ترى هل وقفت على معناه اليوم؟
هذا النشيد لم يكن يحرك وجداني فقط، بل كان يقتلعني شجرة طرية، من طفولتي، ويغرسني في عالم الراشدين، ويثقل كتفي بأمانة حب الوطن .
تبدأ سعادة الخرجة قبل انطلاقها من ساحة المدرسة، تبدأ حال العودة إلى المنزل، مساء اليوم السابق لها. تنتفخ الأوداج زهوا وخيلاء وأنا أخبر الأم “بالفم المليان”، كما يقول المصريون: غدا سنذهب إلى “تالوين” مع المعلم. تفهم هي بسرعة أن عليها أن تزودني بما أشارك به في غذاء الخرجة: حبوب شاي، قطع سكر، خبز، وما تيسر من طعام.
ها نحن نتوافد، صباح الأحد، على ساحة المشمش التي تفصل المدرسة عن الطريق، “أصحاب الفوق” – أطفال ايريماين والسوالمية- هم السباقون، ثم يتلاحق القادمون من تحت.
نشيد الإنشاد:
عليك مني السلام يا أرض أجدادي
عشقت فيك السمر وبهجة النادي
والليل لما اعتكر والنهر والوادي
أهوى عيون العسل أهوى سواقيها
هذي مجاري الأمل سبحان مجريها
يا قوم هذا الوطن نفسي تناجيه
إن تهجروه فمن في الخطب يحميه
وأوردته كاملا لأنه نشيد الإنشاد بالنسبة لي ولكل جيلي، بل هو الثدي الشعري الذي رضعنا منه حب الوطن أرض الأجداد. هذا النشيد لم يكن يحرك وجداني فقط بل كان يقتلعني شجرة طرية، من طفولتي، ويغرسني في عالم الراشدين، ويثقل كتفي بأمانة حب الوطن .
أتذكر جيدا شروح المعلم وهو يقرب مضامين النشيد من عقول تنتهي خرائطها في قمم الجبال المحيطة، فأين هو هذا الوطن؟ وبالرغم من هذا العائق الموضوعي، كبر فينا حب الوطن، لأنه استنبت في أرض الأجداد، التي لا نحتاج إلى من يعلمنا حبها. إنها هذه التي تتوفر على كل ما يوجد في النشيد: ضوء القمر، الكوكب الهادي، الليل، الوادي، ثلوج الجبل، وعيون العسل…
وحين كبرنا اتسعت الخرائط، وعرفنا أن وطننا وأرض أجدادنا أوسع من بساتين الزكارة وسهل أنكاد الزكارة، وجباله أعلى من جبالنا، وعرفنا أن هذا الوطن ليس شيئا يُذكر بدون سكانه.
كيف؟ ألا نتساوى كلنا في حب الوطن؟ فلماذا يستحوذ البعض فقط على خيراته؟
وتتواصل ضحكاتنا وكأنها تنشد نشيدا آخر للوطن، حتى يطمئن إلى مستقبله. ألسنا مشاريع مواطنين راشدين سننخرط مستقبلا في حب آخر للوطن: حب عن طريق العمل.
صفصافة عمي طلحة:
ننزل أثقالنا تحت سلطانة الأشجار في القبيلة، إنها “ثاصفصافث نطلحة”، الشامخة قرب عين ماء زلال-ثيط ثابوريث-التي تنبع من جرف مطل على بستان عمي طلحة.
كنا، صيفا، نمضي نصف اليوم الأول في السباحة في أعالي الوادي (تالوين) وحينما يشتد بنا الجوع في الظهيرة نغادر قاصدين منازلنا، لكن لا بأس في الطريق من عنقود عنب أو رمانة من هذا البستان أو ذاك. هذا بالضبط ما كان يتحسب له العم طلحة، فيتخذ له موقعا عاليا يشرف على البستان وشجرة الصفصاف العملاقة، وما أن يتأكد من عبورنا إزاء بستانه-ولو دون نية السرقة-حتى يضرب بمقلاعه فوق رؤوسنا، مما يحدث في أعالي الشجرة فرقعات متتالية توحي بأن الصفصافة العملاقة تتكسر وتتهاوى.
ذات سيل عرمرم، في سبعينات القرن الماضي، تهاوت الصفصافة العملاقة فتقاذفتها المياه وكأنها سفينة من تاريخ غابر، ومرت عبر مسالك ضيقة إلى أن شلت حركتها القنطرة الكبيرة الواقعة عند مدخل مستفركي من جهة النعيمة، وبعد أيام تعاورتها الفؤوس وانتهت حطبا، ثم دخانا في الفضاء.
زائر “تلوين” اليوم سيلاحظ وجود شجرة صفصاف متوسطة مكان الأولى، حفاظا من قوانين الطبيعة على النوع.
هل انتهت الرحلة التربوية، صوب الوطن، أم لا تزال حية؟
لقد خاب مسعانا في نشيد الإنشاد، اقتُلعنا من طفولتنا وألقي بنا في الرشد الوطني، لكن حينما كبرنا اقتنعنا بأنه كان للتسلية المدرسية فقط.
نشيد جرفته سيول السياسة كما جرفت صفصافة عمي طلحة.
مشاهدة البحث عن نشيد داخل الوطن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ البحث عن نشيد داخل الوطن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، البحث عن نشيد.. داخل الوطن.
في الموقع ايضا :