الاستشراق.
رحمن خضير عباس.. حين أضحى المغرب وطنا بديلا
… في أواخر سبعينات القرن الماضي، حللنا في المغرب، وكنّا مجموعة غير متجانسة من العراقيين. الصدفة وحدها التي جمعتنا. فلم نكن قد خططنا لذلك مسبقا، سوى أنّ أكثرنا كان هاربا من قفص حديدي كبير، اسمه الوطن. ولحسن الحظ، كانت المدارس المغربية (آنذاك) بحاجة إلى مدرسين في مختلف التخصصات، لسدّ النقص. لذلك، فقد استوعبت الوزارة المغربية طلباتنا للعمل في التعليم الثانوي. وهكذا، توزّعنا على المدن المغربية المختلفة. والطريف في الأمر: كنّا نجتمع في العطل السنوية، فنستفسر عن بعضنا، ونطلق اسم المدينة ككُنية للشخص المقيم فيها. فنقول مثلا: هادي القصر، نسبة إلى القصر الكبير، وعادل طنجة، وساجد فاس، وكاظم تازة، وجواد آسفي… إلخ من المدن الأخرى. كنّا متوجسين من حقيقة وجودنا في المغرب. تنتابنا مشاعر متضاربة، بأننا نمرّ بمرحلة طارئة، حتّى إنّنا ترددنا في شراء مستلزمات السكن والعيش من أثاث وغيرها، واكتفينا بالضروري فقط. وكأنّنا في حالة من السياحة والسفر، متلهفين لسماع أخبار الوطن، الذي غادرناه، ولكنّه لم يغادرنا. لكنّ الحياة المغربية، ببساطتها وهدوئها، قد سمّرتنا على أبوابها، فاقتنعنا بأنّها ليست مجرّد محطة انتظار، وإنّما هي ملاذ بديل، سرعان ما تحوّل إلى عنصر حياتي، تناسينا به همومنا، وإمكانية العودة إلى الوطن الأوّل. شيئا فشيئا، تناغم أكثرنا مع الواقع المغربي، الذي انتشينا بعطره، وتسللنا إلى عمق الحياة فيه، وتشبعنا بعاداته وتقاليده. كان المغاربة أقرب إلينا من دول تجاورنا، وكأنّها عملية الجذب بين قطبين متباعدين، لأنّ العراق في أقصى الشرق، والمغرب في أقصى الغرب. ومع ذلك، فقد لمسنا أشكالا من التعاطف والاحترام، من قِبل أغلب شرائح المجتمع. حالما يُذكر العراق أمام المغاربة، حتّى تنهمر الذاكرة الجمعية لهم. فيتحدثون عن أصالة العراق، عن شعره وأدبه، وعن عصوره الذهبية. يتحدثون عن التمر والنهر والحضارة وأشياء أخرى تُشبع فينا الأُلفة التي نفتقدها في بلدان أخرى. أحيانا نحاول أن نتحدث لهم عن التراجع الكبير الذي شهده العراق. ولكنّ مخيالهم الجمعي يرفض ذلك، ويبقى متشبثا بالعراق المتألّق الذي سيتجاوز المحنة. إنّه شعور جميل، ألفناهُ وتعوّدنا عليه. المغربي يعرف عن بلدك أكثر منك، يتحدثون لنا عن مرقد الإمام عبد القادر الكيلاني في بغداد، كما يتحدثون عن الجواهري والسيّاب ومظفر النوّاب. يذكرون لنا المجلات الأدبية التي تأتي من العراق، رخيصة في ثمنها وغنية في محتواها، يحفظون أغاني ناظم الغزالي. كان للمغرب الفضل في طمأنة قلقنا، وذلك بإسعافنا بالمحبة والمودة، وجعلنا أكثر قابلية للاستقرار. وهكذا طالت إقامتنا في المغرب، مثقلين بوضع عائلي. فقد تزوج أغلبنا من مواطنات البلد، لكنّ الصدمة التي واجهتنا، هي أنّ أطفالنا لا يكتسبون الجنسية المغربية، حسب القوانين المرعية في الثمانينات من القرن الماضي. لذلك فكّر أكثرنا بالهجرة إلى أوروبا أو أمريكا الشمالية. ولم يبق في المغرب، إلّا القليل من العراقيين، الذين اندمجوا في المجتمع المغربي اندماجا كاملا.
سميح مسعود… تطوان وحكايا أخرى
يقول الشاعر والروائي والباحث الاقتصادي الفلسطيني سميح مسعود عن قصة رحلته إلى المغرب «في شتاء هذا العام 2017 منحتُ نفسـي شـيئاً من التغيير بشدّ الرحال إلى المغرب، الذي زُرته عدة مرات في سنوات خلت، أطلْتُ التجوال في أرجائه بأجواء مشحونة بالإثارة، خصبت ذاكرتي بأجمل الذكريات، تجولت على مدى أيام طوال في مُدن كثيرة شكَّلت الطبيعة فيها لوحات تشكيلية جميلة بتكوينات لونية مميزة، تبعث الأمل والإلهام في النفس». في زيارته هذه لمدينة تطوان يقوم الكاتب بسرد حكايات عن المدينة وتاريخها وأعلامها:
«تعددت الأماكن التي زرتها مؤخرا في المغرب، تنقلت بين مدن كثيرة، لملمت منها أجمل الذكريات، منها مدينة تطوان، التي تعتبر أقصى نقطة عربية على بعد أميال قليلة من مضيق جبل طارق، ما أن وصلتها حتى تذكرت الشاعر السوري فخري البارودي الذي ذكر تطوان في قصيدته «بلادُ العرب أوطاني» ومن كلماتها: بلادُ العُرب أوطاني/ منَ الشام لبغدان/ ومن نجدٍ إلى يمنٍ/ إلى مِصرَ فتطوانِ.
شدّتني كلمات هذه القصيدة بإيقاعها الدلالي واللفظي، وقربتني من تطوان بإحساس داخلي عاطفي، شعرت بتآلف معها مع أنني لم أزرها من قبل… سرعان ما بدأت التجول فيها مشياً على الأقدام على مدى ساعات طوال، وجدتها مدينة جميلة تطلُ على البحر ...
مشاهدة nbsp المغرب في الكتابات العربية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب في الكتابات العربية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاخبارعلى مدار الساعه ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب في الكتابات العربية.
في الموقع ايضا :
- L’Institut Supérieur de Biotechnologie de Sfax accueille un workshop international sur l’avenir de l’édition scientifique à l’ère de l’intelligence artificielle
- مباراة كرة قدم تتحول إلى عنف.. طعن شابين بسكين في تل أبيب
- خارجية إيران: عراقجي أكد دعم إيران الثابت للشعب اللبناني في مواجهة هجمات إسرائيل عاجل