بين الأمس واليوم.. ماذا تبقّى من ثقافة الجوار؟ ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
بين الأمس واليوم.. ماذا تبقّى من ثقافة الجوار؟

ترك برس

استعرض مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، قيمة حُسن الجوار بوصفها إحدى الركائز الأساسية في الثقافة العربية والإسلامية وكذلك في الثقافة التركية، حيث شكّلت عبر التاريخ دعامةً للسلم الاجتماعي والتكافل والتضامن.

    يقدم الكاتب، في مقاله بصحيفة الشرق القطرية، الأمثال الشعبية والنصوص الدينية التي تؤكد مكانة الجار، ويبيّن كيف أسهمت علاقات الجوار في تقوية الروابط المجتمعية، وتخفيف الشعور بالوحدة، وتعزيز ثقافة الحيّ التقليدية.

    كما يناقش التحولات التي طرأت بفعل العولمة والتحضر والحياة في الأبراج السكنية، والتي أدت إلى تراجع هذه العلاقات، مقابل الدعوة إلى إحيائها عبر إعادة الاعتبار لقيم الثقة والاحترام والتواصل العملي بين الجيران، وترسيخها لدى الأجيال الجديدة باعتبارها ضرورة اجتماعية في عالم يزداد فردانية.

    يأتي حُسن الجوار في المرتبة الثانية بعد الأسرة بوصفه أحد أهمّ المؤسسات الاجتماعية في مجتمعاتنا، ففي الثقافة التركية وكذلك في الثقافة العربية الإسلامية، شكّل حُسن الجوار ركيزة أساسية للحياة الاجتماعية عبر التاريخ. فالعلاقات الودية بين الجيران، شأنها شأن الروابط الأسرية، تُسهم في ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز الاستقرار ودعم ازدهار المجتمع. وبفضل ما تستند إليه من أواصر الأخوّة وروح القربى، غدت هذه العلاقات إطارًا متينًا للتكافل والتضامن الاجتماعي. غير أنّ هذه القيمة اليوم تواجه تحديات متزايدة؛ إذ أدّت العولمة، والتوسع العمراني، والتحول الرقمي إلى إضعاف أنماط التفاعل التقليدية بين الجيران، مما جعل حُسن الجوار عرضةً للتراجع والانحسار.

    تزخر اللغتان العربية والتركية بأمثالٍ شعبية تُبرز مكانة حُسن الجوار وأهميته. فالمثل التركي «الجار يحتاج حتى إلى رماد جاره» يقابله في العربية قولهم: «ما استغنى جارٌ عن جار»، في تأكيد واضح على حاجة الناس بعضهم إلى بعض. كما أن المثل العربي «الجار قبل الدار» يُقابله في التركية قولهم: «لا تشترِ بيتًا، بل اختر جارًا»، وهو تعبيرٌ يُقدّم قيمة الجار الصالح على قيمة المسكن ذاته. ولأن روح التضامن الجماعي تتقدّم على النزعة الفردية في المجتمعات الإسلامية، فإن حُسن الجوار يُجسّد هذا التصور الاجتماعي بوضوح. وقد ورد الأمر بالإحسان في القرآن الكريم، كما تكرّر التأكيد عليه في الأحاديث النبوية، مما يعكس مكانته الراسخة في المنظومة الأخلاقية الإسلامية.

    تُسهم علاقات حُسن الجوار في تقليل شعور الأفراد بالوحدة وتعزيز الإحساس بالانتماء الاجتماعي. كما أن التواصل والتكافل بين الجيران يؤديان دورًا أساسيًا في الحفاظ على ثقافة الحيّ التقليدية واستمرارها. ففي الحيّ الذي يعرف فيه الجيران بعضهم بعضًا، يستطيع الأطفال اللعب بأمان، وتُلبّى احتياجات كبار السن، وتُصان أجواء الطمأنينة العامة، وكل ذلك بفضل علاقات الجوار الإيجابية. إضافةً إلى ذلك، تتيح الصداقات التي تنشأ بين الجيران نمطًا من العيش أشبه بالعائلة الواحدة، حيث يتبادل الناس الدعم في الأوقات الصعبة، مما يخفف أعباء الحياة ويعزز روح التضامن والتراحم بينهم.

    لا يقتصر حُسن الجوار على السكن المتجاور في أمان فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل منظومة من القيم الإنسانية التي تُمارَس في الحياة اليومية، مثل الثقة المتبادلة، والاحترام، وروح المساعدة، والتعاطف، والتسامح. فإلقاء السلام بين الجيران، ومساندة بعضهم بعضًا في الأوقات الصعبة، والسؤال عن الأحوال في المناسبات الخاصة، والمسارعة إلى تقديم العون عند الحاجة، كلها تشكّل الأساس الحقيقي لحُسن الجوار. كما أن مشاركة الجار أفراحه في مناسبات كالأعراس أو قدوم مولود جديد، والوقوف إلى جانبه في المرض أو العزاء، وتقاسم مشاعر الحزن والدعم، تُعدّ من أبرز صور التضامن التي تُجسّد هذه القيمة في الواقع العملي.

    في المجتمعات المسلمة، يُعدّ الجار الصالح من يَحترم خصوصية غيره، ويتجنب إحداث الضوضاء أو التسبب في أي إزعاج. وفي الماضي، كانت أطباق الطعام تُتبادَل بين الجيران، وكانت جلسات الشاي البسيطة تُعزّز الروابط وتُقوّي أواصر المودة. وكان الأطفال يختلطون في أزقة الحي، يلعبون معًا وتتشكل بينهم صداقات تستمر مدى الحياة. أمّا اليوم، فقد أصبح انشغال الأطفال بالهواتف والأجهزة اللوحية داخل المنازل يجعل إخراجهم إلى الخارج أمرًا صعبًا.

    وفي الثقافة التركية مثلٌ شائع يقول: «يُطهى عند الجار ويصلنا نصيبٌ منه»، إذ كان الجار إذا أعدّ طعامًا شهيًا يرسل منه إلى جيرانه مشاركةً لهم، وكان الطرف الآخر يردّ الطبق وفيه شيءٌ من الطعام مجاملةً وتبادلاً للكرم. وفي شهر رمضان، كان من التقاليد الراسخة دعوة الأقارب والجيران إلى موائد الإفطار، كما كانت زيارات العيد تُسهم في إحياء القيم الاجتماعية وتعزيز صلة الرحم والجوار.

    وكانت الحياة في الأحياء القديمة تتمحور حول المسجد المحلي، مما أتاح للناس فرصًا أكبر للقاء والتواصل. ولا تزال «ثقافة المجلس» المنتشرة في دول الخليج تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على تقاليد حُسن الجوار. وبينما تستمر علاقات الجوار قوية في القرى والبلدات الصغيرة، فإن حياة الشقق في المدن الكبرى أسهمت في إضعاف هذه الروابط. ففي أحياء إسطنبول قديمًا، كان الناس يجلبون الماء من النوافير المشتركة، وكانت النساء يلتقين في الأفران العامة لخبز الخبز والتواصل الاجتماعي، أما اليوم فقد اختفت معظم هذه المظاهر مع انتشار المتاجر الحديثة وتغيّر أنماط الاستهلاك.

    وفي المدن الكبرى المعاصرة، انتشرت الأبراج السكنية متعددة الطوابق، وأصبح السكان يعيشون في مسافات متقاربة مكانيًا لكنهم متباعدون عاطفيًا. بل إن المصاعد السريعة والمتعددة تقلل فرص اللقاء بينهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى البحث عن سبلٍ لإحياء علاقات حُسن الجوار في المجتمعات الحديثة، من خلال إنشاء مساحات وأنشطة مشتركة داخل الأحياء والمباني السكنية. غير أن الخطوة الأهم تكمن في إحياء قيمة حُسن الجوار ذاتها، وتعليمها للأجيال الشابة، وترسيخها بالممارسة العملية والقدوة الحسنة.

    مشاهدة بين الأمس واليوم ماذا تبق ى من ثقافة الجوار

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين الأمس واليوم ماذا تبق ى من ثقافة الجوار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين الأمس واليوم.. ماذا تبقّى من ثقافة الجوار؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار