بعد دقائق من الإفطار في ليلة الثالث عشر من رمضان، تبدأ أزقة المدينة العتيقة بالقيروان في استعادة هدوئها التدريجي بينما يتحرك الأهالي والمصلون بخطى متأنية نحو مساجد المدينة استعدادا لصلاة العشاء والتراويح. جامع ثلاث بيبان الشاهد على قرون من التاريخ العريق، يقف شامخا في قلب الحي العتيق ويظل يحكي قصة عريقة من خلال واجهته الحجرية المضيئة بأنوار خافتة تضيف على المكان بعدا روحانيا مميزا. من الخارج تتجلى العقود الثلاثة للواجهة كأقواس من نور تنساب عليها ظلال المصابيح الصغيرة فتبرز بدقة فائقة النقوش الكوفية والزخارف النباتية والهندسية المنحوتة منذ القرن الثالث الهجري. الأبواب الثلاثة، المفتوحة على الشارع تضفي على الواجهة طابعا فريدا وتتيح للزائر ملاحظة خصوصية المسجد المعمارية إذ يخلو من الصحن التقليدي ويطل بيت الصلاة مباشرة على الطريق مما يجعل الواجهة نموذجا نادرا بين مساجد القيروان. المارة يمرون على مهل، بعضهم يلتقط صورا للواجهة المتوهجة تحت الضوء المسائي وآخرون يكتفون بالتأمل في صمت كأن المكان يدعو إلى الإصغاء لا الكلام ليستعيد الزائر تاريخا يمتد لأكثر من ألف عام. الظلال التي تنسدل على الحجر ترسم خطوطا دقيقة حول النقوش فتضفي على الواجهة عمقا بصريا وروحانيا كأن كل منحوتة تحكي قصة من عصر الأغالبة حين كانت القيروان مركزا للعلم والعبادة والفن. الأزقة المحيطة بالجامع تضج بأصوات خافتة وعيش رمضاني دافئ: همسات الجيران، صدى خطوات المارة وضحكات الأطفال التي تتلاشى شيئا فشيئا مع اقتراب موعد الصلاة. روائح القهوة والشاي والتمور تتسلل من نوافذ البيوت المفتوحة بعد الإفطار فتملأ المكان بجو من الحميمية والدفء، بينما تتقاطع الحياة اليومية مع أجواء العبادة. الجامع من الخارج يعكس تلاقي الماضي بالحاضر فهو حجر وزخارف لا تتوقف عن سرد التاريخ وشاهد على حضارة تجاوزت قرونا من الزمن. وفي الليل الرمضاني، تبدو الواجهة وكأنها تضيء الروح قبل العين وتدعوك لتأمل تفاصيلها بدقة: العقود الثلاثة، الأعمدة المنحوتة والتيجان النادرة كلها تحافظ على سحرها رغم مرور أكثر من ألف ومئة عام على بنائها. على المقربة من الجامع، تتجمع بعض الأسر والأطفال في الأزقة يتحدثون بصوت منخفض ينتظرون الوقت المناسب للتوجه إلى المسجد القريب بينما يمر المارة الذين يلتقطون صورا للواجهة أو يمرّون على عتباتها في مشهد يوحي بتكامل الحياة اليومية مع العبادة دون أن يفقد المكان هدوءه ووقاره. في هذه اللحظة الفاصلة بين الإفطار وصلاة العشاء، يتحول جامع ثلاث بيبان من مجرد أثر تاريخي إلى رمز حي للروحانية والتاريخ يربط بين أجيال مضت وأخرى حاضرة. يمكن للكاميرا الخارجية أن تلتقط هنا مشهدا غنيا بالمعاني: الضوء المسائي الذي ينساب على النقوش، الظلال التي تلعب حول العقود الثلاثة، حركة الناس في الأزقة والهدوء الرمضاني الذي يغلف كل شيء بصمت عميق. هذا التوازن بين التاريخ والحياة اليومية يجعل من جامع ثلاث بيبان تجربة بصرية وروحية متكاملة حيث يمتزج عبق الماضي بنفحات الشهر الكريم. المدينة العتيقة، بصمتها وروحانيتها تبدو وكأنها تحرس المسجد وترافق زائريه منذ قرون وتعيد كل ليلة من ليالي رمضان كتابة قصة الحضارة والإيمان على جدرانها الحجرية. في نهاية الليل ومع اقتراب أذان العشاء يبقى الجامع شاهدا على الزمن على صلاة المصلين وعلى الأزقة التي لا تزال تنبض بحياة المدينة حتى قبل أن تتفتح أبوابه من جديد. وهكذا، يظل جامع ثلاث بيبان في قلب القيروان رمزا خالدا للمعمار الإسلامي ولروحانية رمضان يروي للزائر قصة مدينة وفية لتاريخها ولإيمانها في مشهد يستحق أن يخلد بالكاميرا والذاكرة معا.
ريبورتاج: مروان الدعلول
مشاهدة جامع ثلاث بيبان بالقيروان بين نور الظلال وروحانية الأزقة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جامع ثلاث بيبان بالقيروان بين نور الظلال وروحانية الأزقة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الصباح نيوز ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جامع ثلاث بيبان بالقيروان.. بين نور الظلال وروحانية الأزقة.
في الموقع ايضا :
- الجيش الإسرائيلي: استهدفنا أكثر من 70 موقعًا لـ”الحزب”
- السفير بن خثيلة: الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية ومناطق سكنية تعد خرقًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي
- القيروان.. دعوات لتحسين محطة النقل الريفي بالباطن وجلولة والعوامرية وتجميل محيطها
