الاحتجاجات في إيران: لحظة الاختبار السياسي الأخيرة؟ (المدن) ..أخر المستجدات

Tayyar.org - أخر المستجدات
الاحتجاجات في إيران: لحظة الاختبار السياسي الأخيرة؟ (المدن)

خلدون الشريف -

منذ قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979، لم تكن الاحتجاجات ظاهرة طارئة في المشهد الإيراني، بل جزءًا بنيويًا من العلاقة المتوترة بين الدولة والمجتمع. تاريخيًا، اتبعت معظم موجات الغضب الشعبي نمطًا متكررًا: شرارة أولى تتمثل بجريمة، أو تزوير انتخابي، أو انهيار اقتصادي، تليها احتجاجات واسعة بلا قيادة واضحة، ثم ردّ أمني يعيد فرض النظام من دون معالجة الأسباب، لتتكرّر الدورة بعد سنوات.

    غير أنّ الموجة الراهنة تحمل خصوصية نوعية، إذ تتقاطع أزمات مزمنة -تضخّم يتجاوز 40 في المئة وفق تقديرات حتى نهاية السنة الماضية، تآكل مضطرد للعملة، شحّ الموارد، وانسداد الأفق الاقتصادي- مع سياق سياسي وأمني غير مسبوق داخليًا وإقليميًا ودوليًا، ما يجعل إعادة إنتاج الوصفة القديمة أكثر كلفة وأقل فاعلية.

    من الأزمة الاقتصادية إلى تحدّي الشرعية

    انطلقت الشرارة في أواخر كانون الأول/ديسمبر من بازار طهران، حين أضرب تجّار وبائعو السلع المستوردة بفعل الانهيار الحاد في سعر الريال وارتفاع الأسعار، قبل أن تتمدّد الاحتجاجات سريعًا إلى كثير من المدن والبلدات والعدد الأكبر من المحافظات، بينها مناطق لطالما اعتُبرت قريبة من السلطة. ومع هذا الاتساع، برزت محافظة إيلام الغربية كنقطة اشتعال أساسية، ولا سيما بلدتا ملكشاهي وآبدانان، حيث تداخل الفقر والتهميش الاجتماعي مع حساسية جغرافية–قومية كردية جعلت المنطقة تاريخيًا أكثر قابلية للاهتزاز.

    ورغم أنّ هذه الاحتجاجات تُعدّ الأوسع منذ عام 2022، فإنها لا تزال، من حيث الحجم، دون مستوى الانتفاضة الوطنية الشاملة. معظم التظاهرات تضم مئات، وبعضها آلاف، وتتركّز في مدن طرفية بعيدة عن المركز. المصانع والإدارات الحكومية ما زالت تعمل، والعاصمة لم تدخل بعد في حالة عصيان مفتوح، رغم بعض الحراكات وأعمال الحرق والتخريب الآخذة في التصعيد مع دخول التظاهرات أسبوعها الثالث. ومع ذلك، يبدو النظام أكثر ارتباكًا مما توحي به الأرقام: انتشار كثيف لشرطة مكافحة الشغب في أحياء طهران الخلفية، تفريق استباقي للتجمعات، وإغلاق المدارس والجامعات بذريعة تلوّث الهواء، في محاولة واضحة لمنع تشكّل كتلة احتجاجية مركزية.

    الاستنزاف الاستراتيجي والمنظور الأميركي

    من زاوية القراءة الأميركية، لا يمكن فصل هذا الحراك عن سياق أوسع من الاستنزاف الاستراتيجي. فالنظام الإيراني يواجه تراكم نكسات إقليمية وضغوطًا داخلية متزامنة: من تراجع نفوذ حلفائه في أكثر من ساحة، إلى سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وصولًا إلى حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو 2025 على إيران نفسها. كل ذلك يضعف، في نظر واشنطن، قدرة النظام على امتصاص الصدمات كما فعل في السابق.

    في هذا السياق، جاء خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما تهديده العلني بالتدخل إذا قُتل متظاهرون «سلميون»، كعامل مزدوج التأثير. فمن جهة، قد يشجّع فئات مترددة على النزول إلى الشارع، ومن جهة أخرى يمنح النظام ذريعة جاهزة لإعادة تأطير الاحتجاج كجزء من مواجهة خارجية أميركية–إسرائيلية، لا كأزمة شرعية داخلية.

    ورغم تصاعد الحديث عن التدخل الخارجي، سعت طهران إلى خفض منسوب هذا الاحتمال رسميًا. فقد قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن احتمال التدخل العسكري الأجنبي «ضئيل للغاية»، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة دفع الاحتجاجات من مسارها المطلبي إلى مسار «انقسامي وعنيف». وكشف عن زيارة مرتقبة لوزير خارجية سلطنة عُمان إلى طهران، في إشارة إلى بقاء قنوات الوساطة مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد.

    وقائع الشارع وحدود التحوّل

    ميدانيًا، تكشف أحداث إيران عن عمق الأزمة أكثر مما تكشف عن قرب الحسم. مواجهات دامية في ملكشاهي، احتجاجات في آبدانان، إطلاق نار قرب مستشفى الإمام الخميني، واقتحام متظاهرين متجرًا مرتبطًا بالحرس الثوري ونثر الأرز في الشوارع من دون نهبه، كلّها مؤشرات على غضب اجتماعي يتجاوز البعد المطلبي إلى بعد أخلاقي ورمزي.

    لكن التجربة الإيرانية تبقى حاسمة في نقطة واحدة: من دون حضور كثيف ومستدام في طهران، يصعب الحديث عن انهيار وشيك أو انتقال سلطة. كما أن غياب بديل سياسي متماسك يقيّد إمكان التحوّل. فالمعارضة، داخل البلاد وفي الشتات، لا تزال مشرذمة، بلا قيادة موحّدة أو مشروع انتقالي واضح. أسماء تبرز مثل مصطفى تاج زاده، الذي كتب من سجنه في إيفين:

    «إن السبب الجذري للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، وحتى البيئية، لا يكمن في هذه الحكومة أو تلك، ولا في هذا البرلمان أو ذاك، بل في البنية الانسدادية لولاية الفقيه المطلقة، وفي السياسات المدمّرة لإيران والمُنهِكة للشعب التي ينتهجها خامنئي».

    ورأى أن أكثر السبل موثوقية لتجاوز الأزمات يتمثل في تشكيل مجلس تأسيسي، وتغيير الدستور بما يتوافق مع إرادة الشعب، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

    كما يحضر اسم رضا بهلوي في التداول، الذي كتب على منصة «إكس»: «لم يعد هدفنا مجرد النزول إلى الشوارع، بل الاستعداد للسيطرة على مراكز المدن والاحتفاظ بها».

    لكن هذه الأسماء لا تمتلك شرعية شعبية ولا حضورًا وازنًا يسمح بأن تتحوّل طروحاتهم إلى نقطة إجماع وطني، وهذا فراغ لطالما سمح للنظام بإدارة الأزمات بدل حلّها.

    في موازاة ذلك، لجأت السلطات إلى تصعيد تقني عبر قطع شبه شامل للإنترنت. وأفادت منظمات مختصة بانخفاض الاتصال إلى نحو 1 في المئة من مستوياته الطبيعية، مع تعطّل الاتصالات الخارجية. ولم يصدر الاعتراف الرسمي الأول بوقوع الاحتجاجات إلا عبر التلفزيون الرسمي، الذي تحدّث عن أعمال عنف من دون تقديم أدلة مستقلة.

    رواية النظام: "الحرب الهجينة" والأمن قبل السياسة

    من منظور السلطة الإيرانية، لا تُقرأ الاحتجاجات بوصفها تعبيرًا اجتماعيًا مستقلًا، بل كجزء من حرب مركّبة. فقد وصف مجلس الأمن القومي الإيراني ما يجري بأنه «حرب هجينة» متواصلة، معتبرًا أن إسرائيل، منذ حرب الأيام الاثني عشر، تواصل استهداف الإيرانيين عبر أدوات غير عسكرية. ورأى أن الاحتجاجات التي بدأت على خلفية عدم استقرار السوق «جرت هندستها» نحو الفوضى الأمنية، مستشهدًا بتصريحات ترامب باعتبارها دليلًا على «تصميم مشترك» لزعزعة الاستقرار.

    شدّد البيان على «قدسية الرموز الوطنية»، من العلم إلى تمثال قاسم سليماني، مبرّرًا الانتشار الأمني بأنه إجراء وقائي لمنع الفوضى، ومؤكدًا في الوقت نفسه أنه «لن يكون هناك أي تساهل مع المخربين». ويوازي هذا الخطاب تحذيرات رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وتشكيل محاكم خاصة، في تثبيت واضح لأولوية الأمن على السياسة.

    في المقابل، تحاول حكومة الرئيس مسعود بزشكيان السير على حبل مشدود: خطاب يدعو إلى التهدئة، وإجراءات اقتصادية قاسية، كإلغاء سعر الصرف التفضيلي وتوحيد الأسعار، التي فاقمت الغضب الشعبي بدل احتوائه. التحويلات النقدية المقترحة للناس (سبعة دولارات للفرد شهريًا) تبدو رمزية أمام انهيار الريال وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فيما يعترف رأس السلطة التنفيذية نفسه بعجزه عن تقديم حلول سريعة.

    هنا تتجلّى المفارقة الأعمق: التلويح بالإصلاح لم يعد كافيًا لامتصاص الغضب، والقمع بات يولّد نتائج عكسية. اقتحام المستشفيات لاعتقال الجرحى، إحراق مراكز شرطة، وتآكل الأيديولوجيا الدينية التي شكّلت يومًا عماد النظام، كلّها مؤشرات على أزمة تتجاوز موجة احتجاج عابرة.

    بين 1978 و1979… والآن

    ليست الاحتجاجات الراهنة بالضرورة لحظة السقوط، لكنها باتت أقرب، في مسارها وتراكمها، إلى بدايات عامَي 1978–1979: أزمة اقتصادية خانقة، شرعية تتآكل، خطاب رسمي يربط كل حراك بـ«المؤامرة» — مع وجود عناصر تدخّل خارجي واضحة في الخطاب المتبادل — وسلطة تربح الوقت من دون أن تغيّر الاتجاه. آنذاك أيضًا، لم يكن الشارع موحّدًا، ولا المعارضة متماسكة، ولا الانهيار فوريًا. ما كان حاسمًا هو تراكم الأخطاء، لا حجم التظاهرات في يوم واحد.

    اليوم، يحاول النظام الإيراني الجمع بين نفي خطر الحرب، ورفع منسوب التعبئة الأمنية، وفتح قنوات وساطة محدودة، في معادلة تعكس ارتباكًا أكثر مما تعكس ثقة. السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الموجة ستُسقط النظام، بل كم جولة إضافية يستطيع تحمّلها قبل أن يتحوّل الاستنزاف المزمن إلى كسر بنيوي، شبيه بذلك الذي أنهى نظام الشاه بعد 37 عامًا من الحكم.

    إيران، كما تبدو اليوم، لن تعود إلى ما كانت عليه، سواء انتهت هذه الجولة بالقمع، أو بالتسوية، أو بالاستنزاف الطويل. والمسؤولية هنا تقع أولًا وأخيرًا على النظام نفسه: إمّا الشروع في تحوّلات تأسيسية تعيد وصل الدولة بالمجتمع، وتستعيد ثقة الطبقة الوسطى المنهكة، عبر إصلاح داخلي فعلي، وتسويات إقليمية، وفكّ الاشتباك مع الغرب، أو الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات الأمنية، بما يعنيه ذلك من تعميق الانهيار الاقتصادي، واستدامة الاستنزاف، وتأجيل الانفجار لا أكثر.

    وفي هذا السياق تحديدًا، قد يكون المسار الأقل كلفة هو الانتقال من منطق إدارة الاستنزاف إلى تسوية استباقية تنطلق من الإقليم، لا من الداخل وحده. تسوية تبدأ بإعادة تموضع محسوبة مع القوى الإقليمية الأساسية -تركيا، السعودية، مصر، وباكستان- بوصفها دولًا قادرة على إنتاج شبكة توازنات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة، ومن خلالها يمكن توفير ضمانات متبادلة للولايات المتحدة، لا على قاعدة الاشتباك ولا على قاعدة الاستسلام، بل ضمن إطار ضبط الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، وصولًا إلى كبح التغوّل الإسرائيلي المتصاعد في الإقليم برمّته.

    مثل هذا المسار يفتح الباب أمام معالجة العقدة الأكثر إلحاحًا داخليًا: العقوبات. فرفعها، بصورة تدريجية ومدروسة، عن المجتمع الإيراني، من شأنه إعادة ضخّ الأوكسيجين في الاقتصاد، واستعادة حدّ أدنى من الازدهار، وتخفيف الضغوط المعيشية الخانقة التي باتت الوقود الرئيسي للاحتجاجات. فالعقوبات، في صيغتها الراهنة، لم تُسقط النظام، لكنها استنزفت المجتمع، وعمّقت الفجوة بين الدولة وقاعدتها الاجتماعية، وأضعفت الطبقة الوسطى التي شكّلت تاريخيًا صمّام أمان للاستقرار.

    هذه التحوّلات لم تعد خيارًا سياسيًا مؤجّلًا، بل ضرورة يفرضها تغيّر بنية النظام العالمي نفسه. ما جرى في فنزويلا، وما يُلمَّح إليه اليوم في غرينلاند، يعكسان عالمًا أقلّ التزامًا بالقواعد القديمة، وأكثر استعدادًا لإعادة تعريف مناطق النفوذ بالقوة أو بالضغط المركّب. في عالم كهذا، لا الاشتباك المفتوح خيار عقلاني، ولا الاستسلام ممكن أو مستدام. المطلوب هو إعادة حسابات شاملة، وتموضع ذكي، يسمح لإيران بالخروج من موقع الاستنزاف الدائم إلى موقع الفاعل المتكيّف، قبل أن تُفرض عليها تسوية خارجية بشروط أشد قسوة وأضيق هامشًا.

    مشاهدة الاحتجاجات في إيران لحظة الاختبار السياسي الأخيرة المدن

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الاحتجاجات في إيران لحظة الاختبار السياسي الأخيرة المدن قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على Tayyar.org ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الاحتجاجات في إيران: لحظة الاختبار السياسي الأخيرة؟ (المدن).

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في أخر المستجدات


    اخر الاخبار