ترك برس
ناقش تقرير للكاتب والمفكر التركي يوسف قبلان، في صحيفة يني شفق، الانهيار الأخلاقي الشامل الذي يعيشه العالم في ظل الإبادة الجارية في غزة، معتبرًا أن ما يحدث ليس مجرد مأساة إنسانية، بل دليل قاطع على إفلاس القيم التي يدّعي الغرب تمثيلها.
ينتقل الكاتب من نقد اللحظة الراهنة إلى قراءة فلسفية وتاريخية أعمق، مستحضرًا صرخة نيتشه ضد حداثة بلا حقيقة، ومربطًا بين الفوضى العالمية المعاصرة وسقوط الدولة العثمانية بوصفها آخر تجسيد تاريخي لمنظومة عدل ورحمة جامعة.
ويخلص إلى أن الإنسانية تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما محاسبة النظام العالمي القائم وبناء نظام جديد قائم على الأخلاق والإنصاف، أو الاستمرار في الانحدار نحو فناء أخلاقي وحضاري شامل، مؤكدًا أن استعادة “روح العثمانية” ليست حنينًا للماضي، بل تصورًا أخلاقيًا لمستقبل قابل للحياة.
وفيما يلي نص المقال:
نحن في قلب زمن فناء مرعب، يشهده العالم بأسره في غزة، يُنقل على الهواء مباشرة، ويشاهده الجميع، في وقت لا يتردد فيه قادة الدول الكبرى في العالم عن الركوع أمام رئيس وزراء إسرائيل الإبادي، بنيامين نتنياهو، الملطخة يداه بالدماء، والمجرد من كل وازع إنساني.
العالم خسر امتحان الأخلاق فالإنسانية تواجه اليوم أزمة أخلاقية جوهرية، عميقة الجذور، وكبرى إلى حد يجعل الحياة بلا معنى، ويجرد الإنسان من إنسانيته. وهذا بات أمرًا ثابتًا لا لبس فيه.
الأخلاق هي أساس الوجود؛ هي شرط الوجود والاستمرار في الحياة، وشرط العيش حياة ذات معنى وجديرة بأن تُعاش.
حين يُقتل الأطفال والناس الأبرياء في مكان ما، وتُرتكب جرائم الاغتصاب، ويُنفَّذ الإبادة الجماعية أمام أعين العالم، بل وتُنقل هذه الجرائم على الهواء مباشرة، ثم ما هو أفظع من ذلك: أن يتوجه رؤساء الوزراء ورؤساء الدول في أقوى بلدان العالم—الذين لو قرروا التحرك المشترك لتدخلوا وأوقفوا هذه المجازر—إلى تل أبيب شخصيًا ليركعوا أمام مرتكب الإبادة؛ فذلك يعني أن الإنسانية قد تفسخت، وأن الأخلاق قد سُحقت بالكامل.
صرخة نيتشه: رجل ينبض قلبه بالحقيقة
ذلك الرجل الذي كان قلبه يخفق من أجل الحقيقة، والذي عانى عذاب الوجود في سبيلها، والذي شنق عالمًا—الحداثة—لا وجود فيه للحقيقة، بل تُداس فيه بالأقدام؛ ذلك الذي صلب الحداثة بعبارته هو نفسه، والذي سماه “الإنسان الأعلى”، نيتشه، كيف صرخ وتمرّد بزلزال مدوٍّ حين قال:
“لقد تحولت أخلاقنا وفلسفتنا إلى أشكال من الانحطاط، والفن هو الثورة المضادة”.
ثم واصل ذلك المفكر العظيم، الزاهد في الوحدة، الذي لم يتخلَّ يومًا عن تتبع الحقيقة مهما كان الثمن:
“الحضارة الأوروبية تشبه بيت الموتى. الفيروس على وشك أن يغزو الجسد كله الصحراء تكبر الصحراء تكبر”
وقال: إذا استمر الأمر على هذا النحو، فإن الإنسانية ستكون على موعد مع كارثة فناء كبرى خلال قرنين.
لم يمر قرنان؛ ففي غضون نصف قرن فقط، أظهرت “العالم المتحضر” مرة أخرى كيف يمكن أن يتحول إلى همجية، وحاول “تأديب” الإنسانية بالقنبلة الذرية. ثم تحولت أوروبا، وبعد الحروب العالمية المرعبة بين القوى الكبرى التي أسستها، إلى خراب شامل خلال ربع قرن، ودُمّرت بالكامل، وانسحبت من التاريخ.
في الحرب العالمية الثانية وحدها، قُتل سبعون مليون إنسان.
الدولة العثمانية ضُربت من الداخل أساسًا!. ماذا حدث في أعقاب هذه الحروب العالمية؟ لنتأمل الأمر عن قرب . كانت الحرب العالمية الأولى حرب القوى العظمى للقضاء على الدولة العثمانية، وتقاسم أراضيها ومواردها.
تم القضاء على الدولة العثمانية، ورُسمت حدود مصطنعة ودموية على أساس المذهب والإثنية، ومن خلال هذه الحدود الزائفة والمأزومة جرى اقتسام الأراضي والموارد.
ودُفعت الجغرافيا العثمانية إلى حافة تفكك شامل لا رجعة فيه، وانهيار وفناء، وأُعدّت لتكون مسرحًا لكل أشكال الاحتلال والمجازر.
لقد أُشعلت الحرب العالمية الأولى لإخراج الدولة العثمانية من التاريخ. وانقضّت القوى العظمى عليها من كل حدب وصوب كذئاب جائعة. ولم تستطع الدولة العثمانية الصمود أمام هذا الحصار الإمبريالي، ولم يكن بوسعها أن تصمد.
تم إيقافها.
لكنها ضُربت من الداخل قبل كل شيء! كل ما حدث كان من الداخل! سقطت القلعة من الداخل!
دُمّرت ادعاءات الحضارة. وحُوصرت البلاد. وباسم العلمانية، جرى القضاء على ملكات الحلم، والرؤيا، والطموح، والقدرة على الادعاء الحضاري لدى أبنائنا!
تعرضت أمة لإنكار ثقافي، وإبادة ثقافية، ووُضعت اليوم على حافة الانتحار الثقافي والفناء.
لقد استطاع الإمبرياليون وحلفاؤهم، عبر خرافات مثل التحديث والعلمانية وما شابه، أن يغروا الأمة ويقودوها إلى نقطة تدمير تركيا التي كانت تمتلك أحلامًا ورؤى وادعاءات حضارية كبرى قادرة على إعادة النهوض بالإنسانية!
تركيا التي لم يمكن احتلالها من الخارج، جرى الاستيلاء عليها ومحاصرتها من الداخل. إن إيقاف الدولة العثمانية قلب أيضًا موازين العالم رأسًا على عقب.
إن الفوضى العارمة، والدمار الكبير، والإبادة الجماعية التي تنعكس اليوم على العالم كله عبر جغرافيتنا، هي نتيجة غياب الدولة العثمانية. فلو كانت الدولة العثمانية موجودة، لما أمكن العبث بأراضينا ومجتمعاتنا بهذه السهولة، ولما تحولت إلى ساحة للمجازر والإبادات والصراعات الإمبريالية الكبرى.
كانت الدولة العثمانية تعني الروح. كانت العثمانية ممثلة للعدل والإنصاف والرحمة، ولذلك كانت روح العالم. فلما غابت العثمانية، انسحبت الروح من العالم، وتحول العالم إلى جحيم.
روح العثمانية وموعد الثأر من العالم بلا روح
كما قال الشاعر، لقد حان وقت الثأر من عالم كهذا!
من الذين جعلوا العالم على هذا الحال
ومن الذين تسببوا في أن يُصبح العالم كذلك
ومن الذين أسسوا هذا العالم ويحافظون عليه
يجب أن يُهدم هذا العالم، ويُستأصل من جذوره، ويُدفن في التاريخ. يجب أن يُحاسَب الذين جعلوا العالم على هذا النحو، والذين حوّلوه إلى جحيم، أمام الإنسانية جمعاء!
فإن لم يُحاسَب هؤلاء، فإن الإنسانية ستسقط سقوطًا مدويًا في امتحان الأخلاق.
كانت الدولة العثمانية تجسيدًا للأخلاق، وكانت روح الإنسانية.
لقد منحت الجميع حق الحياة، وأقامت نظامًا فريدًا وعظيمًا قائمًا على الدين، يتيح لكل إنسان أن يعيش كما هو، وأن يبقى على ما هو عليه.
أما الغربيون الذين باعوا العالم خطاب الحضارة والديمقراطية والحريات وسيادة القانون، فقد أثبتوا خلال قرن واحد فقط أنهم لا يمنحون حق الحياة إلا لأنفسهم، حين حوّلوا العالم إلى جحيم.
العالم ينتظرنا، ونحن ننتظر الحقيقة. وحدها روح العثمانية قادرة على أن تهز الإنسانية وتوقظها.
إن قمة حضارة الحقيقة التي طوّرت أسمى وأكمل نماذج العدل والإنصاف والرحمة هي الدولة العثمانية.
ويجب أن نصرخ في وجه العالم قائلين: إن العالم لا يمكن أن يصبح مكانًا صالحًا للعيش إلا إذا استعاد روح العثمانية. والتاريخ شاهد على ذلك. ولهذا يصرخ حتى في الغرب مفكرون منصفون: “تعالَ أيها العثماني”. فإذا لم تُبعث روح العثمانية من جديد، فإن الإنسانية ستظل تتخبط عند حافة حفرة الجحيم التي تدحرجت إليها منذ قرنين، ثم تفنى.
إن العالم بحاجة إلى نظام عالمي جديد قائم على العدل والإنصاف والرحمة، أي إلى روح العثمانية. ونحن مضطرون إلى إجراء محاسبة جذرية وبناء تصور للمستقبل، والاستعداد للغد بأفضل شكل ممكن.
مشاهدة العالم بعد العثمانيين تاريخ بلا عدل مفكر تركي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العالم بعد العثمانيين تاريخ بلا عدل مفكر تركي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، العالم بعد العثمانيين.. تاريخ بلا عدل (مفكر تركي).
في الموقع ايضا :
- الخطوط الجوية التركية تنقل أزيد من 92 مليون مسافر خلال 2025
- النائب محمد أبو العينين يؤدى اليمين الدستورية فى أولى جلسات النواب 2026
- عاجل وزارة الأمن الإيرانية: إلقاء القبض على فريق مكون من 10 أشخاص من منفذي جريمة “ميدان هروي” في شمال شرق طهران:
