سوريا بلا "أسد" ولا "بي كا كا".. من يرث الجغرافيا؟ ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
سوريا بلا أسد ولا بي كا كا.. من يرث الجغرافيا؟

ترك برس

استعرض مقال للكاتب والصحفي التركي سليمان سيفي أوغون، التحولات الجيوسياسية العميقة التي شهدتها الساحة السورية، ولا سيما الانهيار السريع لمشروع تنظيم «حزب العمال الكردستاني - بي كا كا» المحظور، في شمال وشرق سوريا بعد تخلي الولايات المتحدة عنه وتراجع إسرائيل عن دعمه.

    يرى الكاتب أن ما جرى ليس نتيجة تحرك منفرد، بل ثمرة «كونسورتيوم دولي» شاركت فيه تركيا بذكاء وفاعلية، مستثمرة تناقضات القوى الكبرى، ولا سيما الصراع الأميركي–الإيراني والتنافس الإسرائيلي–التركي.

    ويخلص إلى أن أنقرة نجحت في إخراج إيران وروسيا من المعادلة السورية، وتحجيم «بي كا كا»، وفرض نفسها لاعبًا محوريًا في الترتيب الجديد، بينما فشلت إسرائيل في ترجمة سقوط الأسد إلى مكاسب استراتيجية، لتكون النتيجة النهائية: خسارة إسرائيل و«بي كا كا»، وربح تركيا.

    وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

    تشهد سوريا تطورات متسارعة ومذهلة. فقد خسر تنظيم بي كا كا الإرهابي دفعة واحدة ما كان يروج له بوصفه مكاسب «تاريخية». أما راعيه الولايات المتحدة، أو بالأحرى القيادة المركزية الأمريكية، فقد تخلت عن هذا التنظيم وكأنها تكور ورقة وترميها جانبًا. في المقابل، تجاهلت إسرائيل، التي كان التنظيم يعول على دعمها، ما يجري، ولم تُبدِ أي رد فعل.

    أعترف أنني لم أكن أتوقع هذا المشهد، ولا سيما خلال فترة زمنية ضيّقة إلى هذا الحد. كنت أعتقد أن العملية التي انطلقت في بعض أحياء حلب لن تتجاوز تطهير عناصر تنظيم بي كا كا الإرهابي غرب الفرات، وأن جيش دمشق سيصطدم بمقاومة أمريكية قاسية شرق الفرات. لكن ذلك لم يحدث. ففي المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، تراجع التنظيم حتى الحسكة وعين العرب (كوباني بحسب تسميتهم)، وانحصر هناك. والأسوأ من ذلك أن أي رابط جغرافي لم يعد قائمًا بين هاتين المنطقتين، فيما يبقى مصير قدرتهم على الصمود فيهما مجهولًا.

    ولا سيما عند أخذ التصريحات الأخيرة لباراك بعين الاعتبار، يتضح بجلاء أن الولايات المتحدة أخرجت تنظيم بي كا كا الإرهابي من المعادلة. لا أقيّم ذلك على أنه دفن كامل للتنظيم في صفحات التاريخ، لكن يمكن الجزم بأنه، على الأقل في المدى المتوسط، جرى تحييده إلى حدّ بعيد في الشرق الأوسط. قد يُحافظون على نواته التنظيمية، إلا أننا نستطيع القول بارتياح إنه لم يعد يشكّل قضية وجودية لتركيا.

    ولا ضير في تسجيل هذا المشهد كنقطة إيجابية في رصيد تركيا. أحيّي هذا الإنجاز وأهنّئ أنقرة عليه. من الواضح أن تركيا أحسنت قراءة التوازنات الإقليمية والدولية، وعرفت بدقة متى وأين تضع ثقلها لتحقيق هذه النتيجة. وهو نجاح تحقق من دون إلحاق أي ضرر بالقوات التركية، ما يمنحه قيمة مستقلة إضافية.

    متابعو هذا العمود يتذكرون أنني قلت منذ الأيام الأولى إن المسار الذي بدأ من إدلب، وانتهى بسقوط الأسد، والتصفية الكاملة للوجود الإيراني إلى حدّ بعيد، وتقليص الدور الروسي بشكل كبير، هو مشروع كونسورتيوم دولي. ولا أزال على هذا الرأي حتى اليوم. وصنّاع القرار في تركيا جزء من هذا التحالف.

    ولا أرى، خلافًا لبعض التفسيرات المتطرفة، أن تركيا تحرّكت منفردة لإسقاط الأسد. هذا التوصيف لا يقلّل من الدور التركي، بل على العكس، أراه دلالة على حنكة أنقرة وسرعة بديهتها. فالصراعات الدولية لا تشبه مباريات كرة القدم التي ينزل فيها فريقان بقمصان مختلفة إلى الملعب، بل تقوم غالبًا على شبكات من التعاون المتداخل. وهذا ما فعلته تركيا.

    كانت للمسألة ثلاثة أبعاد حرجة: أولًا، في ظل بقاء الأسد، كان تنظيم بي كا كا الإرهابي يوسّع نطاق سيطرته، وهو ما كان يشكّل تهديدًا وجوديًا مباشرًا. ثانيًا، تمركز إيران وروسيا جنوب حدودنا مباشرة، بما يعني تمددهما نحو «المياه الدافئة» وتطويق تركيا من الجنوب. ثالثًا، وجود مقاربة أمريكية داخل التحالف نفسه تقوم على رعاية تنظيم بي كا كا الإرهابي بذريعة تنظيم داعش، في مسار كان يشكّل تهديدًا واضحًا لتركيا.

    وبعد زوال ذريعة داعش، جرى الانتقال إلى سيناريو أشد خطورة: العمل على إنشاء «حزام كردي» عبر خط تنظيم بي كا كا الإرهابي–الحزب الديمقراطي الكردستاني–الاتحاد الوطني الكردستاني، بهدف تعزيز أمن إسرائيل في الشرق الأوسط. وكان ذلك مشروعًا بالغ الخطورة قادته دوائر ديمقراطية وأطراف في حلف الناتو.

    بادرت أنقرة أولًا، في إطار مسار أستانة، إلى إقامة آلية توازن مع إيران وروسيا. ثم جاءت أحداث 15 تموز/يوليو لتلحق ضررًا بالغًا بالعلاقات التركية–الأمريكية. وفي الفراغات التي نشأت، نفّذ الجيش التركي عمليات متتالية، ونجح في فتح جيوب نفوذ داخل سوريا، ورغم تعثر بعضها، فإنها كانت خطوة بالغة الأهمية.

    ومع مرور الوقت، تعمّق التناقض بين إسرائيل وإيران، ووجدت روسيا نفسها عالقة في الوسط، لتبدأ تدريجيًا بترك العناصر الإيرانية وحيدة أمام الضربات الإسرائيلية. ثم جاءت تطورات غزة ولبنان لتضع إيران في مرمى الاستهداف بشكل أوضح. وبدأ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي بتعميق تعاونه في سوريا على أساس معادٍ لإيران.

    وقرر التحالف الأنغلوسكسوني سحب الغطاء عن الأسد، واختيرت إدلب وهيئة تحرير الشام مركزًا لهذا المسار، لكنهم أدركوا أن النجاح مستحيل من دون تركيا. وهنا التقطت أنقرة اللحظة، وضعت ثقلها، والبقية معروفة: سقط الأسد خلال فترة وجيزة، ولعبت تركيا دورًا محوريًا تقدّمت فيه إلى الواجهة، وهو ما يحرص ترامب على تكراره علنًا.

    المشكلة جاءت من إسرائيل. كان يُفترض أن تكون أكثر الأطراف سعادة بسقوط الأسد وتراجع النفوذ الإيراني، لكن ذلك لم يحدث. فقد نقلت نزعتها التوسعية غير العقلانية إلى سوريا، واحتلت هضبة الجولان بالكامل، ونفّذت عشرات الغارات الجوية لإضعاف القدرات العسكرية للنظام الجديد في دمشق. ولم تكتفِ بذلك، بل عملت على دعم الدروز لفتح جبهة جنوبية.

    وكان حلمها فتح «ممر داود» للاتصال بسيطرة تنظيم بي كا كا الإرهابي شرق الفرات، وربطه بأربيل والسليمانية. كما تخشى إسرائيل من احتمال أن تحل تركيا، بجيشها القوي، محل إيران في سوريا.

    نجحت أنقرة في إخراج إيران وروسيا من سوريا، لكن المرحلة التالية كانت أكثر حساسية. فلطالما شكّلت سوريا منطقة عازلة بين تركيا وإسرائيل، إلا أن هذا العازل زال بعد سقوط الأسد، لتبدأ مواجهة تنافس مباشر بين الطرفين. وكان مفتاح الحل في واشنطن، حيث دخلت الدبلوماسيتان التركية والإسرائيلية في صراع محتدم. وقد شهدنا في الأشهر الأخيرة حركة اتصالات مكثفة بين أنقرة وواشنطن، وبين تل أبيب وواشنطن.

    في البداية، بدا النفوذ الإسرائيلي أقوى، وترددت الولايات المتحدة طويلًا في حسم موقفها بشأن سوريا، وهو ما عكسته تصريحات باراك المتناقضة. لكن في النهاية، تجاوز التطرّف الصهيوني حدودًا باتت تهدد الخطط العالمية لواشنطن، فاتخذت الولايات المتحدة قرارها، وكان هذا القرار منسجمًا إلى حدّ كبير مع الطروحات والمطالب التركية. وجنت أنقرة ثمار صبرها وعملها الدؤوب.

    الصورة اليوم واضحة: إسرائيل تراجعت، تنظيم بي كا كا الإرهابي خسر، وتركيا ربحت.

    لدي أفكار بشأن المرحلة المقبلة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الوقت لتتبلور. كما أن لديّ بعض الهواجس، وسأتطرق إليها تباعًا في الوقت المناسب.

    مشاهدة سوريا بلا أسد ولا بي كا كا من يرث الجغرافيا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سوريا بلا أسد ولا بي كا كا من يرث الجغرافيا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سوريا بلا "أسد" ولا "بي كا كا".. من يرث الجغرافيا؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار