الانهيار الحضاري.. اعتراف غربي أم إعادة تموضع؟ ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
الانهيار الحضاري.. اعتراف غربي أم إعادة تموضع؟

ترك برس

تناول مقال للكاتب والمحلل التركي سليمان سيفي أوغون، خطاب «التراجع الحضاري» الذي برز في الغرب، ولا سيما في سياق النقاشات الدائرة حول أوروبا، بوصفه مؤشرًا على تحوّل أعمق في مركزية الغرب ودوره العالمي.

    ينطلق الكاتب من تفكيك وعينا نحن بمفهوم الحضارة، بما يحمله من ازدواجية بين الإعجاب بالإنجاز العلمي والتنظيمي الغربي، والرفض الأخلاقي والسياسي لسياساته الاستعمارية وبنيته القيمية.

    ويجادل بأن فهم الغرب لا يكون عبر الفصل بين منجزاته وأزماته، بل عبر تحليل الترابط بين نجاحه العلمي والاقتصادي ومنظومته الإمبريالية، وبين روح الانضباط التي نُثني عليها والتآكل القيمي الذي ننتقده.

    وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

    في مؤتمر ميونيخ كان هناك لفظ طاغ ومهيمن. فقد تكرر التأكيد عليه في عناوين متعددة وفي كلمات المشاركين: «الانهيار» أو «التفكك». وفي الحقيقة، كانت مصادر أمريكية تتناول هذا المعنى منذ فترة طويلة. وفي الآونة الأخيرة، صدرت تقارير في مؤسسات أمريكية مرموقة تتحدث على هذا المنوال؛ أي عن مؤشرات تدل على تراجع حضاري. وكان المقصود صراحةً هو أوروبا. ولم يكن الحديث تلميحًا أو إشارة ضمنية، بل كان تحديدًا مباشرًا للعنوان والهدف.

    وقبل بضع سنوات، ظهر توصيف مشابه — ولكن في إطار أوسع — حتى داخل مصادر أوروبية نفسها. ففي ألمانيا، التي تُعدّ أكبر قوة اقتصادية في أوروبا، تحدث بعض الشخصيات الرفيعة المستوى عن أن التاريخ الحديث للعالم يتجه نحو مرحلة يمكن وصفها بـ«ما بعد الغرب» أو «التحول عن المركزية الغربية». وعند مقارنة هذا الطرح بتأكيدات الولايات المتحدة الخاصة بأوروبا، يمكن إدراك حجم الدلالة والاختلاف في الخطاب.

    كيف يمكن لنا أن نفهم هذا الاعتراف الصادر من الغرب، الذي منح نفسه دورًا مركزيًا ومهيمنًا في تقسيم العمل العالمي، والذي رأى نفسه حاملًا لقيم حضارية كونية يسعى إلى تعميمها على الشعوب الأخرى؟

    أود أولًا أن أنطلق من تصورنا نحن لمفهوم الحضارة.

    إن الوعي الحضاري في تركيا معقّد ومركّب إلى حد كبير. فنحن لم نحسم موقفنا منه بشكل واضح. فهذا المفهوم عندنا له طرفٌ يرتبط بالقيم الأخلاقية الخالصة، أي بحسابات الروح والمعنى؛ وطرفٌ آخر يرتبط — بشكل مثير للجدل — بالإنجازات الفكرية أو حتى بالمكاسب المادية التي لا علاقة مباشرة لها بالأخلاق. وغالبًا ما نستخدم هذه المعايير بشكل انتقائي، بحسب السياق.

    فعلى سبيل المثال، هناك من ينظر إلى الغرب بإعجاب من زاوية ما يحققه من نظافة وتنظيم وانضباط اجتماعي، ويتحدث بإجلال عن «مدنيتهم». وكذلك نجد من يُعجب بالمسؤولية التي يظهرها الأفراد الغربيون في علاقاتهم الاقتصادية والثقافية، ويتحسّر قائلًا: «ليتنا نكون مثلهم». وحتى أكثر البيئات عداءً للغرب لا تستطيع أحيانًا إنكار صفاتهم المرتبطة بالعمل والانضباط والالتزام بالقواعد، فتُثني عليها بعبارة: «نُقرّ بالحق ولو على أنفسنا».

    وهذا ينطبق أيضًا على إنجازات الغرب في مجالات العلوم والفلسفة والفنون. ففي هذه المجالات يُحاول البعض إيجاد نقطة توازن. فنستحضر في المقابل أمجادنا التاريخية بشيء من الحنين، بل ونجد من يبرّر إنجازات الغرب بالقول إن جذورها تعود إلى علماء وفلاسفة من تراثنا القديم. وغالبًا ما نذكر أسماء علمائنا وفلاسفتنا بلهجة متأثرة وعاطفية. وفي الفن أيضًا نُبرز خصوصياتنا التي نرى أنها تميزنا عنهم.

    لكن حين ينتقل الحديث إلى الأخلاق، يتغير المناخ فجأة. فالمشكلات المرتبطة ببنية الأسرة في الغرب، وعلاقات الرجل والمرأة، وحالة الانفتاح الاجتماعي، تثير لدينا استياءً مباشرًا. كما أن الطابع المادي والعقلاني البارد في العلاقات الاجتماعية يُزعجنا، فنصفه بأنه إفلاس أخلاقي، أو — بتعبير فرنسي دارج — «انحدار حضاري» أو «Decadence». وهنا تتحول المديح إلى أحكام سلبية، ونُعلن بسهولة أن الغرب قد تدهور أخلاقيًا باعتباره حضارة.

    ويزداد هذا الخطاب حدة حين نتذكر السياسات التي اتبعتها الدول الغربية في المجال السياسي، خصوصًا في سياق الاستعمار والإمبريالية. عندها يرتفع صوت الإدانة. فنصل أحيانًا إلى استنتاج أن الغرب عالمٌ خالٍ من العدالة والإنصاف، بل عالم متوحش وقاس. وهكذا يتحول التصوّر الذي كان في أذهاننا «غربًا متحضرًا» إلى «غرب متوحش» أو «قاسٍ».

    خلاصة الأمر أن وعينا بمسألة الحضارة مضطرب ومركّب. وأسهل حلّ نلجأ إليه هو الشعار القائل: «نأخذ من الغرب إنجازاته المادية، ونحافظ نحن على قيمنا الأخلاقية والثقافية». غير أنني أرى هذا التصوّر أقرب إلى ازدواجية معرفية غير متماسكة. فأنا أؤمن أن التاريخ ليس أبيض أو أسود، بل يتكوّن من درجات لونية متعددة من الرمادي.

    ولعل فهم الغرب يتطلب منا أن نُحلّل العناصر التي تبدو متناقضة في بنيته، وأن نربط بينها بدل الفصل بينها. فلا فائدة من تمجيد العلوم أو الفلسفة أو الفن باعتبارها كيانات منفصلة ومقدسة. المسألة الحقيقية تكمن في فهم العلاقة بين النجاح العلمي والفني الهائل الذي حققه الغرب — وهو نجاح يُثير الإعجاب بحق — وبين المنظومة الاقتصادية الاستعمارية التي غذته بطموحات لا نهائية. والمهارة الفكرية تكمن في الكشف عن العلاقة المتبادلة بين روح العمل والانضباط التي نُعجب بها، وبين التآكل القيمي الذي نشهده في بعض مجالات الحياة الغربية، لا سيما في البنية الأسرية والاجتماعية.

    نعم، الحياة تتكون من غرف متعددة، لكنها في الواقع تتدفق من غرفة إلى أخرى. فالتداخل والانتقال بين المجالات هو القاعدة، وليس الانفصال. الأبواب ليست مغلقة بطبيعتها، بل نحن الذين نصنع في أذهاننا غرفًا مغلقة لا وجود لها في الواقع. والمطلوب هو كسر هذه الأقفال الذهنية، وإعادة مواءمة تفكيرنا مع التدفق الطبيعي للحياة.

    كيف يمكننا إذًا أن نقيم اعتراف الغرب نفسه بفكرة «التراجع الحضاري» في الآونة الأخيرة؟

    الحقيقة أن الغرب قد بنى لنفسه غرفًا ذهنية مغلقة، وعرّف العالم من خلالها. فقد روّج لإنجازاته في مجالات العلوم والفنون والقانون والنظام والحياة المؤسسية بأعلى درجات الثقة. ولم يكن يجد صعوبة في تسويق هذا النموذج، لأن الزبائن كانوا جاهزين لقبوله. ونحن — في كثير من الأحيان — لم نتردد في شراء هذا النموذج.

    أما الجوانب التي انتقدناها فيه، فقد جرى تغليفها بمفاهيم مثل الحرية والقانون وحقوق الإنسان، واستخدامها كأدوات لتأديب الشعوب التي وُضعت خارج دائرة الهيمنة، وكأنها معايير أخلاقية تُستخدم لإعادة تشكيل الآخرين وفق رؤية الغرب.

    لكن يبدو أن هذه الآلية لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل السابق. وبدل أن يستخلص الغرب درسًا تاريخيًا من التحولات الجارية ويُصلح بنيته، فإنه يعيد إحكام إغلاق غرفه الذهنية بأقفال جديدة.

    وعندما تعلن الولايات المتحدة عن «انهيار الحضارة الأوروبية»، فهي تقصد — ضمنيًا — أن أوروبا تخلت عن فكرة تفوّق «الرجل الأبيض» التي شكّلت جزءًا من خطابها التاريخي. وتستشهد في ذلك بمسألة الهجرة وتغيّر البنية الديمغرافية. ومن هذا المنظور، يُقال إن الحل يكمن في تشديد السياسات وإعادة ضبط الحدود، كما تفعل إدارة ترامب، حتى يمكن «إحياء الحضارة».

    ولعلّ تعليق غاندي الشهير يختصر المشهد كله. فعندما سُئل عن رأيه في الحضارة الغربية، أجاب مبتسمًا: «ربما كانت فكرة جيدة…». لقد كان تعليقه الساخر يحمل إدراكًا عميقًا لواقع حضاري معقّد، وما زال صدى تلك العبارة يطرح سؤالًا مفتوحًا حتى اليوم.

    مشاهدة الانهيار الحضاري اعتراف غربي أم إعادة تموضع

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الانهيار الحضاري اعتراف غربي أم إعادة تموضع قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الانهيار الحضاري.. اعتراف غربي أم إعادة تموضع؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار