د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
لا تولد النهضة فجأة، ولا يزهر الربيع قبل أن تتهيأ له شروطه بعون الله، فسنن الكون تمضي في مسار ثابت؛ سقوط يسبق النهوض، وابتلاءٌ يسبق التمكين، وتطهيرٌ يسبق البناء. كما لا تكتسي الأشجار حُلَلها الجديدة إلا بعد أن تسقط عنها الأوراق اليابسة، كذلك تمرّ الشعوب بمراحل طويلة من المخاض قبل أن تبلغ لحظة الإقلاع الحضاري.
إن نهضة الأمم ليست قرارًا سياسيًا عابراً، ولا ردّ فعلٍ آنياً، بل هي تحوّل عميق في الوعي والقيم والبُنى، حين تدرك الشعوب موقعها في التاريخ، ومسؤوليتها في الاستخلاف، وتستعيد ثقتها بذاتها، وتفهم أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، كما قرر القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
أولًا: تبدأ نهضة الشعوب عندما تُستعاد قيمة العدل باعتبارها أساس العمران، فيُحاسَب كل من أفسد أو ظلم أو خان الأمانة، محاسبةً قانونيةً عادلة، تُعيد الاعتبار للحق، وتُغلق أبواب الإفلات من المسؤولية. فالأمم لا تنهض فوق ركام الظلم، ولا تبني مستقبلها دون تصفية ماضيها الأخلاقي.
ثانيًا: من سنن النهوض أن تُصان الثروات العامة، ويُعاد المال إلى موقعه الصحيح باعتباره أمانةً جماعية، لا غنيمةً خاصة. فحفظ المال العام، ومحاسبة المعتدين عليه، شرطٌ لازمٌ لقيام دولةٍ مستقرة، واقتصادٍ عادل، وتنميةٍ مستدامة.
ثالثًا: لا تقوم نهضة بلا قيادة واعية، تمتلك بُعد النظر، وحسّ المسؤولية، والقدرة على الموازنة بين المبادئ والمصالح. قيادةٌ تستمد مشروعيتها من رضا المجتمع، وتعبّر عن ضميره، وتعمل بوصفها خادمةً للصالح العام، لا متسلطةً عليه.
رابعًا: إن من علامات النهوض الحضاري الانتقال من حكم الأفراد إلى حكم المؤسسات، حيث تُبنى هيئات رقابة ومحاسبة مستقلة، تجعل السلطة وظيفةً لا امتيازًا، وتُخضع الجميع للقانون، وتضمن استمرارية الدولة بعيدًا عن تقلبات الأشخاص.
خامسًا: تبدأ النهضة حين تُصان حرية الفكر والرأي، وتُغلق السجون أمام أصحاب الكلمة الصادقة، ويُفسَح المجال للإصلاح السلمي، والحوار البنّاء، والنقد المسؤول. فالعقل الحر هو محرّك الحضارة، وقمعه إيذانٌ بالجمود والانحدار.
سادسًا: من سنن العمران أن تكون السلطة متداولة، لا محتكرة، وأن يتم الانتقال في المسؤوليات بسلاسة وسلم، وفق أطر قانونية واضحة، تحفظ الاستقرار، وتمنع الاستبداد، وتُشرك المجتمع في صناعة مستقبله.
سابعًا: لا تنهض أمة بلا مشاركة حقيقية من أبنائها، عبر اختيارٍ حرٍّ واعٍ، قائمٍ على المسؤولية، والنزاهة، والتنافس الشريف. فالإرادة الجماعية الواعية هي التي تمنح الشرعية، وتحمي الدولة، وتُرسّخ الانتماء.
ثامنًا: تبدأ النهضة حين تُصان تضحيات الناس، ويُعترف بآلامهم وآمالهم، بوصفها جزءًا من مسارٍ إنسانيٍّ مشروع، لا يُختزل في تفسيرات خارجية، بل يُفهم في سياق سعي الإنسان الفطري للكرامة والعدل، كما أراد الله له.
تاسعًا: من ركائز النهوض أن يتساوى الناس في الحقوق والواجبات، تحت مظلة المواطنة الجامعة، بلا تمييزٍ أو إقصاء، في ظل دولة قانون تحكم بالعدل، وتكفل الكرامة، وتضمن تكافؤ الفرص للجميع.
عاشرًا: تكتمل النهضة حين يتوافق المجتمع على مرجعية قانونية وأخلاقية عليا، تنتصر للقيم الإنسانية الكبرى: الحرية، والعدل، والمساواة، وحقوق الإنسان، مستمدةً روحها من الوحي، وهدي النبوة، وتجارب العمران الإنساني الرشيد.
حادي عشر: تبدأ نهضة الشعوب حين تصبح العدالة قيمة حاكمة لا شعارًا، وحين يقوم القضاء بدوره بوصفه سلطةً مستقلة، تبسط العدل بين الحاكم والمحكوم، دون خضوع لإرادة سياسية أو نزعة انتقامية أو تحيّز اجتماعي. فاستقلال القضاء هو التجسيد العملي لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، وبدونه تتحول الدولة إلى بنية قسرية فاقدة للشرعية الأخلاقية.
ثاني عشر: من سنن النهوض أن يمتلك المجتمع القدرة على التنظيم الذاتي، عبر مؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، والهيئات الفكرية والمهنية، في مناخ آمن يتيح المشاركة العامة والحوار المسؤول. فالمجتمعات الحية هي التي تُنتج قواها الفاعلة من داخلها، لا التي تُدار بالوصاية والخوف.
ثالث عشر: تقوم النهضة حين تلتزم المؤسسات بدورها الطبيعي؛ فتكون الجيوش لحماية الوطن والدستور، لا لإدارة الاقتصاد أو التعليم أو شؤون المجتمع. فاختلاط الوظائف كسرٌ لسنن العمران، بينما التخصص هو أحد أسرار القوة والاستقرار: "فكلّ ميسَّر لما خُلق له".
رابع عشر: لا ينهض مجتمع ما لم تُبنَ منظومة العمل فيه على الكفاءة والاستحقاق، لا على الوساطة أو الانتماء أو الامتياز. فتكافؤ الفرص شرطٌ لثقة المواطن بدولته، وركنٌ من أركان السلم الاجتماعي والتنمية المستدامة.
خامس عشر: تبدأ النهضة حين تُدرك الدولة أن الشباب ثروة لا عبئاً، فتستثمر في طاقاتهم، وتشجّع الإبداع والابتكار والمبادرة، وتفتح أمامهم آفاق العمل والعطاء، وتوفّر لهم بيئةً متوازنةً تنمّي العقل والروح والجسد، وتحميهم من الانحراف والتيه.
سادس عشر: من القوانين الثابتة في التاريخ أن الحضارات لا تُبنى إلا بالعلم. فتجعل الدولة من التعليم والبحث العلمي غايةً ووسيلة، وتربط المعرفة بالتنمية، وتُخرِج الإنسان من موقع الاستهلاك إلى موقع الإسهام الفاعل في الحضارة الإنسانية.
سابع عشر: لا تكتمل النهضة دون منظومة صحية عادلة، تضمن العلاج الكريم لكل مواطن، وتحمي الفئات الأضعف في المجتمع. فصحة الإنسان ليست ترفًا، بل أساس القدرة على العمل والإنتاج، ومقياسٌ لتحضّر الدولة وإنسانيتها.
ثامن عشر: تنهض الشعوب حين تُغلق أبواب الإقصاء والتهميش، وتُبنى جسور التسامح والاندماج بين مكوّنات المجتمع، بعيدًا عن العصبيات الضيقة. فالتنوع حين يُدار بالعدل يتحول إلى قوة، وحين يُدار بالتمييز يصبح معول هدم.
تاسع عشر: من علامات النهضة أن تُكرّم الدولة العلماء والمفكرين والمبدعين، وتوفّر لهم بيئةً حاضنة، ومؤسسات بحثية وثقافية، فلا تُهدر العقول، ولا تُدفع الكفاءات إلى الهجرة، بل تُستثمر في بناء الداخل.
عشرون: تتجلى النهضة حين تُدرَك قيمة الأدب والفن والفكر في تهذيب الوجدان العام، وبناء الذوق الحضاري، فتُرعى المؤسسات الثقافية، وتُفتح المساحات للإبداع المسؤول، بوصفه رافدًا أصيلاً من روافد القوة الناعمة للأمم.
حادي وعشرون: لا تكون الجامعات منارات حقيقية إلا حين تتحول إلى مراكز إنتاج معرفي، لا مجرد قاعات تلقين، تقود البحث العلمي، وتخدم التنمية، وتربط التعليم بسوق العمل والتطور التكنولوجي.
ثاني وعشرون: تبدأ النهضة حين تضمن الدولة للعمال حياةً كريمة، وتحمي حقوقهم، وتوفّر لهم مظلة قانونية ونقابية عادلة، تقضي على البطالة، وتحقق الاستقرار الاجتماعي، باعتبار العمل أساس الكرامة الإنسانية.
ثالث وعشرون: لا يكتمل البناء الحضاري دون مشاركة المرأة بوصفها شريكاً كاملاً في الحقوق والواجبات، وعنصراً فاعلاً في التعليم، والعمل، وصناعة الرأي، في إطار يحفظ كرامتها ودورها الطبيعي في المجتمع.
رابع وعشرون: تنهض الشعوب حين تتحرر القيادات من أسر الجهويات والقبليات، ويُقدَّم معيار العطاء والكفاءة على كل اعتبار آخر، فتتجه الدولة نحو مشروع جامع، لا نحو مصالح ضيقة.
خامس وعشرون: تبلغ النهضة ذروتها حين تتحول الدولة إلى اقتصاد منتج، يجعل الزراعة والصناعة والتجارة ركائز أساسية، ويستثمر رأس المال البشري، كما فعلت تجارب معاصرة أثبتت أن النهوض ليس حكراً على أمم بعينها، بل ثمرة وعيٍ، وإدارةٍ، واحترامٍ للسنن.
سادس وعشرون: تبدأ نهضة الشعوب من الطفولة، حين تُدرِك الدولة أن حماية الأطفال ورعايتهم الصحية والاجتماعية ليست عملاً إحسانياً، بل استثماراً حضارياً طويل الأمد. فالطفل الذي ينشأ في بيئة آمنة، مكفولة الحقوق، هو نواة الإنسان المتوازن القادر على البناء والعطاء. ومن سنن العمران أن المجتمعات التي تُهمِل طفولتها إنما تُراكم أزماتها المستقبلية.
سابع وعشرون: لا يستقيم البناء دون نظام ضريبي عادل، يتناسب مع دخول الأفراد وقدراتهم الإنتاجية، ويقوم على الشفافية وحسن التوزيع. فالضريبة في منطق الدولة الحديثة عقدٌ أخلاقي بين المواطن والدولة، تكتسب به الأخيرة مشروعيتها، بشرط أن تُحصَّل باعتدال، وتُصرَف في مواضعها لخدمة الصالح العام، لا لتغذية الهدر أو الامتيازات.
ثامن وعشرون: من السنن الثابتة أن الظلم الاجتماعي مقدّمة لانهيار الدول. وتبدأ النهضة حين تُوزَّع الثروات توزيعًا عادلًا، ويُغلق باب الاحتكار والاستئثار، فلا تنشأ هوّة حادّة بين أقلية متخمة وأغلبية مسحوقة. فالعدالة الاجتماعية ليست شعارًا، بل شرط استقرار، وضمانة للسلم الأهلي.
تاسع وعشرون: تنهض الأمم حين يكون الضمير الإنساني حيًّا في سياساتها وثقافتها العامة، فتظل قضايا الإنسان – أيًّا كان انتماؤه – حاضرة في وجدان الدولة والمجتمع. إذ لا معنى لازدهارٍ داخليٍّ يتجاهل آلام الآخرين، ولا لقيمٍ تُجزَّأ حسب الجغرافيا أو المصالح. فالشهود الحضاري يقتضي موقفًا أخلاقيًا، لا حيادًا باردًا.
ثلاثون: لا تكتمل النهضة إلا بقيام دولةٍ ذات شخصية اعتبارية مستقلة، قادرة على حماية سيادتها، وإدارة مصالحها، ومواكبة التحولات السياسية والأمنية والعلمية المعاصرة، والمشاركة الإيجابية في المحافل الإقليمية والدولية، إسهاماً في استقرار العالم وخدمة الإنسانية.
حادي وثلاثون: من علامات النهوض أن يسود الفكر المؤسسي، وأن تُفعَّل الجمعيات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، بوصفها مدارس للمشاركة، ومختبرات للتفكير الجماعي، ومجالات لصناعة المبادرات والإبداع، بعيداً عن الفردية والوصاية.
ثاني وثلاثون: تبلغ الشعوب درجة الرشد الحضاري حين لا تقبل أن يُهان إنسان أو يُقمع أو يُشرَّد دون موقفٍ أخلاقيٍّ صريح. فالتضامن ليس ترفًا عاطفياً، بل تعبير عن وحدة القيم الإنسانية، وامتحان لصدق المبادئ التي تتبناها الدول والمجتمعات.
ثالث وثلاثون: تتحقق النهضة حين تُصان السيادة الوطنية، ويُرفَض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، مع الانفتاح الواعي على الشراكات الدولية المتكافئة. فالعلاقات بين الدول ضرورة، أما تحويل الأوطان إلى ساحات نفوذ أو مصائر مرتهنة، فهو نقيض الاستقلال، وكسرٌ لسنن التمكين.
وأخيراً يمكن القول: لا شك أن مسيرة الشعوب تمرّ بابتلاءاتٍ قاسية، تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، غير أن سنن الله لا تحابي أحدًا: فالظلم زائل، والعدل باقٍ، والتمكين ثمرة الصبر والعمل. وقد سجّل القرآن نموذج الاستبداد في قول فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وليكشف منطق الوصاية حين يتلبّس بثوب النصح.
وعندما تستعيد القيم الإنسانية المستمدة من الوحي موقعها مرجعيةً جامعةً، ويدرك الناس معنى كرامتهم، ويتحرر الوعي من تبريرات الاستبداد، تدخل الشعوب طوراً جديداً من النهوض. وحينها يمكن القول: إن ربيعها قد بدأ بالفعل، لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل مسارًا حضاريًا متدرجاً. ويصدق في هذا المقام قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
والحمد لله رب العالمين.
مشاهدة متى تبدأ نهضة الشعوب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ متى تبدأ نهضة الشعوب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، متى تبدأ نهضة الشعوب؟.
في الموقع ايضا :
- تشهد السويعات قليلة القادمة اضطرابات جوية
- شكيب الخياري يناقش أطروحة دكتوراه
- «لينوفو»: السعودية قادرة على استيعاب صناعات عالية القيمة
