إذا كنتَ تشعر بالثقة والتفاؤل فاعلم انّ فطرتك وإيمانك ما يزالان بخير حتى وإن اعتراهما ما اعتراهما من شوائب وتشويه.. أمّا إذا كنتَ تشعر باليأس والقنوط فإعلم أنّك شخص فيه صهيونيّة حتى لو ظننتَ بنفسك خلاف ذلك!
وهذا الإسقاط لسهم التاريخ يتماهى مع كون الصهيونيّة فكراً وثنيّاً ماديّاً معادياً للتاريخ ويعيش في اللحظة والآن والتوّ، وذلك بكون التاريخ قد انتهى منذ أن حلّ إلإله أو المطلق أو المتجاوز في التاريخ/ التاريخ اليهوديّ (حتى لو كان هذا التاريخ ملفّقاً ومحرّفاً)، والأمّة المقدّسة/ اليهود/ بني صهيون (حتى وإن كان غالبيتهم لا يمتّون لبعضهم البعض بقرابة عرقيّة/ قوميّة)، والأرض المقدّسة/ فلسطين التوراتيّة/ صهيون (حتى لو لم تتطابق الحقائق الماديّة مع حقائق الأسطورة والخرافة).
وفي المقابل، هذا الإيمان المتطرّف يتسبب لأصحابه بهزّة عنيفة تزلزل يقينهم بتاريخهم وأنفسهم، وخوف وهلع كبيرين من شبح المستقبل وإشاحة الربّ لوجهه عنهم (وهو الذي يُفترض أنّه يعمل لديهم ومن أجلهم).. وذلك في حال وجدوا أنفسهم إزاء شعب تاريخيّ حيّ مثل الشعب الفلسطينيّ والشعوب العربيّة والإسلاميّة (مَن رحم ربّي منّا طبعاً)، أو سيرورات تاريخيّة حيّة مثل الانتفاضة والفدائيّين والاستشهاديّين والمقاومة و"طوفان الأقصى" والصمود الأسطوري لأهالي غزّة، والتي تتعارض جميعها مع يقينهم بالتاريخ الذي انتهى، والصراع الذي حُسم مرّة واحدة وللأبد لصالحم، وللارتباط العضوّي بينهم وبين أرض ميعادهم التي سيقيمون عليها فردوسهم الموعود/ صهيونهم هنا في الأرض وليس هناك في السماء أو الآخرة التي لم يعد لها وجود نتيجة لهذا الحلول.
من هنا مثلاً تأتي معضلة المستوطنات التي تفرغ من أهلها لدى أول رصاصة كما في حالة مستوطنات غلاف غزّة ومستوطنات شمال فلسطين المحتلّة (مع أنّها يُفترض أن تكون خطوط دفاع أولى). ومن هنا تأتي معضلة "شعب الله المختار" الذي يهرع لدى أول صاروخ إلى "مطار بن غوريون" عائداً إلى نعيم ودعة وأمان الشتات و"الديسابورا"، متخلّياً عن أرضه المقدّسة وأرض ميعاده!
بالعودة إلى "نظرية الأمن الإسرائيليّ"، فيبدو أنّ مكابرة وغطرسة وعنجهيّة العدو الصهيونيّ تجعله يصرّ على الإدراك المكانيّ فقط، ومن هنا نجد أنّ كلّ حديثه وتعويله ما زال ينصبّ على مفاهيم مكانيّة: احتلال غزّة، احتلال الضفّة، احتلال جنوب لبنان، (بل واحتلال الأردن وسيناء وأجزاء من سوريا والعراق والجزيرة العربيّة)، المناطق العازلة، الجدران العازلة.. الخ، في حين أنّ الإدراك الزمانيّ ما يزال مُسقطاً لديه، سواء من حيث أخذ العبرة التاريخيّة من تجارب المشاريع والجيوب الاستيطانيّة المشابهة، أو من حيث تجربة الكيان نفسه الذي سبق له وأن جرّب احتلال غزّة والضفة وجنوب لبنان، أو من حيث قدرة الشعب الفلسطينيّ كشعب تاريخيّ على النهوض مرّة بعد مرّة بعد مرّة!
الحصيلة الأولى: أنّ كلّ يوم إضافيّ يمرّ هو بمثابة نصر للمقاومة وللشعب الفلسطينيّ والقضيّة الفلسطينيّة، ليس فقط بالمعنى المعنويّ للكلمة من حيث الصمود والثبات والشهادة، بل وأيضاً بالمعنى الماديّ من حيث مسار القتال، ومنحنى المواجهة على الأرض، وخسائر العدو، وتضعضع جبهته الداخليّة.
بل هذا الكلام فيه إنصاف لهؤلاء البشر المُخلِصين والمُخلَصين الذين كفّوا ووفّوا منذ اليوم الأول، وألزمونا وألزموا البشريّة كلّها الحُجّة منذ اليوم الأول، والذين تعدّوا في "تقواهم" و"رباطهم" مرحلة "الصبر" إلى مرحلة "المصابرة" منذ وقت طويل؛ والصبر والمصابرة هما عبادتان زمانيّتان متجاوزتان لحدود المكان واللحظة والشعائريّة والطقوسيّة، ومن هنا يأتي استحقاق أصحابهما أن يُوفّوا أجورهم بغير حساب!
هذا على الأقل ما حدث في حالة الأنظمة العربيّة والإسلاميّة وشعوبها على مستوى وجودها الجمعيّ، فقد تمّ إخضاعها وما تزال إلى عملية "صهينة" حثيثة باسم التحديث والتطوير والتحوّل والتمكين والريادة والرقمنة، حيث الصهيونيّة هنا تكافئ معرفيّاً قيم الرأسماليّة والعولمة وما بعد الحداثة، وبهذا الصدد يورد "المسيري" نقلاً عن الناقد الأمريكي "فريدريك جيمسون":
ومن هنا يأتي سرّ عداء "الجميع" الوجوديّ لـ "طوفان الأقصى" صرّحوا بذلك أم لم يصرّحوا، والذي يعتبر حالة متقدّمة لـ "النموذج الانتفاضيّ" الذي سبق للمسيري استخلاصه من تجربة "الانتفاضة الفلسطينيّة" التي عنت له من الناحية المعرفيّة: "تجنيد الكتلة البشريّة الفلسطينيّة من خلال مخزونها الحضاريّ الذي أثبت مقدرته التعبويّة الهائلة. فهي عمليّة عودة عن الحداثة الماديّة الغربيّة المنفصلة عن القيمة لنبدع حداثة خاصة بنا".
ـ ازدراء فلسطينيّي الداخل للإسرائيليّين وعدم خوفهم منهم، حيث الفاعل الإنسانيّ العربي هنا قويّ ومتماسك وغير منكسر إزاء العدو عكسنا نحن عرب الخارج (والسنوار حالة نماذجيّة كارزميّة بهذا الخصوص).
ـ إدراك فلسطينيّي الداخل أنّ كلّ ما ينغصّ على المستوطنين حياتهم هو في نهاية الأمر إحباط للمخطط الصهيونيّ.
لكن مرّة أخرى، الشاهد التاريخيّ وسهم الزمان (كما يتبدّيان في الميدان) يشيران إلى استحالة تحقيق هذا الهدف "اللاعقلانيّ" مهما اتُخِذَت في سبيله من إجراءات ووسائل "عقلانيّة"؛ فالنموذج الغزّاوي ولو على مستوى الوعي هو الذي يغزو شيئاً فشيئاً وجدان الضفة وسائر مجتمعات المنطقة والعالم (وهذا سبب إضافيّ للخوف من هذا النموذج ومحاربته والتكالب عليه)، كما أنّ هناك كما يقول "المسيري" حقائق تاريخيّة وإنسانيّة ثابتة لا تتحرّك مهما حرّكت لها من دبابات، ومن جملة هذه الحقائق أنّه لا يمكن لشعب طارئ أو مفتَعل أو مختلَق أن يهزم شعباً تاريخيّاً حيّاً مهما طال الزمان!
مشاهدة عاجل المسيري وطوفان الأقصى وسلاح الزمن هل نشعر باليأس أم نشعر بالتفاؤل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عاجل المسيري وطوفان الأقصى وسلاح الزمن هل نشعر باليأس أم نشعر بالتفاؤل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عاجل - المسيري وطوفان الأقصى وسلاح الزمن: هل نشعر باليأس أم نشعر بالتفاؤل؟!.
في الموقع ايضا :