ترك برس
قدم مقال للكاتب والمحلل التركي نيدرت إيرسانال، قراءة تحليلية للمؤتمر الصحفي السنوي لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، من زاوية تتجاوز التصريحات المباشرة إلى دلالاتها الجيوسياسية الأوسع.
يركّز الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق على طرح فيدان لفكرة إنشاء منصة أمنية إقليمية تضم دولًا مثل تركيا والسعودية وباكستان وقطر ومصر، باعتبارها محاولة تركية لبناء توازن إقليمي ذاتي يقلّل من هيمنة القوى الكبرى.
كما يناقش تعقيدات هذا المشروع في ظل تنافس المشاريع الدولية في الشرق الأوسط، من الولايات المتحدة إلى الصين وروسيا، وتقاطعه مع مسارات الطاقة والتجارة والتحالفات الأمنية، ليخلص إلى أن الفكرة واعدة لكنها محفوفة بتحديات بنيوية عميقة.
وفيما يلي نص المقال:
تحظى المؤتمرات الصحفية السنوية لوزير الخارجية هاكان فيدان باهتمام واسع في كل مرة، ويظهر ذلك بوضوح من حجم مشاركة الصحافة الأجنبية ذات الاهتمام العالي بما «تقوله» تركيا. وكان الأمر كذلك يوم الخميس أيضًا. ولولا الحرص على التوازن، لكان الصحفيون اليونانيون والصينيون قد استأثروا بالكلمة، من دون أن يتاح لوسائل الإعلام المحلية المطبوعة مجال يُذكر. (في الصف الذي كنت أجلس فيه كان هناك صحفيون أوروبيون، وقد نقلوا تصريحات الوزير إلى عواصمهم، بل إلى الرأي العام مباشرة، قبل أن يكمل الوزير جمله تقريبًا).
ومع ذلك، ربما كان من الأفضل إتاحة المجال لمزيد من الأسئلة؛ فمن يدري، لعلنا كنا سنسمع معلومات أكثر إثارة. إذ إن أسئلة الصحافة التركية لم تتجاوز في معظمها القضايا التي أجاب عنها الوزير مرارًا في السابق، من إيران، وسوريا–تنظيم واي بي جي الإرهابي، وقليل عن أوكرانيا، وقليل جدًا عن مقاتلات «إف-35». (طبعًا ليس كلها، وسنأتي على ذلك).
في المقابل، كان تنظيم وزارة الخارجية للمؤتمر في غاية الإتقان، والوقت «قابلًا للاستثمار»، بل إن الوزير بدا مستعدًا لأن «يُحاصر بالأسئلة» حتى في حفل الاستقبال الذي أعقب المؤتمر.
لطالما نظرتُ إلى السيد فيدان بوصفه «مثقفًا في الأمن القومي». ولذلك لاحظت مرارًا أنه يتفاعل أكثر، ويتألق، عندما تكون القراءات متصلة بـ«حال العالم» أو، بتعبير كلاسيكي، بـ«الصورة الكبرى». غير أن كثافة الحضور والرغبة في إتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الصحفيين حدّت من إمكانية التوسع في هذا الاتجاه.
وأخيرًا، برزت عادة جديدة؛ إذ حاول بعض من حضروا المؤتمر بصفة «معلقين» أن يُملوا على الوزير قراءاتهم الخاصة للتطورات الراهنة، وكأنهم يسعون إلى تلقينه أو تبرير مواقفهم لديه. ولن أقل إن الوزير «وبّخهم»، لكن من يعرف لغة الدبلوماسية أدرك فورًا ما تعنيه ردود «أعلى مسؤول دبلوماسي» في البلاد.
ومن بين القضايا التي طُرحت في المؤتمر الصحفي مسألة توقيع اتفاق يُنشئ تحالفًا بين باكستان والمملكة العربية السعودية، والسؤال عمّا تفكر به تركيا حيال هذا التطور. وقد أجاب السيد فيدان قائلًا:
«هذا موضوع مهم. فعندما ننظر إلى المشكلات المزمنة في المنطقة، نرى أن انعدام الثقة بين دولها يأتي في المقدمة، ما يخلق شروخًا فيما بينها. إما أن يأتي هيمن خارجي فيُحدث مشكلات، أو تظهر من الداخل تنظيمات إرهابية تُشعل حروبًا أهلية، فتظل عوامل عدم الاستقرار حاضرة دائمًا. وفي ضوء ذلك كله، لدينا مقترح واضح: يجب على دول المنطقة أن تجتمع لتشكيل منصة أمنية، وأن تتعهد كل دولة بأمن الأخرى. فحين تطمئن الدول إلى بعضها، تكون 80 في المئة من المشكلة قد حُلّت بالفعل. حاليًا هناك محادثات جارية، لكننا لم نوقّع أي اتفاق حتى الآن. رؤية رئيس جمهوريتنا أكثر شمولًا واتساعًا، وتقوم على إنشاء منصة تنتج التضامن والاستقرار».
أنقرة تدرك منذ زمن أن المشكلات التي تُنتجها المنطقة تصل إليها، بطريقة أو بأخرى. ويجعل مناخ عدم اليقين العالمي هذا الإدراك والحاجة أكثر وضوحًا. وإلى جانب محور باكستان–السعودية، فإن ضم قطر ومصر، وأخيرًا تركيا، إلى هذا التكتل يبدو بلا شك فكرة جذابة.
بل وإذا نظرنا إلى الشرق الأوسط بحدود أوسع قليلًا، فإن إدراج أذربيجان وبعض الدول الإفريقية قد يجعل الأرضية الأمنية أكثر فاعلية. ولا ننسى أن بعض هذه الدول تُعد حلفاء طبيعيين لتركيا؛ مثل قطر وباكستان وأذربيجان. والهدف بسيط: «ارتفاع منسوب المياه يرفع الجميع بالتساوي».
لكن، هل المسألة بهذه البساطة فعلًا؟
الشرق الأوسط أصلًا أرض زلِقة. لكل دولة مصالحها، وعلاقاتها المختلفة مع الدول الأخرى، بل ومع «الدول المهيمنة». المتغيرات كثيرة، وتوقيع هذا العدد من العواصم، ولا سيما على منصة مشتركة تتعلق بالأمن وإسقاطات القوة، يتطلب عناية ودقة بالغتين.
ومن هنا يمكن فهم عبارة الوزير فيدان: «هناك محادثات جارية، لكننا لم نوقّع أي اتفاق حتى الآن»، بوصفها نابعة من هذا الحرص. وهناك نقاط أخرى تستدعي مزيدًا من الحساسية.
فالشرق الأوسط ليس فقط ساحة تقليدية لتنافس القوى الكبرى، بل هو أيضًا جزء من تصورات أنظمة دولية جديدة، مثل تلك التي تخيّلها إدارة ترامب في الولايات المتحدة، وتسعى إلى تشكيل منصات تضم دولًا تراها أكثر ملاءمة لها. وما «اتفاقيات إبراهيم» إلا مثال على ذلك.
كما أن لدول مثل الصين وروسيا حساباتها الخاصة في المنطقة، فضلًا عن وضع إيران. فعلى سبيل المثال، كتبت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» الصينية أمس: «في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تخطط تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية لاتفاق دفاعي. جيران إيران قلقون من أن السلوك الأميركي الذي يزداد اضطرابًا قد يشكل خطرًا على توازنات القوة الإقليمية وعلى التجارة».
وبالتالي، بينما تسعى تركيا إلى أرضية أكثر شمولًا واتساعًا، فهي على الأرجح تزن بعناية سؤالًا جوهريًا: ماذا عن نقاط الاختناق، ومناطق الاحتكاك بين هذه التكتلات المختلفة؟
وفي النهاية، فإن أول ما يخطر على البال عند النظر إلى مثل هذه الشراكات هو مبدأ «عدم ترك الأمر للهيمن»، أي محاولة إبقائه خارج المعادلة بقدر الإمكان. وهذا ما تؤكده التحليلات المتراكمة منذ سنوات.
عندما تُنشئ تحالفًا أمنيًا، يصبح موقع الدول الأخرى في علاقاتها بين الأقطاب مسألة حاسمة. فعلى سبيل المثال، قد تكون للمملكة العربية السعودية تصورات بشأن مشروع طرق التجارة والطاقة الممتدة من الهند إلى حيفا، ومنها إلى البحر المتوسط وأوروبا، وهو مشروع يعود إلى حقبة إدارة بايدن. غير أن هذا المشروع يشكل «بديلًا» لطريق التنمية العراقي الذي تدعمه أنقرة، فضلًا عن أن وجود إسرائيل فيه قد يفعّل تلقائيًا حسّ الحذر التركي. وهذا مجرد مثال. هناك أيضًا ممر زنغزور، وتسميته بـ«طريق ترامب» لا تخلو من دلالة. أما عبارة فيدان: «الصين تبني موانئ باستمرار، لكن لا بد أيضًا من السكك الحديدية»، فكانت بمثابة دعوة واضحة.
وخلاصة القول… إنها فكرة جيدة، لكنها يجب أن تتوسع بلا شك. فالظرف الدولي مهيأ لذلك.
مشاهدة هل تستطيع تركيا بناء منصة أمنية إقليمية خارج الهيمنة الدولية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل تستطيع تركيا بناء منصة أمنية إقليمية خارج الهيمنة الدولية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل تستطيع تركيا بناء منصة أمنية إقليمية خارج الهيمنة الدولية؟.
في الموقع ايضا :
- قد يصل تطبيق Siri الأكثر ذكاءً والمدعوم بالذكاء الاصطناعي من شركة Apple في غضون بضعة أشهر، وفقًا لتقرير جديد.
- 20 اختصاصا بقانون جهاز إدارة المخلفات.. الاستثمار فى إعادة التدوير أبرزها
- قانون "قادرون باختلاف" يرسخ منظومة دعم شاملة لذوى الإعاقة
