ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل التركي نيدرت إيرسانال، التحول الجاري في موازين القوى العالمية من خلال قراءة الخطوة الأوروبية نحو الهند كرهان جيوسياسي لا اقتصادي فقط، في سياق اهتزاز العلاقة مع الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، وتصاعد الضغوط الروسية، وتنامي وزن الصين.
يربط الكاتب بين أزمة غرينلاند، والاتفاق الأوروبي-الهندي، وصراع الممرات والتحالفات في الشرق الأوسط وآسيا، ليُظهر كيف تحاول أوروبا كسر تبعيتها التقليدية عبر تنويع الشركاء، وكيف أصبحت الهند مركز جذب في نظام دولي جديد يقوم على تسييل التجارة، وسلاسل الإمداد، والتحالفات بوصفها أدوات قوة وصراع.
وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
أوروبا تشعر بالرضا لأنها برهنت، عبر أزمة غرينلاند، أنها قادرة على الضغط على إدارة ترامب وإرباكها. لا يمكن وصف ذلك بالكذب تمامًا؛ فاحتمال تمزق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أسكت واشنطن، وجعلها تقبل – في الوقت الراهن – بعدم الذهاب خطوة إضافية في غرينلاند.
يبقى السؤال: هل يمكن اعتبار هذا المثال «سابقة» لبقية مناطق العالم؟ هذا رهان آخر. لكنه ليس صحيحًا تمامًا أيضًا؛ فأوروبا، وإن أثبتت أنها قادرة على إيلام الولايات المتحدة عندما تتصادم معها، فإنها تدرك جيدًا ما الذي قد يترتب عليها في مثل هذا السيناريو. الاقتصاد الأمريكي، وهو على حد السكين، لم يُقدم على المخاطرة، لكن الاتحاد الأوروبي بدوره استخدم من بين أوراقه المحدودة «ورقة الجوكر».
رئيس وزراء كندا «ذو البصيرة»، الذي اعترف صراحة بلا أخلاقية أوروبا/الغرب، توجّه فورًا إلى الصين. كنا قد تناولنا هذا الأمر بتفصيل في مقال سابق؛ إذ تستخدم دول أوروبية عديدة علاقاتها الاقتصادية مع الصين في آنٍ واحد بوصفها منفذًا نافعًا، وأداة دبلوماسية لإثارة الغيرة.
هذه الخطوات، التي تُتخذ مع إلقاء نظرة جانبية على الولايات المتحدة، تُظهر حرصًا واضحًا على عدم تجاوز «الخط الأحمر». وبالفعل، ذهب رئيس وزراء كندا إلى الصين، لكنه لم يتمكّن من توقيع الكثير في المجال التجاري…
وإذا أردنا رؤية خطوة تقترب حقًا من الخط الأحمر، فيمكننا النظر إلى «الإنزال» الذي قام به الاتحاد الأوروبي في الهند. هذه الزيارة، «الملوّنة» بكل ما للكلمة من معنى، تجاوزت مجرّد إثارة غيرة العاشق…
الاعتقادات التي تكاد ترقى إلى مستوى الإيمان بأن الهند ما تزال في نهاية المطاف «لعبة بيد بريطانيا»، أو أنها لا تستطيع الانفكاك عن الولايات المتحدة، انهارت منذ زمن بعيد. كثيرون ما زالوا يكررون هذه المعلومات البالية، لكنهم يسقطون في الفراغ لأن أنظمتهم الفكرية مغلقة أمام التحديث…
الجدول الذي عرض فيه ترامب الرسوم الجمركية التي فرضها على دول العالم، وظهرت فيه نسبة 50٪ المفروضة على الهند، لفت أنظار الجميع. نعلم أن نيودلهي لم تتجاوز بعد آثار هذه المفاجأة. وفوق ذلك، فإن تموضع الولايات المتحدة إلى جانب إسلام آباد في الاشتباكات الباكستانية-الهندية شكّل خيبة أمل كبيرة…
وكان للتوقيت دلالته أيضًا؛ إذ تزامن مع مرحلة بدأت فيها القضايا الحدودية بين الهند والصين تُعالج بصورة أكثر عقلانية، فيما كانت العلاقات مع روسيا – لا سيما في مجالي الدفاع والطاقة – تبلغ ذروتها. بل إن يوم الاثنين الماضي صادف «يوم الجمهورية الهندية»، ونشر الزعيم الصيني شي جين بينغ رسالة جاء فيها: «الهند والصين جاران صالحان، وصديقان، وشريكان»…
اليوم يمكن توصيف علاقات الهند مع الولايات المتحدة بأنها فاترة، في حين تبدو علاقاتها مع روسيا مشرقة. بل إنني أذكر أن بعض الأكاديميين قالوا حرفيًا: «لقد خُطفت لصالح روسيا»…
دخول الاتحاد الأوروبي، كمؤسسة، إلى الساحة الهندية، يتقاطع مع هذا الظرف القائم بين القوى الكبرى، كما يندرج ضمن سياق التنافس بين مثلثَي باكستان-تركيا-السعودية من جهة، والهند-الإمارات-إسرائيل من جهة أخرى، على خط الشرق الأوسط/غرب آسيا، وهو ما سبق أن أشرنا إليه.
وصف علاقات المثلث الأول مع الهند سهل: سيئة! العداء مع باكستان مستمر أصلًا. السعودية وقّعت للتو اتفاقًا للأمن العسكري مع «باكستان النووية». وهناك رواية تتضخم يومًا بعد يوم تكرر أن تركيا ستنضم إلى هذا المسار. كما أن نظرة الهند إلى تركيا لم تتحسّن أبدًا؛ فالصحافة الهندية لم تترك شيئًا إلا وقالته بحق تركيا خلال التوتر مع باكستان. أما ممارسات الحكومة الهندية بحق المسلمين، والتي وصلت إلى حد هدم المساجد، فليست فضائح يمكن لأنقرة أن تنساها بسهولة…
أما وضع المثلث الثاني، فقد تعزّز مع المشروع الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في الهند إبان حكم بايدن، أي مشروع الهند-الخليج-حيفا-المتوسط. كان ذلك يعكس إسقاطات «تلك أمريكا» حول كيفية إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وكان منافسًا لمشروع «طريق الرفاه/التنمية» الذي يتمركز في العراق ويمتد إلى الخليج وتركيا. المشروع المذكور كان يمنح إسرائيل حماية أكبر، ويغازل علنًا المثلث اليوناني-القبرصي-الإسرائيلي، وهو ما كان يثير غضبنا…
اليوم، هذا المثلث الثاني بات مُقيدًا، بل ومُهانًا إلى حد ما. لكنه لم يمت. من منظور الولايات المتحدة، يُؤمَل أن «يتحوّل إلى سداسي»، لكن يبقى السؤال: هل ستكون الهند ضمنه؟ هذا محل شك…
أما إيران، الدولة الوحيدة التي تقف خارج هذه المثلثات على الخريطة الصغيرة، فأنتم تتابعون وضعها. هناك توتر العدّ التنازلي. وإذا ضُربت، فلن يُفاجأ أحد. وإن حدث ذلك، فسنبدأ الحديث عن خريطة أخرى.
في ظل هذا السياق، خطا الاتحاد الأوروبي نحو الهند. فقد كان كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية كايا كالاس، في نيودلهي للإعلان الرسمي عن الاتفاق…
وفي يوم الثلاثاء، حين كُتبت هذه السطور، أُعلن الاتفاق الذي وُصف بأنه «أمّ جميع الاتفاقات». اتفاق «سيعزز التجارة وسلاسل الإمداد العالمية»، لكنه في الوقت نفسه سيفتح صفحة جديدة في التنافس حول من يملك زمام هذه السلاسل…
لا تنخدعوا بعبارة «يُعمل عليه منذ عشرين عامًا». فالتوقيت بالغ الدلالة؛ إذ إن القضية الحقيقية هي التحولات السريعة في موازين القوى العالمية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي ترامب. الهدف هو تقليص اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، وضبط اعتمادها على الصين عبر تنويع المصادر. أما الهنود، فهم لا يريدون الاتكاء على روسيا وحدها. فهذا أحد قواعد الأمن في النظام الجديد أصلاً: تنويع الموارد والمسارات…
الاتحاد الأوروبي والهند يتبادلان بالفعل تجارة في السلع والخدمات تتجاوز 180 مليار يورو. وبموجب الاتفاق، سيتضاعف تقريبًا تصدير الاتحاد الأوروبي إلى الهند خلال 6-7 سنوات. كما ستُقدم الهند على تخفيضات كبيرة في الرسوم الجمركية. يمكنكم اعتبار ذلك نكايةً بأمريكا. وبالطبع، ستبيع أمريكا بدورها بضائعها لأوروبا…
هذا الاتفاق بين ثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم، رغم امتلائه بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية من القمة إلى القاع، هو سياسي بقدر ما هو اقتصادي – بل وأكثر…
أوروبا، التي تتلقى الضربات باستمرار من روسيا والولايات المتحدة وتُحاصر بينهما، تبحث عن مخرج لنفسها. بعد غرينلاند، تأتي هذه الخطوة بوصفها المحاولة الثانية لـ«الوقوف منتصبة». اليوم سيقوم رئيس الوزراء البريطاني بزيارة خاصة إلى الصين، وفي فبراير سيقوم المستشار الألماني بالخطوة نفسها. الحديث عن «تحالفات أوروبية جديدة» قد لا يكون دقيقًا. فهم يحاولون أولًا إنقاذ المال.
مشاهدة أوروبا تبحث عن مخرج من كماشة واشنطن وموسكو الهند بوابة الهروب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أوروبا تبحث عن مخرج من كماشة واشنطن وموسكو الهند بوابة الهروب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أوروبا تبحث عن مخرج من كماشة واشنطن وموسكو: الهند بوابة الهروب؟.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. مشاهدة مباراة ألمانيا وكرواتيا في بطولة أوروبا لكرة اليد
- مندوب سوريا بمجلس الأمن: المحادثات الأمنية مع إسرائيل ليست تنازلاً عن حقوقنا
- آجال معلوم الجولان للشركات والتصاريح الشهرية للأشخاص الطبيعيين
