يوسف قابلان - يني شفق
برشلونة – مدريد – قرطبة
تتواصل رحلتنا في الأندلس حافلة بالمفاجآت…
نلتقي أناسًا طيبين، مسلمين جميلين لا يتركون «تلّ الرماة» في الأندلس. كان أخونا أحمد قسمه غولو من الإخوة الذين سبقونا انتظارًا، ومعه زوجته صفية، أخت فاضلة حديثة العهد بالإسلام، متواضعة ونقيّة، تشبهه في صفائه وأخلاقه.
وحين تصلون إلى غرناطة، أنصحكم بشدّة بزيارة محل الحلويات «إسطنبول»، حيث تُقدَّم الكنافة والبقلاوة بطعم أصيل ومكان دافئ. إنه من الأماكن النادرة التي يمكنكم فيها احتساء الشاي أو القهوة التركية.
أما قرطبة، فهي تزيد حزننا عمقًا، وتوقد فينا جذوة الاعتراض والوجع…
نُقسم أن يأتي يوم تعود فيه شمس الإسلام المضيئة لتدفئ شبه الجزيرة الإيبيرية، بل أوروبا كلها، وأن نؤدي نحن ما علينا في سبيل ذلك.
لقد انتهت المسيحية، وبقيت الكنيسة قائمة بلا روح تبعث الحياة. أوروبا اليوم في حاجة ماسّة إلى نفَس الإسلام المُحيي، الإسلام الذي يمنح الجميع حق الحياة، ويبث الروح في الإنسان.
ولعودة تلك الأيام، أو لإعادتها، نحن بحاجة إلى مسلمين جميلين، متواضعين، نبلاء ومؤهّلين؛ إلى روّاد استثنائيين يفتحون الطرق ويقودون المسيرة. نحاول — بما تيسّر — أن نُسهم في تربية تلك النماذج المضيئة.
أنشر اليوم الجزء المتعلق برحلتنا إلى غرناطة من قلم أخي محرم كرتنجي السلس والعميق. إنها مقالة مناسبة ليوم أحد، قراءة ممتعة ومفتِّحة للذهن.
وداع المدينة التي لا يمكن وداعها
حين وصلنا إلى طليطلة، كان الجو غائمًا ساكنًا. لم نكن نتوقع المطر. ساد الصمت أولًا، كأنه يواسي دموعنا، ثم انهمر المطر بغزارة. بهذه المشاعر شددنا الرحال نحو قرطبة.
من دون أن نعلم أن المطر سيلازمنا حتى هناك، كنّا في الحافلة نستمع إلى درس ثري وعميق من أستاذنا يوسف كابلان. بدا الطريق أقصر، كأن الزمن انكمش.
المدينة الحزينة: قرطبة
نعبر الجسر التاريخي، وندخل الجامع الكبير في قرطبة تحت وابل المطر. نلجأ إليه، حرفيًا…
كانت قرطبة في العصر الأندلسي مدينة مليونية، تضم ثلاثمئة مسجد، وست مئة حمّام، وجامعًا يتسع لأربعين ألف مصلٍّ، فضلًا عن مدارسها وعلمائها وحلقات العلم فيها؛ مدينة كانت بحق عاصمة حضارة عظيمة. أما اليوم، فلا يزال عدد سكانها دون أربعمئة ألف.
هذا الجامع، الذي كان يحتضن أربعين ألف مصلٍّ، يواجه الزمن بطابع حضارتنا مواجهة صامتة؛ تواضعه لا يُوصَف، بل يُعاش. وحين سقطت المدينة، أمر الملك بتحويل المسجد إلى كنيسة.
بدأ المعماريون العمل. ومع تقدّم التغيير، جاء الملك للتفقد، فقال عبارته الشهيرة: «لقد دمّرتموه! كيف تجرأتم على هذا الصرح؟» فأمر بوقف الأعمال، وبأن يُبنى من دون تشويه.
هنا تتجلى لنا فرصة قراءة الحضارتين الغربية والإسلامية من خلال مسجد–كنيسة واحدة. لكنها لا تُسكن حزننا، ولا تشفي درسنا. مسجد بهذا النبل والتواضع، يشتاق إلى الأذان، إلى الجماعة، إلى التكبير…
الزخارف فوق المحراب تحكي الصلاة بآياتها. سورة الحشر منقوشة، تتحدث عن البعث والنشور. لكنها تشتاق إلى الصلاة، وإلى الإمام، وإلى الحياة.
الكنيسة المشيّدة داخل المسجد تصرخ بخشونتها وكبريائها وظلامها وروح الإلغاء فيها. أما المئذنة، فتقف وحيدة في زاوية الحديقة.
تعدّ الأيام إلى أن يُرفع الأذان من جديد، كأنها تنتظر طائرًا حرًّا… تصمد بأمل أن تعود الأيام المضيئة.
مدينة الكبرياء: برشلونة
في برشلونة، نجد أنفسنا داخل معمار ساحة مصارعة الثيران. نرى موقف الكتالونيين الذين رفضوا تعذيب الحيوانات، وحوّلوا الساحة إلى مركز تجاري، متحدّين الحكومة المركزية.
في الاستفتاء، بلغت نسبة المطالبين بالانفصال قرابة 80%. لكن الحكومة المركزية رفضت، لأن 20% من اقتصاد البلاد تعود إلى برشلونة.
في مكتبة ضخمة تضم عشرين ألف كتاب باللغة الإنجليزية، يشتري أستاذنا أكثر من عشرة كتب ليهديها لطلابه.
لم تعد مكتبات أوروبا تُذكر إلا ويُذكر معها يوسف كابلان. كأننا جُلنا معظم مكتبات القارة.
مدريد: عاصمة المملكة
في مدريد، تصبح آثارنا أوضح. نضيع في أزقة الحي القوطي ذات المعمار الإسلامي. نلاحق المكتبات، ونكتشف الساحات.
نتعلم أن القصر الملكي القديم كان يضم ثلاثة آلاف غرفة، بينما يقيم الملك اليوم في قصر أحدث.
في الطريق إلى غرناطة
في أزقة قرطبة الضيقة، وفي حدائق البيوت الداخلية، وفي شوارعها المزهرة ومعمارها، نعزم على تتبّع الأثر من جديد.
مع شروق الشمس، سننطلق مجددًا لنروي شوقنا إلى غرناطة.
لا نعلم ما الذي ينتظرنا. نمضي راضين بما كُتب لنا، نتذوق لذّة السير مع التيار، ونعيش طمأنينة التسليم. ولا ننسى أبدًا هذه الحقيقة:
الغرب يُخفي انهياره خلف عمارة مدنه. فلا تنخدعوا بالمدن. الغرب أعلن سقوطه في غزة. انكشفت عبوديته، وظهرت هشاشته.
والغرب اليوم أمام خيار واحد: إما أن يوجد بالحقيقة أو أن يندثر في الظلام.
مشاهدة الأندلس صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة 2
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأندلس صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة 2 قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (2).
في الموقع ايضا :
- حكومة جنوب السودان: تقدم المتمردين يشكل "تهديدا خطيرا للسلام"
- إسبانيا تعتزم تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر في وضع غير قانوني
- كيف سيكون طقس شهر رمضان؟
