ترك برس
يرى الكاتب والإعلامي التركي توران قشلاقجي، أن قمة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026 شكّلت إعلانًا غير مباشر لانهيار النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما أقرت شخصيات غربية رفيعة، من كندا وأوروبا وصربيا، بفقدان شرعية ما يسمى «النظام الدولي القائم على القواعد».
يحلل الكاتب في مقاله بصحيفة القدس العربي أن العالم يدخل مرحلة جديدة يحكمها الخوف وانعدام اليقين بدل التوافق والقيم الكونية، مع تراجع الهيمنة الأمريكية وتصاعد النزعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يدعو قشلاقجي إلى بناء تحالفات جديدة تقودها دول متوسطة الحجم، خصوصًا تركيا والدول العربية والإسلامية، بوصفها ضرورة استراتيجية لحماية الشعوب في نظام عالمي يتفكك ويُعاد تشكيله بالقوة لا بالشرعية.
وفيما يلي نص المقال:
كان مفكرو العالم وبعض القادة السياسيين يكررون في السنوات الأخيرة، أن العالم يتغير، وأن النظام القديم قد انهار، وأن ثمة حاجة إلى نظام جديد. ولم تبقَ هذه النقاشات حبيسة النصوص الأكاديمية، بل انعكست في كتب وبيانات وخطابات دول. بعض هذه الكتب حمل عنوان «النظام العالمي الجديد» بطريقة مباشرة، وبعضها أشار إلى المسعى نفسه من خلال مفاهيم مثل «عصر التنوير الثاني». كتاب المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر «الفرصة الأخيرة: لماذا نحتاج إلى نظام عالمي جديد؟» كان تحذيرا واضحا من عدم قابلية النظام الغربي على الاستمرار. وبالمثل، فإن كتاب الرئيس رجب طيب أردوغان «نحو عالم أكثر عدلا» لم يكن مجرد نقد، بل كان أيضا نداء لإعادة هيكلة النظام العالمي.
لفترة طويلة، جرى تجاهل هذه التحذيرات، أو وُصفت بأنها مجرد «خطاب». غير أن المنتدى الاقتصادي العالمي – دافوس 2026، كشف بوضوح تام أن هذه التحذيرات لم تكن نظرية، بل كانت نذيرا لانكسار فعلي.
المنتدى المنعقد حاليا في مدينة دافوس السويسرية دخل التاريخ باعتباره أحد أهم الأحداث التي شهدها العالم منذ عقود. فالمنتدى يوثّق، بالصوت والصورة، انهيار النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا ليس مجرد أزمة، بل تمرد صريح. إنه تحدٍ مباشر لشرعية النظام، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. فقد ألقى رئيس وزراء كندا خطابا يُعد من أقوى الخطب في تاريخ بلاده، أعلن فيه فعليا إنهاء الاعتماد على الولايات المتحدة، التي شكّلت هوية كندا منذ تأسيسها. ولم يكن ذلك انفصالا رمزيا، بل تحوّلا استراتيجيا. أما أوروبا، فقد قررت هي الأخرى التخلي عن الوهم القائل بأن الولايات المتحدة تحميها، وألا تخضع بعد الآن لسياسات الابتزاز التي تُمارس عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويمكن وصف الوضع الراهن بأكثر صوره عريا على النحو التالي: لقد قرر العالم أن يقول: «فليُهدم المعبد؛ عليّ وعلى أعدائي». أي إنّ التضحيات التي قُدمت من أجل بقاء النظام القديم لم يعد لها أي معنى.
كان دافوس 2026، الذي يقع في قلب هذا الكسر التاريخي، مختلفا عن كونه واجهة عالمية مألوفة؛ لقد سُجّل بوصفه تعبيرا عن حالة نفسية. القاعات كانت ممتلئة، لكن بلا تصفيق. لا حماسة، ولا نشوة. ذلك الغرور القديم لـ«الحوكمة العالمية» حلّ محله قلق صامت. ثلاثة أسماء تحدثت من المنصة نفسها بنبرات مختلفة، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، لكنهم أكدوا جميعا حقيقة واحدة من زوايا مختلفة، مفادها أن النظام العالمي القديم انهار، ولم يعد هناك من ينكر ذلك. كان خطاب كارني بمثابة فعل نادر في السياسة الغربية: اعتراف صريح. أقرّ بوضوح بأن النظام الذي جرى تسويقه على أنه «نظام دولي قائم على القواعد» كان منذ البداية انتقائيا، غير متماثل، ومتمركزا حول القوة. إنه اعترف بأن القانون الدولي لا يُطبق على الجميع بالمعيار نفسه، وأن قواعد التجارة تُلين لصالح الأقوياء، وأن الاندماج تحوّل من إنتاج منفعة متبادلة إلى آلية ضغط وتبعية. أما النقطة الأكثر حساسية فكانت إعلانه أن ما يجري ليس مرحلة انتقال، بل قطيعة، أي إن القضية لم تعد إصلاح النظام، بل إن هذا النظام استنفد أخلاقيا وسياسيا. وهذه هي المرة الأولى التي تتخلى فيها المنظومة الغربية عن سردية شرعيتها بهذه الصراحة. أما كلمات فوتشيتش فلم تكن تحليلا نظريا، بل صورة نفسية لدافوس، قال إنه شارك في القمة اثنتي عشرة مرة، لكنه للمرة الأولى لم يرَ أحدا يصفق، ولا أحدا يبتسم، والجميع يخاف من الغد. هذه العبارات ليست مجرد ملاحظة عابرة. فالنظم العالمية لا تقوم بالقواعد وحدها، بل بثقة النخب بنفسها. وصمت دافوس من التصفيق يعني أن مديري العالم لم يعودوا يؤمنون حتى بقضيتهم الخاصة، إن عدم اليقين هو الشعور المركزي لهذا العصر الجديد. والعالم الذي يُدار بالخوف يكون دائما أشد قسوة، وأكثر عنفا، وأقل استقرارا.
أما خطاب فون دير لاين، فكان صورة لتحوّل هذا الخوف إلى غضب. النبرة كانت حادة، والرسائل تهديدية. التشكيك في النظام القائم على الدولار، والبحث عن بنية جيواقتصادية ما بعد أمريكا، ورؤية شراكات جديدة تتمحور حول الهند، كلها دلائل على أن أوروبا لم تعد ترغب في السير على الخط نفسه مع واشنطن. لكن خلف هذا التحدي، لم يكن هناك استعراض قوة، بل نقص في القوة. فأوروبا، المعتمدة على الخارج في الطاقة، المحدودة في قدراتها العسكرية، والمجزأة سياسيا، ليست في وضع يسمح لها ببناء نظام دون الهيمنة الأمريكية. لذلك تتصلب اللغة، ويشتد الخطاب. وعلى مرّ التاريخ، كانت مثل هذه النبرات غالبا علامة على الضعف لا على الصعود. ويكتمل هذا المشهد العام بصدع آخر خرج من داخل دافوس نفسه. هذه الكلمات، بالمعنى الحرفي، كلمات كبيرة جدا. فإذا كان شخص مثل لاري فينك، الذي يقف في قلب النظام المالي العالمي، ينتقد دافوس، فهذا يعني أن المزاج العالمي قد تغيّر فعلا. وصف فينك المنتدى بأنه «تجمع نخب يحاول تصميم عالم لا يمثل من يحضرونه». وقال بوضوح إن القرارات المصيرية تُتخذ في غرف مغلقة، بينما يدفع ثمنها أناس لم يجلسوا حول تلك الطاولات أبدا. أما اعترافه الأكثر خطورة وصدمة فكان في جملة واحدة: «لقد فقدنا ثقة الجمهور». وهذا إنذار صريح موجّه إلى المنتدى الاقتصادي العالمي: إما أن يعيد بناء شرعيته وصلته بالواقع، أو يتحول إلى نادٍ منغلق فاقد التأثير. الحقيقة التي أدركها عملاق المال أخيرا هي أن الاقتصاد لا يمكن إدارته من أبراج عاجية. وعند قراءة كل هذه الخطابات والاعترافات معا، تتضح الأرضية التي يتشكل عليها النظام العالمي الجديد. إنه نظام لا يُبنى على الأمل، بل على الخوف. لا يتقدم بالتوافق، بل بالمساومة والفرض. لا تحكمه القيم الكونية، بل التوازنات الإقليمية. وبالنسبة للدول متوسطة الحجم، يطرح هذا الواقع سؤالا مصيريا: هل ستتحرك معا لتشكيل مساحات توازن جديدة، أم ستتعرض واحدة تلو الأخرى لضغوط القوى الكبرى؟ أما الضعفاء، فالسؤال بالنسبة إليهم أشد قسوة؛ من لا يجد مكانا حول الطاولة، يجد نفسه في قائمة الطعام.
وخلاصة القول، إن قمة دافوس كانت إعلانا رسميا لانهيار النظام القديم. العالم كله يبحث عن طرق جديدة للخروج من الأزمات. وعلى تركيا والعرب، والدول الإسلامية، أن تُقيم على عجل تحالفات قوية لتوليد مسارات خروج من هذه الأزمات عند هذا المنعطف التاريخي. وتقع مسؤوليات كبيرة جدا في هذا السياق على عاتق تركيا وقطر والسعودية وباكستان والكويت ومصر. ارموا مشكلات القرن الماضي في مزبلة التاريخ؛ عالم جديد مقبل، وعليكم اتخاذ قرارات جريئة لحماية شعوبكم. لم تعد للكراسي والمناصب أي قيمة. وفي هذا الإطار، ينبغي قراءة مشروعي «تركيا بلا إرهاب» و«الأخوة التركية العربية الكردية» اللذين طرحهما الرئيس أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، بوصفهما خطوات استراتيجية. وما يجري في سوريا يجب تقييمه من هذا المنظور. وإلا فإن الكيانات مثل «بي واي دي/ واي بي جي» (أو قسد)، التي لا تزال تتحرك بعقلية الحرب الباردة، وتقمع شعوبها، وتتشبث بأفكار شيوعية متخلفة، ولا تفكر في مصير شعوبها ومنطقتها، بل تتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة فقط من أجل سلطتها السياسية، محكوم عليها بالخسارة.
مشاهدة دافوس 2026 الإعلان الصامت لانهيار النظام العالمي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ دافوس 2026 الإعلان الصامت لانهيار النظام العالمي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، دافوس 2026.. الإعلان الصامت لانهيار النظام العالمي.
في الموقع ايضا :
- العراق يستقبل الدفعة الأولى من معتقلي داعش
- الطائرة التركية "حر جيت" تحلق لتأبين ضحايا حادث القطار الإسباني
- قرار هام من وزير التربية
