كتب- اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
لم يعد النظام الدولي، كما تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، يواجه تهديده الأكبر من قوى صاعدة أو دول خارجة على قواعده، بل من الدولة التي كانت لعقود مهندسه الأول وحارسه الأبرز: الولايات المتحدة الأميركية، وذلك في ظل سياسات الرئيس دونالد ترامب التي اتسمت بالاستخفاف بالقانون الدولي، وشرعنة منطق القوة، وتفكيك منظومة التعاون متعدد الأطراف.
الاعتداء الأميركي الأخير على فنزويلا، وما رافقه من اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، شكّل ذروة خطيرة في هذا المسار الانحداري الفوضوي. فالعملية، التي لا يمكن توصيفها إلا كقرصنة سياسية مكتملة الأركان، أعادت إلى الأذهان أسوأ نماذج التدخل الاستعماري المباشر، وضربت عرض الحائط بمبدأ سيادة الدول وعدم جواز تغيير الأنظمة بالقوة، وهو أحد الأعمدة المؤسسة للنظام الدولي المعاصر.
ولم يكن هذا السلوك حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سياق أوسع من التهديدات الأميركية المتكررة لكل من كوبا وكولومبيا وغرينلاند، والضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية التي تمارسها واشنطن لإخضاع دول أميركا اللاتينية لمنطق «الطاعة أو العقاب». وهو منطق يعكس تحوّل السياسة الخارجية الأميركية من قيادة دولية قائمة على التحالفات والمؤسسات، إلى إدارة فظة للعالم بعقلية الهيمنة والقوة المجردة.
ولم تكتفِ إدارة ترامب بذلك، بل وسّعت دائرة التصعيد لتشمل إيران، سواء عبر الاعتداءات المباشرة أو التهديدات المتواصلة، مستغلةً أحداثاً داخلية لتبرير سياسات الضغط والتدخل، في انتهاك صارخ لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتعميقاً لحالة عدم الاستقرار الإقليمي والدولي.
الأخطر من ذلك كان التهديد الأميركي العلني لقضاة المحكمة الجنائية الدولية وفرض عقوبات عليهم، في سابقة غير مسبوقة في العلاقات الدولية، لمجرد التحقيق في جرائم حرب اسرائيل ضد غزة وإصدارها أمرا بالقبض عل نتنياهو كمجرم حرب. فحين تهدد دولة عظمى قضاة العدالة الدولية، فإنها لا تحمي نفسها فقط، بل تعلن عملياً أن القانون الدولي بات انتقائياً، وأن من يمتلك القوة يستطيع الإفلات من المحاسبة.
هذا الانهيار القيمي بلغ ذروته في الدعم الأميركي غير المحدود لجرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، حيث وفّرت واشنطن الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي لعدوان دموي موثّق، استخدمت فيه إسرائيل سياسة العقاب الجماعي والتجويع والتدمير الممنهج للبنية المدنية. وقد تحوّل حق النقض الأميركي في مجلس الأمن إلى أداة لتعطيل العدالة، لا لحفظ السلم والأمن الدوليين، في مشهد يلخص ازدواجية المعايير الأمريكية بأقسى وأقصى صورها.
وفي موازاة ذلك، انسحبت الولايات المتحدة مؤخرا وبقرار من ترامب من 66 منظمة واتفاقية دولية، من بينها منظمات محورية مثل اليونسكو، ومنظمة الصحة العالمية، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ولم يكن هذا الانسحاب مجرد خلافات إدارية أو مالية، بل مثّل استهدافاً مباشراً لفكرة العمل الجماعي الدولي، ومحاولة منهجية لإضعاف الأطر التي تنظّم العلاقات بين الدول وتحدّ من منطق شريعة الغاب.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير قبل أيام أهمية خاصة ودلالة عميقة. فحين يحذّر رئيس دولة غربية مركزية من انحدار العالم نحو «وكر لصوص، يأخذ فيه عديمو الضمير ما يريدون»، ويصف سلوك الولايات المتحدة بأنه «صدع تاريخي» في النظام العالمي، فإن ذلك يعكس قلقاً متنامياً داخل المعسكر الغربي نفسه من مسار السياسة الأميركية الحالية. فشتاينماير، الذي شغل سابقاً منصب وزير الخارجية، لا يتحدث من موقع الخصومة مع واشنطن، بل من موقع الشريك الذي يرى أن القيم التي بُني عليها النظام الدولي – الديمقراطية، احترام القانون، وحماية السيادة – تتعرض اليوم لهجوم غير مسبوق، وهذه المرة من داخل البيت الغربي.
إن الخطر الحقيقي في سياسات امريكا الحالية لا يكمن فقط في أفعالها المباشرة، بل في ما تفتحه من سوابق خطيرة. فإذا جازا لإعتداء العسكري المباشر على دول مستقلة واختطاف رؤسائها، وتهديد قضاة دوليين، ودعم جرائم حرب موثّقة دون مساءلة، والانسحاب من المؤسسات الأممية، فإن النظام الدولي برمته يفقد معناه، وتتحول العلاقات الدولية إلى ساحة صراع مفتوح تحكمها القوة لا القانون.
وفي مواجهة هذا المسار، لم يعد ممكناً للمجتمع الدولي، ولا سيما أوروبا، الاكتفاء بدور المراقب القَلِق أو الاكتفاء بانتقادات لفظية متفرقة. فالقارة الأوروبية، التي كانت شريكاً أساسياً في بناء النظام الدولي القائم على التعددية واحترام القانون، مطالبة اليوم بالانتقال من مربع التحفظ إلى موقع الفعل السياسي والقانوني المنظم، دفاعاً عن النظام الذي يتآكل من داخله. ويتطلب ذلك موقفاً أوروبياً ودولياً أكثر استقلالية عن السياسات الأميركية المنفلتة، يقوم على حماية المؤسسات متعددة الأطراف، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية، ورفض تهديد قضاتها أو إخضاعها للابتزاز السياسي، وتحصين المنظمات الأممية من الضغوط المالية، وإعادة الاعتبار لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
كما أن على القوى الدولية الصاعدة ودول الجنوب العالمي أن تنخرط في هذا الجهد الجماعي، ليس بدافع الخصومة مع واشنطن، بل دفاعاً عن مصالحها وأمنها وسيادتها. فالصمت أمام سابقة اختطاف رؤساء الدول، وتبرير العدوان، وتفكيك منظومة القانون الدولي، لا يؤدي إلا إلى ترسيخ منطق القوة وفتح الباب أمام عالم بلا ضوابط، عالم يقترب سريعاً مما حذّر منه الرئيس الألماني: نظام دولي ينحدر ليصبح «وكر لصوص»، تحكمه شريعة الغاب لا القانون.
.
مشاهدة اميركا من حارس النظام العالمي إلى مهد ده عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ اميركا من حارس النظام العالمي إلى مهد ده عاجل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، اميركا من حارس النظام العالمي إلى مهدِّده عاجل.
في الموقع ايضا :
- مباشر يلا شوت.. بث مباشر مشاهدة ماتش مصر وكوت ديفوار في كأس الأمم الأفريقية الآن بأعلى جودة دون تأخير في البث
- بعد الفيديو المسرب …شاهد أول رد من حبيبة رضا على وسائل التواصل
- لينك الأسطورة.. بث مباشر الجزائر ونيجيريا يلا شوت مباشر في كأس أمم أفريقيا بأعلى جودة ودقة واضحة HD
