عندما ينتصر الشيطان ويعاد تعريف الشرّ !! عاجل ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
عندما ينتصر الشيطان ويعاد تعريف الشرّ !! عاجل
كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - كنت غارقاً في كابوسٍ مظلم، وكأنني عدت إلى مدينة أوستنشيا، تلك المدينة التي يعشق معظم أهلها المظاهر، والشكليات التافهة. وقد تمثل لي الشيطان في ذلك الكابوس، وكأنه يرفع إشارة الانتصار، التي تعودنا عليها. فقد كان الشيطانُ منتشياً إلى حد الثمالة. فاضطررت أن أتكلم مع الجني الذي عادة يرافقن في مثل هذه الكوابيس، ليُعينني على فهم ما يجري من حولي؛ من مادورو إلى أوستنشيا في أقصى بقاع أرض الخيال والكوابيس. فقل لي الجني إهدأ، ساخبرك بما لا يروق لك، وهي الحقيقة الماثلة أمامي. فقال كثيراً من الكلام والطلامس التي لم أفهمها، لكنني تذكرت بعض الكلام الذي دونته كي لا أنساه. ومن جملة ما قاله الجني، ما يلي: عندما ينتصر الشيطان، لا تُقرَع الطبول، ولا تُرفع الرايات السوداء، ولا يُعلن السقوط في نشرة الأخبار. انتصار الشيطان صامت، بطيء، ذكي. يدخل من حيث لا ننتبه، ويستقر حيث لا نشك. لا ينتصر بالقوة، بل بالتعويد، لا بالعنف، بل بالتطبيع، لا بالصدمة، بل بالتدرّج. ينتصر حين لا نراه عدواً، وحين نخلط بين الحرية والانفلات، وبين الحق والرغبة، وبين الاختيار والضياع. ينتصر الشيطان أولاً في عقول الشباب، لا لأنهم أضعف، بل لأنهم أكثر بحثًا عن المعنى. حين يُدخَّن الجسد بلا وعي، وحين تُبتلع المخدرات لا لجهل بأضرارها، بل هروباً من فراغ داخلي، نكون أمام هزيمة روحية قبل أن تكون صحية. المخدرات ليست مادة، بل خطاب: خطاب يقول للشاب إن الألم يُسكَت، لا يُفهم، وإن القلق يُخدَّر، لا يُواجَه. هذه ليست حرية، بل استقالة. والشيطان لا يحتاج أكثر من استقالة جماعية من المعنى. ثم ينتصر الشيطان حين يُفرَّغ العقل من قدسيته. حين يصبح الجهل رأياً، والسطحية ثقافة، والسخرية من التفكير ذكاءاً. والجهل المعاصر لا يرتدي ثوب التخلف، بل ثوب الجرأة. لا يقول: لا أعرف، بل يقول: لا يهم. وحين لا تعود الحقيقة مطلباً، بل خياراً، يُستبدل العقل بالانطباع، ويُستبدل التفكير بالتفاعل. هنا لا تُغلق الجامعات، بل تُفرغ من رسالتها، ويصبح العلم ديكوراً، لا بوصلة. ومن هذا الفراغ العقلي، تنبثق الجريمة، لا كفعل شاذ، بل كأحد احتمالات العيش. الغش يصبح شطارة، والرذيلة تحرراً، والصدق سذاجة. لا يُسأل الإنسان: ما الصواب؟ بل: ما المربح؟ وهنا ينقلب الميزان الأخلاقي، لا بانهياره، بل بتبديله. فالشر لا يُفرض، بل يُعاد تعريفه. والشيطان، في أذكى انتصاراته، لا يدافع عن الخطأ، بل يُربك تعريف الصواب. لكن الأخطر من الجريمة هو الاعتياد عليها. والأخطر من الرذيلة هو تبريرها. والأخطر من الشرّ كله هو اللامبالاة. اللامبالاة ليست حياداً، بل انسحاب. ليست تسامحاً، بل خيانة صامتة للمسؤولية. وحين يرى الإنسان الفساد ولا يتحرك، والظلم ولا يحتج، والكذب ولا ينزعج، يكون قد سلّم العالم لمن لا يرحم. الشيطان لا يخاف من الغضب، بل من البلادة. ثم نصل إلى العلاقة المختلة مع العالم من حولنا. حين يُدمَّر الهواء، وتُلوَّث المياه، وتُنهَك الأرض، ويُقابل ذلك بصمت جماعي، نكون قد دخلنا مرحلة الانفصال عن الحياة. البيئة ليست مسألة تقنية، بل أخلاقية. من لا يحترم الأرض التي تحمله، لن يحترم الإنسان الذي يشاركه. والتلوث ليس فقط في الهواء، بل في الضمير. والشيطان ينتصر حين يُقنعنا أن الخراب سعر التقدم. وفي قلب هذا كله، تتضخم العزلة. فيعيش الإنسانُ اليوم محاطاً بالوجوه، لكنه محروم من اللقاء. متصلاً طوال الوقت، لكنه منفصل عن ذاته. والفردانية التي لا يحدّها انتماء، ولا يضبطها معنى، تصنع بشراً سهلين للكسر. والإنسان المعزول لا يدافع عن وطن، ولا يشعر بخطر، لأنه لا يشعر بشيء. وهنا يُصبح المجتمع مجموع أفراد، لا جماعة، وتصبح الهزيمة سهلة. ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي، لا كأدوات، بل كعوالم بديلة. تصنع وهماً جماعياً عن النجاح، عن القيمة، عن السعادة. وتُختصر الحياة في صورة، ويُختزل الإنسان في إعجاب. هذا الوهم لا يسرق الوقت فقط، بل يسرق الحقيقة. وحين يُقاس الوجود بالظهور، لا بالفعل، يُصبح الخداع نمط حياة. والشيطان هنا لا يكذب، بل يُجمّل الكذب. وفي ذروة هذا التيه، يُقلَّل من خطر العدو الخارجي. يُقال إن التهديد مبالغ فيه، وإن الخطر بعيد، وإن الأمور تحت السيطرة. لكن التاريخ لا يَسقطُ فجأة، بل حين ينشغل الداخل بتآكله، ويتفرج على نفسه وهو يضعف. والعدو لا ينتصر حين يكون قوياً، بل حين نكون نحن غافلين. وأخطر الغفلة أن نعتقد أننا بأمان لأننا لم نعد نفكر. ومع ذلك، فإن انتصار الشيطان ليس قدراً نهائياً. إنه لحظة غفلة، لا حكماً أبدياً. يُهزم الشيطان حين يستعيد الإنسان سؤاله الأول: لماذا نعيش؟ ماذا نريد؟ وما الذي لا نقبل التنازل عنه؟ يُهزم حين يعود العقل مرجعاً، والأخلاق معياراً، والمعنى ضرورة. فالشيطان، في النهاية، لا ينتصر لأن الشر قوي، بل لأن الخير يتأخر. وكل تأخير في الوعي هو مساحة يتقدم فيها الخراب. لكن حين ينهض السؤال، ويعود الرفض، ويستيقظ الضمير، ينكسر الصمت، ليبدأ الانتصار الحقيقي. لكن الانتصار الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، ولا بالخطب العالية، ولا بادعاء الطهر الجماعي. يبدأ من لحظة مواجهة صادقة مع الذات. من الاعتراف بأننا، في لحظات كثيرة، كنّا شركاء في الصمت، أو شهود زور على الانحراف، أو متفرجين مريحين على الخراب. الشيطان لا يحتاج أن نكون أشراراً، يكفيه أن نكون متساهلين. ويكفيه أن نؤجل السؤال، وأن نؤخر الموقف، وأن نؤمن بأن الأمور ستصلح وحدها. والشيطان ينتصر حين نربي أبناءنا على الخوف لا على المسؤولية، وعلى الطاعة العمياء لا على الوعي، وعلى النجاح الشكلي لا على القيمة. حين نطالبهم بالنتائج دون أن نمنحهم المعنى، ونحاسبهم على الأخطاء دون أن نعلّمهم كيف يفكرون. والتربية التي لا تُنتج عقلاً حراً، تُنتج تابعاً، والتابع مادة خام لكل انحراف قادم. وينتصر الشيطان حين يُختزل الدين في طقوس بلا أخلاق، وفي شعارات بلا سلوك. حين ينفصل الإيمان عن العدل، والعبادة عن الرحمة، والالتزام عن النزاهة. فالدين الذي لا يحمي الإنسان من الظلم، ولا يوقظه من الغفلة، يتحول من قوة مقاومة إلى غطاء مريح. والشيطان لا يُعادي التدين الشكلي، بل يوظفه. وينتصر الشيطان أيضاً حين تُشوَّه فكرة الوطن. حين يصبح الوطن مجرد مكان نأخذ منه ولا نعطيه، أو ذكرى نتحسر عليها دون أن ندافع عنها، أو شعاراً نرفعه عند الحاجة ثم ننساه. الوطن ليس أرضاً فقط، بل منظومة قيم، ومسؤولية مشتركة، واستعداد دائم للدفاع عن المعنى قبل الحدود. وحين يتآكل هذا الفهم، يصبح الوطن هشاً، ولو بدا قوياً ولا يقل خطراً عن ذلك انتصار الشيطان في اللغة نفسها. حين تُفرغ الكلمات من معانيها، ويُقال عن الخيانة اختلاف، وعن الانحراف حرية، وعن الفشل تجربة، وعن الكذب وجهة نظر. واللغة ليست وسيلة وصف فقط، بل أداة تشكيل الوعي. وحين تُفسد اللغة، يفسد التفكير، وحين يفسد التفكير، يصبح كل شيء قابلاً للتبرير. وينتصر الشيطان كذلك حين تُسلَّم المواقع الحساسة، ومفاصل القرار، وأماكن التأثير، إلى من لا يملكون لا العمق ولا الرؤية، إلى من يُختارون لا لكفاءتهم، بل لسطحيتهم، ولا لوعيهم، بل لقابليتهم للتوجيه. هؤلاء الذين يُقدَّمون بوصفهم مطيعين أو مرنين أو غير إشكاليين، وهم في الحقيقة فراغ متحرك. والخطر فيهم ليس في خبثهم، بل في خوائهم. فالعقل الناقص لا يدرك حجم ما بين يديه، ولا يرى أبعد من مصلحته الآنية، ولا يشعر بثقل القرار الذي يتخذه أو يوقّعه أو يمرره بصمت. يا رفيقي في كابوسك، لن تسقط أوستنشيا، فقط حين يخونها أعداؤها، بل حين تُدار بعقول لا تفهمها. حين يصبح الموقع أعلى من شاغله، والمسؤولية أثقل من إدراكه، وتتحول السلطة إلى عبء، والمؤسسة إلى واجهة، والقرار إلى ردة فعل. فهؤلاء لا يبنون، لأن البناء يحتاج وعياً، ولا يحمون، لأن الحماية تحتاج بصيرة، ولا يقاومون، لأن المقاومة تحتاج شجاعة فكرية قبل أن تكون شجاعة جسدية. وهم، دون أن يقصدوا، يفتحون الأبواب للعبث، ويمنحون الخصوم ما عجزوا عن أخذه بالقوة. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أوستنشيا، ليس نقص الموارد، ولا ضغط الخارج، بل إدارة بلا عقل، ومواقع بلا رجالها الحقيقيين. فالفراغ حين يجلس على كرسي القرار، لا يبقى فراغاً، بل يصبح ثغرة. والشيطان لا يطلب أكثر من ثغرة واحدة، بعقل غائب، أو توقيع جاهل، أو صمت بلا فهم. وهناك، في تلك اللحظة، لا يكون الخطر طارئاً، بل بنيوياً. لكن، ورغم هذا كله، لا يزال باب الهزيمة مفتوحاً في وجه الشيطان. هزيمته لا تحتاج إلى معجزات، بل إلى يقظة. إلى إنسان يرفض أن يكون رقماً، أو ظلاً، أو صدى. إلى عقل يصرّ على الفهم، وقلب يصرّ على الإحساس، وضمير يصرّ على المحاسبة. وهزيمته تبدأ حين يُعيد أهل أوستنشيا تعريف النجاح، لا بما يملكون، بل بما يحمونه، وبما يرفضون التفريط به. حين تُعاد للمعرفة مكانتها، وللأخلاق مركزيتها، وللإنسان كرامته، يبدأ الميزان بالاستقامة. وحين يفهم أهل أوستنشيا أن الحرية مسؤولية، لا انفلاتاً، وأن الاختلاف ثراء، لا فوضى، وأن التقدم بلا قيم ليس تقدماً بل تسارعاً نحو الهاوية، ويكونون قد أوقفنا الزحف الصامت. فالشيطان، مهما بدا منتصراً، ينهزم دائماً أمام إنسان واعٍ. إنسان لا يُخدَّر، ولا يُخدَع، ولا يُستَدرَج. إنسان يعرف أن المعركة الحقيقية ليست في الشوارع فقط، بل في العقول، وفي اللغة، وفي القيم اليومية الصغيرة. وهناك، تحديداً، تُحسم النتائج. فلستيقظوا يا أهل أوستنشيا. وهنا استيقظن من ذلك الكابوس المظلم حقاً. وأرجو أن لا يتكرر معي، فهو مرعب، وربما مُميت، لولا ذلك الجني المحترم. .

مشاهدة عندما ينتصر الشيطان ويعاد تعريف الشر عاجل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عندما ينتصر الشيطان ويعاد تعريف الشر عاجل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عندما ينتصر الشيطان ويعاد تعريف الشرّ !! عاجل.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار