"إبستين" الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
إبستين الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي
  حين تنفجر جريمة كبرى من وزن قضية "جيفري إبستين"، والتي أفرج عن نحو ثلاثة ملايين من مستنداتها السرية أخيرا، لا ينبغي أن تسمى باسم "إبستين" وحده، ذلك أنها تتجاوز المشاركين في ارتكابها، والذين يتوزعون في كل المؤسسات الغربية العلمية والسياسية والثقافية، وفي القصور الملكية الأوروبية، وقد تتجاوز ضحاياها – أيضا – إلى ما هو أخطر. تثير "فضيحة الحضارة الغربية" علامات استفهام كثيرة، وتدفع الجميع لسؤال حول ما إذا كان ما ظهر هو الوجه الخفي لمنظومة لا أخلاقية لم يكن بسطاء الناس يرونه، أم أننا أمام تحوّل تاريخي غير طبيعة الأخلاق نفسها؟ وتشير "قنبلة الجرائم النووية" المسماة بـ "فضيحة جيفري إبستين" إلى مئات أو آلاف الجرائم التي ارتكبت أمام أعين الأجهزة الرقابية والقضائية لسنوات طوال، وهو ما يدفع بالسؤال إلى المقدمة حول كيفية استمرارها داخل المنظومة الأخلاقية الغربية. وقد قدم المشروع الحداثي الغربي للعالم بوجهه الأخلاقي أولا، ثم جاء الجانب التقني بعد ذلك. وكان في القلب من ذلك المشروع فكرة أن الإنسان هو مركز القيمة. استلهم الغرب جون لوك الذي كتب عن الحقوق الطبيعية التي تسبق السلطة، وأكد أن وظيفة الحكم هي حماية الفرد وحريته. وبلور إيمانويل كانط فكرة أن الغاية هي الكرامة الإنسانية، وأن الأخلاق تنبع من واجب احترام الإنسان لكونه إنسانا. أما جون ستيوارت ميل فوضع الحرية شرطا لازدهار الحقيقة. من هذه الخلفية الفلسفية، رسمت صورة وردية لمنظومة أخلاقية تعد بالشفافية، وتفاخر بسيادة القانون، وتقدم أبرز مميزاتها وهي قدرتها على تصحيح أخطائها من الداخل.   ولم يكن ما قدمه المفكرون الغربيون مجرد رسائل أكاديمية، تحولت إلى ثقافة عامة في التعليم والإعلام والأدب، وفي الخطاب السياسي فقط، وإنما ترجمت إلى شعارات من نوع "لا أحد فوق القانون" و"المؤسسات أقوى من الأفراد". وقد اعتبر ذلك وعدا وأفقا ينبغي السعي إليه.   وبعد مرور أقل من عشرين عاما من القرن العشرين، تبخر الوعد. وجاءت التحولات الكبرى في صورة حربين عالميتين، وصعود لأنظمة شمولية. ثم أطلت الحرب الباردة لتزاوج خطاب القيم مع منطق القوة. انتهت الحرب الباردة، لتهجم النيوليبرالية، ويتعاظم نفوذ المال، ويتبدل وزن الدولة أمام السوق، وتبدأ الحدود بين الأخلاقي والنافع في التآكل. تحالف المال والمعرفة منح المشروع الغربي المعرفة سلطة أخلاقية شبه مطلقة منذ كتب فرانسيس بيكون عبارته الشهيرة "المعرفة قوة"، ولم تكن "القوة" هنا سوى تلك القدرة على تنظيم العالم وتحسين شروط الحياة. لذلك اكتسبت الجامعة والمعمل ومراكز البحوث مكانة رمزية عالية، كجهات لا تنتج الحقيقة فقط، بل تمنح شرعية أخلاقية لمن يقترب منها. وكان للمال، في هذا السياق، وظيفة واحدة، وهي "الدعم"، ولم يقدم ذلك الدعم في الخطاب العام كأداة لاكتساب النفوذ أو السيطرة. لم يكن وجود المال قرب المعرفة هو الكارثة، وإنما سهولة تحول "الدعم" إلى تلميع للداعم، وخاصة حين يصبح التمويل مصحوبا بلغة إنسانية راقية، وحين تغلف العلاقات بشعارات "دعم العلم" و"خدمة الإنسانية". تكمن المعضلة في أن لغة القيم نفسها تستدعى لتجميل السلطة، وتستخدم مفردات مثل "التقدم"، "الابتكار"، "الإنسانية" كدروع رمزية. وكما كتب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن رأس المال الرمزي قادر على "تحويل القوة إلى شرعية، والهيمنة إلى قبول". ولو كشفت الفضيحة عن سوء استخدام المعرفة، لكان الأمر أهون كثيرا، ولكنها كشفت عن تآكل قدرتها على النقد حين اندمجت داخل شبكة نفوذ تتقن لغة الأخلاق. لماذا صمت من صمت؟ وكيف تحوّل الصمت إلى سلوك مفهوم، وعقلاني، داخل منظومة تزعم الدفاع عن القيم؟ إنه ما يحدث حين تنتقل الأخلاقيات إلى دور بسيط، وهو تزيين جبين السلطة. من الصدمة إلى الشك لم تكن الصدمة الأولى التي أحدثتها قضية "جيفري إبستين" صدمة أخلاقية خالصة، بل صدمة سردية. فالجمهور الذي تربى طويلا على قصة جاهزة عن عالم تحكمه مؤسسات شفافة وقانون لا يميز بين الأفراد، وجد نفسه أمام وقائع لا تنسجم مع الحكاية التي يعرفها، ليسأل كل منهم نفسه: كيف لم أره؟ يعتمد الخطاب الثقافي الغربي على طمأنة الجمهور بأن الانحرافات الفردية، مهما كانت فادحة، ستصحح داخل المنظومة. وكما كتب الفيلسوف بول ريكور في حديثه عن السرد والهوية، فإن المجتمعات تحتاج إلى "قصص قابلة للتصديق" لتحافظ على تماسكها الأخلاقي. لكن حين تتكرر الوقائع التي لا تجد خاتمة مقنعة، تتحول الصدمة إلى شرخ في الثقة بالسرد نفسه. في السنوات التي تلت انكشاف القضية، عبّر صحفيون ومراقبون غربيون عن هذا التحول بوضوح. وكتب أحد معلقي نيويورك تايمز أن ما جرى لم يكن "فشلا لشخص أو مكتب ادعاء"، بل "انهيارا لفكرة أن النظام يعمل تلقائيا حين يختبر". أما في الغارديان، فقد ورد توصيف لافت بأن القضية تركت شعورا عاما بأن "العدالة موجودة كإجراء، ولا يبدو أنها تمثل يقينا أخلاقيا الآن". هذه العبارات لا تعبر عن غضب عابر، بل عن انتقال نفسي وثقافي من الثقة إلى الريبة.   ويبدأ الشك حين يدرك الجمهور أن اللغة التي اعتاد سماعها، لغة الشفافية والمساءلة، لا تفسر ما يراه. وهو ما حذر منه عالم الاجتماع زيغمونت باومان، حين كتب أن الحداثة المتأخرة تنتج حالة من "اللايقين الأخلاقي"، حيث تظل القواعد قائمة، لكن الثقة في عدالتها تتآكل.   وفي هذا المناخ، لا يعود الفشل استثناء، بل إشارة إلى خلل أعمق في الرواية الجامعة. وهذا الشك لا يتخذ دائما شكل احتجاج صاخب، ولكن يتسلل ببطء إلى وعي الجمهور، ويتحول إلى مسافة باردة من الخطاب الرسمي. يتجلى ذلك في سؤال بسيط وساخر واستنكاري، يتكرر في التعليقات والتحليلات حول الشعور بالمفاجأة "في كل مرة" وهو اعتراف ضمني بأن السردية لم تعد تقنع، وأن ما كان يعد انحرافا صار يقرأ كاحتمال وارد. وفي هذه اللحظة، تصبح الفضيحة لحظة كشف ثقافي وليس مجرد فشل أخلاقي أو انحراف فردي. فهي تظهر كيف يمكن لمنظومة أن تحافظ على لغتها القيمية فيما تفقد قدرتها على إقناع جمهورها بها. كتبت حنة آرندت في سياق آخر أن أخطر ما يواجه المجتمعات الحديثة ليس الكذب، بل "اللامبالاة تجاه الحقيقة". من هنا، لا يمثل الشك نهاية القصة، بل بداية مرحلة يصبح الشك فيها هو الأصل حول التصور الذي ألفناه عن أنفسنا. القيم في خدمة المال إذن، هي لحظة التقاء بين واقع فاضح ونقد فلسفي قديم حذر من هشاشة ادعاءات الحداثة. فقبل عقود من أي فضيحة، نبه فلاسفة إلى أن المشروع الحداثي، وهو يعد بالعقلانية والتحرر، يحمل في داخله قابلية للانحراف حين تتحول القيم إلى أدوات إدارة. وكتب ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو في كتابهما "جدل التنوير" أن التنوير، وهو يسعى لتحرير الإنسان من الخرافة، قد ينقلب إلى عقل أداتي يختزل القيم في النفع والسيطرة. في هذا المنظور، لا تلغى الأخلاق صراحة، بل تعاد صياغتها لتخدم النظام، ليصبح الشعار الأخلاقي جزءا من الآلية، وليس معيارا لمحاسبتها. وسع ميشيل فوكو هذا النقد حين رأى أن السلطة الحديثة لا تعمل بالقمع المباشر، بل عبر إنتاج خطاب يبدو معقولا، وإنسانيا، ومتقدما. وهي الحالة التي لا تحتاج، خلالها، تلك المنظومة إلى إخفاء تناقضاتها، فيكفيها أن تديرها لغويا، وتستمر "اللعبة" بشكل دائري متكرر في المؤسسات وبين الأفراد. دافع يورغن هابرماس عن إمكانية إنقاذ الحداثة، لكنه حذر من خطر "استعمار عالم الحياة" حين تهيمن الأنظمة الاقتصادية والإدارية على الفضاء الأخلاقي والتواصلي. حينها، تفقد القيم قدرتها النقدية، وتتحول إلى إجراءات تدار بدل أن تناقش. هذه الفكرة تضيء لحظة ما بعد الصدمة، فالقضية لا تقابل بحوار عام يعيد بناء الثقة، بل بسلسلة إجراءات تغلق الملف دون استعادة المعنى.   وفي تشخيص أكثر قتامة، كتب زيغمونت باومان عن "الحداثة السائلة" التي تذوب فيها المعايير، فلا تعود الأخلاق إطارا ثابتا، بل خيارا ظرفيا. في مثل هذا العالم، لا يكون السؤال عن المخطئ، بل عن من يملك القدرة على الإفلات، وهنا يتلاقى النقد الفلسفي مع التجربة الثقافية للجمهور، الذي يرى أن القيم قائمة في الخطاب، متحركة في التطبيق. لا تقرأ فضيحة "إبستين" كخرق مفاجئ لمشروع حداثي سليم، ولكنها أزمات حذر منها فلاسفة، وهي أزمات تؤكد أن ما انهار ليس الأخلاق، بل الثقة في قدرتها على الصمود حين تدار بمنطق النفوذ. ومن هنا، يتحول الشك العام من ردة فعل عاطفية إلى موقف ثقافي واع من الحداثة. الحداثة هي الحل أم الأزمة؟ بعيدا عن الأسئلة القانونية والأخلاقية لفضيحة إبستين، يعد سؤال الحداثة وإعادة تقييمها هو واجب الوقت، فالمشروع الذي أقيم تدريجيا على فكرة النقد والتصحيح من الداخل يجد نفسه سجين اختبار غير مسبوق حول اختفاء آلية التصحيح تحت ضغط ثنائية المال/النفوذ. تميّزت الحداثة الغربية، كما رأى إيمانويل كانط، بقدرتها على ممارسة النقد كواجب أخلاقي دائم، غير أن هذا الواجب، كما حذر لاحقا تيودور أدورنو، قد يتحول إلى طقس لغوي إذا فصل عن البنى التي تنتج القوة. عندها، لا يلغى النقد، بل يفرّغ من أثره، ويستوعب داخل النظام الذي كان يفترض أن يهزه. فلم يعد خطاب التفوق الأخلاقي أداة لتقويم الحداثة، بل وسيلة دفاع عنها. تستدعى القيم لتقليص أثره الرمزي، وإقناع الجمهور بأن "المنظومة تعمل"، حتى حين تتكاثر الأدلة على عكس ذلك. هذا ما وصفه زيغمونت باومان حين رأى أن المجتمعات الحديثة تعيش أزمة في سهولة التعايش مع تناقضها. المصدر: الجزيرة - أسامة صفار .

مشاهدة إبستين الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إبستين الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "إبستين" الذي فضح التفوق الأخلاقي الغربي.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار