قال محمد نور الدين أفاية إن هذا الكتاب بمثابة فصل ثالث لكتابين سابقَين خطّهما، هما: “الديمقراطية المنقوصة” و”النهضة المعلقة”. ثم أردف قائلا: “من العناوين يبدو كأن صاحبها يعاني، كما نعاني، من اللااكتمال. نعاني من أزمنة لا تعمل فيها مختلف السلطات (بالمعنى الواسع للسلطة) وتمنع أو تشوش، وتسهم في عدم الإنضاج، وهذا مصيرنا في المغرب، ولن أتحدث عن العالم العربي الذي لا أعرفه كله، ووعدت نفسي ألا أتحدث كثيرا عن العالم العربي؛ لأننا لا نعرف كثيرا من الساحات العربية، مما يدفع إلى أحكام متعسفة أحيانا وتعميمية”.
وتابع أفاية: “توجد دول أسست لديمقراطيات حقيقية، وتجد نفسها أمام وضعيات تضطرها إلى التنازل عن قيمها المؤسِّسة. فكيف يمكننا النظر إلى بلدان أسست ودافعت عن حقوق الإنسان وتمارس منذ سنة إرهابا منظما على حرية التعبير؟! بل أكثر من هذا إذا عبّرتَ وتجرأت للتعبير عن رأيك في ما يجري من غزة وفلسطين تتعرض للمحاكمة والتشطيب من العمل، في ألمانيا وفرنسا مثلا! أي أن بلدانا أسست للديمقراطية في كثير من الأحيان تتراجع، وتتناسى؛ بل وتعتدي وتخرب هذه القيم. والولايات المتحدة، بعد شعارات طيلة نصف قرن حول حقوق الإنسان، لوت إثرها عنق أنظمة لفرض حقوق الإنسان، لم توقِّع إلى الآن على أوفاق رئيسَة في هذا المجال”.
وانتقد أفاية “الأحكام الجزافية حول الأزمة والتخلف، رغم وجود مظاهر التخلف، وأسماها التخلف السياسي عن الثقافة والفكر، وعدم قدرته على الإنصات لما ينتجه المفكر من أفكار وانفتاحات، دون أن يعني ذلك صوابية كل المفكرين، ولكن لهم مسافة للتفكير في ضوء التاريخ وقد يفيد ذلك صاحب القرار في قراره السياسي”.
وتابع شارحا: “منذ سبعين سنة، أنتجت بلدان إفريقية فلاسفة ومفكرين كبارا، صاروا من المراجع المحترمة في الجامعات العالمية، ولا نجد في كتاباتنا العربية اهتماما إلا بشكل عابر من بما ينتجه الأفارقة؛ مثل أشيل مبيمبي، وسليمان بشير ديان الذي أصبح عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، فكيف يمكن لمن يدعي الانتماء إلى إفريقيا عدم السماع لمثل هؤلاء؟”.
وانتقد المتحدث “نوعا من النزوع الفلكلوري في التعامل مع إفريقيا”، مضيفا: “ننسى أن بلدا مثل نيجيريا، التي لا نعرف ما يجري فيها، هي أول سينما في العالم من حيث كم الإنتاج، وهي مختبر حقيقي ونموذج حقيقي لشباب إفريقيا كلهم، وفي السنغال والبينين وكوت ديفوار والكامرون، فيما يتعلق بمجالات الإبداع السينمائي والموسيقي والموضة ستجدون بأن نيجيريا نموذج إبداعي الآن للشباب الإفريقي (…)”.
الثقافة والنهضة والزمن
وواصل: “كل نهضة تنطلق من هذه القواعد الرئيسية، وهي ثقافة ينبغي أن تبدأ من الأسرة والمنظومة التعليمية. والثقافة المصرية (القديمة) أساسية في الفكر الإنساني، وهي التي أثرت في الفلسفة اليونانية”. وجدد، في محطة الحديث عن مفهوم “الزمن” لدى المصريين القدماء، انتقاد كوننا “سجناء التاريخ الأوروبي”، ومضامين تأريخه لذاته، وتنصّله من التأريخ لمؤثّرات فيه مثل “الثقافة المصرية التي أنتجت الكثير من الأسئلة والأجوبة”.
وزاد: “يوجد تفاوض بين الزمن الذاتي والموضوعي، والزمن التَّذَاوُتي في العلاقة مع الآخر التي هي علاقة تفاوض مستمرة”، مسجلا أن “زمننا هذا لم نعد نمتلكه، انفلت منا، وقوى خفية في شكل خوارزميات تنسينا ذواتنا، وتحشرنا في مواد هي التي تختارها. وتَضيعُ ساعاتٌ ونحن غائِصون في كون لا نتمكن منه إلا نادرا. نعيش نوعا من أنواع النسيان الذاتي (…) نفقد ملكة الإدراك، أي السمع والشم والذوق، وثانيا نفقد ملكة الانتباه، والقدرة على التركيز والاكتساب والتعلم والبناء”، بالتالي “اقتصاد الانتباه في خطر حقيقي”.
وأضاف: “في المغرب رغم النزاعات والصراعات، وتصاعد مستوى التوتر النفسي والعلائقي بين المرأة والرجل والأبناء… كأننا نتكلم نفس اللغة، ونكرر نفس الأخبار، وكأننا دخلنا شكلا من التسطيح المعمم الذي لا يسمح للإنسان بخلق مسافة”، ورغم “رفع شعار النقد، أحيانا لا نجهر به ولا نرقى إلى مستوى ممارسة النقد بالجدية المطلوبة. لذا عندما تجد مثقف حوله جيش من المريدين، تجد نفسك أمام وضع تتحرى فيه الحفاظ على الذات والسلامة، فلا تجهر برأيك”.
المثقف والتعميم
انتقد محمد نور الدين أفاية، في معرض تفاعله مع أسئلة الموعد، “كثيرا من الأحكام التعميمِية غير الصائبة” حول “ما يسمى بالمثقف في المغرب”. وتابع شارحا: “هذا مفهوم حديث في المغرب، لا يتجاوز عمره الستين سنة، وعلينا أن نقيس هذه الفترة الزمنية، بالنسبة لإنتاج وتراكم الأفكار، إذا كانت آليات للبناء والتراكم. فما قبل المثقف العصري، نموذجُ المثقف هو الفقيه، ويطغى على التاريخ المغربي الفقه، وشخصية الفقيه. ولم يبدأ المثقف يفرض ذاته إلا منذ الستينات”.
وزاد المتدخل: “المثقف المغربي العصري عمره محدود، ووجد نفسه أمام وضع اجتماعي وسياسي صعب، ووضع ثقافي أصعب؛ فالكتابة جهد وقرار ومعاناة وتضحية. للقراءة ينبغي التضحية بالعلاقات الاجتماعية، على حساب المرأة والأولاد، ولا ينبغي أن نستهين بفعل الكتابة التي لا نقدّرها الآن حق قدرها، الكاتب والكاتبة، يقومون بفعل جهادي، وليس الأمر معطى، ويبقى المثقف قبل كل شيء مواطنا مثل كل المواطنين عليه واجبات وله حقوق، ونحاسبه على ما يكتب، ومواقفه التي يتخذ”.
وتفاعلا مع سؤال جمهورِ مقهى حُمِّلَ نقاشا ثقافيا في إطار عمل “شبكة المقاهي الثقافية”، قال المفكر المغربي، الذي شغل مسؤوليات استشارية وإعلامية وإدارية، إن “أكثر التقارير نقدية في العشر سنوات الأخيرة صدرت عن المؤسسات الدستورية، ولتنظروا إلى تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمندوبية السامية للتخطيط، وهيئة النزاهة، وخطب الملك”.
ثم قدّر أنه “ربما الصورة التي كنا نملكها عن المثقف العضوي الطلائعي انتهت. المثقف الداعية انتهى واستنفد زمنه، وعلى المثقف اليوم أن يبدع وينتج ويصنع المعنى ويشارك من حيزه النسبي، دون ادعاء، لأننا كنا مدَّعين. لقد ادعى مثقَّفون ادعاءات أكبر من حجمهم، ثم وجودوا أنفسهم أمام أوضاع وكيميائيات أدخلت أعمالهم النسبية، من العروي إلى الخطيبي والجابري، وغيرهم”، واستثنى من ذلك “طه عبد الرحمان، الذي هو المفكر الوحيد الذي لا علاقة له موضوعية مؤسسية بالعمل والشأن العام، وعلاقته الوحيدة بالمؤسسة هو التدريس والكتاب، ولا علاقة له بالواقع. أما الجابري فهو معلم وأستاذ ومفتش وسياسي ويعرف القرار السياسي كيف يطبخ وتوازنات القرار؛ لأن القرار السياسي ليس سهلا، وكان يعرف هذه الأمور من دواخلها، وحين يكتب جملة تطنطن في آذاننا لأنه ينطلق من الكتاب والتجربة والمعاناة ولما يكتبه دلالة، وكذلك العروي احتك بالسياسة وزعماء كبار وكتابه (المغرب والحسن الثاني) يبين هذا، وهو شخص حذر، لا يطلق الأحكام، وكائن قلق، ...
مشاهدة أفاية ينتقد تسطيح النقاش العمومي وضعف النقد الجد ي بالمغرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أفاية ينتقد تسطيح النقاش العمومي وضعف النقد الجد ي بالمغرب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أفاية ينتقد "تسطيح النقاش العمومي" وضعف "النقد الجدّي" بالمغرب.
في الموقع ايضا :