ياسين أقطاي - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
إن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي يتسع نطاقها تدريجيًا، لا تغيّر فقط خطوط الجبهات، بل تُحدث أيضًا تحولات في البنية الداخلية للدول، وآليات اتخاذ القرار، والاتجاهات الأيديولوجية. وأبرز مثال على هذا التحول يحدث اليوم في الولايات المتحدة وإيران. ولرؤية ما الذي تسببه في الولايات المتحدة، ربما علينا انتظار نتائج الانتخابات النصفية بعد بضعة أشهر.
في الولايات المتحدة: لمن تغلي قدور المكاسب؟
ينظر دونالد ترامب إلى الحرب من زاوية بدائية تقوم على فكرة الغنائم التي يمكن كسبها. فهو يتحدث عن الاستيلاء على النفط، وعن مكاسب حرب همجية وبدائية. لكن الخسارة الحقيقية تقع داخل صفوفه هو نفسه. فاليوم بدأت القدور تغلي في السياسة الداخلية الأمريكية. ومن سيتأثر بهذه الغليان، وأي نوع من السياسة الأمريكية سينتج عنها، وأين ستتموضع الولايات المتحدة في توازنات العالم، كلها أسئلة مفتوحة أمام ديناميكية قابلة لكل الاحتمالات.
أما في إيران، فإن الاغتيالات، وتغيّر القيادات، والضغط العسكري المتزايد، والحصار الدولي، لا تعيد تشكيل إيران خارجيًا فقط، بل داخليًا أيضًا. وفي بداية الحرب، كان يُعتقد أن تغيير القيادة خلال ساعات سيؤدي إلى استسلام إيران كما حدث في فنزويلا. وكان يُفترض أيضًا وجود شعب معارض جاهز ومستعد لاستقبال الطائرات الأمريكية.
حسابات البيت الأبيض وتل أبيب لا تنطبق على طهران
نتيجة سلسلة من عمليات الاغتيال المتدرجة، تمّت تصفية شبه كاملة للقيادات الأولى والثانية في إيران. وهذا نمط حرب غير مسبوق. لكن من جاء بعد هذه القيادات التي تمّت إزاحتها، بدل أن يكون أكثر اعتدالًا، تبنّى خطًا أكثر تشددًا. أي أن إيران تواجه الآن قيادة أكثر راديكالية من حيث النية والاتجاه. ومع ذلك، فإن المشهد يبدو متناقضًا: إيران تصبح أكثر راديكالية من جهة، لكنها تخسر قدراتها من جهة أخرى. وهذا الوضع المزدوج يؤثر مباشرة على مسار الحرب ومستقبل السياسات الإقليمية.
إن التطورات الأخيرة في إيران، خصوصًا استهداف القيادات العليا وإقصاء الشخصيات البارزة، فرضت إعادة هيكلة جادة داخل النظام. وكما يحدث تاريخيًا في مثل هذه الحالات، فإن من يأتي بعدهم لا يكون أكثر حذرًا بل أكثر حدة. لأن ظروف الحرب لا تغذي مسارات التسوية بل تعزز ردود الفعل الأمنية. وهكذا نرى في إيران تراجع ما يُسمى بـ“الاعتدال الديني”، مقابل صعود واضح لهيمنة البنية العسكرية-البيروقراطية المرتبطة بـ“الحرس الثوري”.
مفارقة إيران: التطرّف لا يعني القوة
لكن هذا التطرّف لا يعني بالضرورة زيادة في القوة. بل على العكس، هناك تآكل واضح في القدرة العسكرية الإيرانية. فخسارة الكوادر الأساسية في العمليات الخارجية، ومشاكل التنسيق، والصعوبات اللوجستية، كلها تحد من فاعلية إيران في الميدان. كما أن استدامة استراتيجية الاعتماد على القوى الوكيلة أصبحت موضع شك. أي أن أدوات إيران تصبح أكثر حدة، لكن قدرتها على استخدامها بفعالية تتراجع.
وهذا ينعكس مباشرة على مسار الحرب. فالقيادة الأكثر تشددًا تجعل التراجع أصعب، لكن فقدان القدرة يمنع هذا التشدد من إنتاج نتائج ملموسة. وهكذا يظهر توازن بين خطاب مرتفع التأثير ونتائج محدودة. والفجوة بين الخطاب الإيراني المتشدد والقدرات الفعلية المحدودة تؤدي إلى ديناميكية تطيل أمد الصراع دون أن تنتج حسمًا.
مفارقة الولايات المتحدة: صناعة عدو غير قابل للتوقع
هذا المشهد له دلالة مهمة بالنسبة لتوقعات الولايات المتحدة من الحرب. فإحدى أهداف واشنطن الأساسية كانت دفع إيران إما إلى طاولة المفاوضات أو تقليص نفوذها الإقليمي. التطورات الحالية تبدو وكأنها تخدم جزئيًا هذه الأهداف، لكن الصورة ليست واضحة تمامًا.
فمن جهة، فإن تراجع قدرات إيران وضغط الداخل يتماشى مع الأهداف الأمريكية. لكن من جهة أخرى، تحول النظام إلى خط أكثر راديكالية يقلل من فرص التفاوض. وهذا يخلق معضلة كلاسيكية لواشنطن: إيران أضعف، لكنها في الوقت نفسه أكثر عدم قابلية للتوقع. وبالتالي، بدل أن تنتج الحرب تغييرًا سريعًا في السلوك كما تتوقع واشنطن، فإنها تخلق حالة من عدم الاستقرار أكثر تعقيدًا وطويلة الأمد.
كما أن السياسة الإقليمية الإيرانية تتغير أيضًا. فبدل النفوذ القائم على العمق الأيديولوجي والاستراتيجي، تتجه إيران نحو نموذج دفاعي. وهذا لا يعني اختفاء نفوذها، لكنه يعني تغيّر طبيعته: من التوسع إلى الدفاع، ومن التأثير إلى التمسك بالمواقع.
تراجع مصداقية خطاب إيران في العالم العربي
وفي هذا السياق، يكتسب الخطاب الإيراني أهمية إضافية. فإيران ما تزال تقدم نفسها كـ“محور المقاومة”، لكن هذا الخطاب فقد إلى حد كبير مصداقيته في العالم العربي والإسلامي. وجذور هذا التراجع تعود إلى دور إيران خلال أحداث “الربيع العربي”.
لقد مثّل “الربيع العربي” لحظة تاريخية رفعت مطالب الحرية والعدالة والمشاركة السياسية. لكن موقف إيران من هذه الأحداث كشف تناقضًا كبيرًا مع خطابها. فبينما رفعت شعارات فلسطين والمقاومة، وقفت في بعض الدول، خصوصًا سوريا، إلى جانب الأنظمة ضد الحركات الشعبية. وهذا عزز النقد القائل إن خطاب “المقاومة” الإيراني ليس رؤية عالمية للحرية، بل أداة مبنية على المصالح الجيوسياسية.
واليوم، لا يمكن فصل الخطاب الإيراني المتجدد في سياق الحرب عن هذا الماضي. فبينما قد تثير مواجهة إيران لإسرائيل تعاطفًا لدى بعض الأطراف، فإن هذا التعاطف ليس مطلقًا لدى المجتمعات التي عاشت تجربة الربيع العربي، لأن الذاكرة لا تزال حية.
تصاعد العداء الأمريكي-الإسرائيلي في العالم الإسلامي
ومع ذلك، فإن كون الهجوم الأمريكي على إيران يتم بالتعاون مع إسرائيل، يؤدي إلى تصاعد العداء والرفض الأمريكي-الإسرائيلي في العالم العربي والإسلامي إلى مستويات عالية. وهذا التناقض مفهوم. ففي نهاية المطاف، مهما حدث، فإن العلاقة بين إيران وبقية العالم الإسلامي تتحول إلى “قضية داخلية” في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ويتم تأجيلها.
خلاصة التحول
في النهاية، هذه الحرب تُحوّل إيران في ثلاثة اتجاهات: تزايد التطرّف داخليًا، وتراجع القدرة العسكرية، وتقييد الخطاب السياسي. لكنها في الوقت نفسه تضيف عنصرًا رابعًا يتمثل في تعزيز العداء ضد المحور الأمريكي-الإسرائيلي في العالم الإسلامي. وهذا العنصر الرابع، إلى جانب التحولات الثلاثة الأخرى، سيحدد ليس فقط مستقبل إيران، بل مستقبل المنطقة بأكملها.
من منظور الولايات المتحدة، تتأرجح هذه العملية بين نجاح جزئي وغموض استراتيجي. فبينما يتماشى إضعاف إيران مع أهداف واشنطن، فإن البنية الأكثر تشددًا وغير القابلة للتوقع التي تنشأ تخلق مخاطر جديدة.
أما بالنسبة للمنطقة، فالمسألة أعمق: هذه الحرب لا تعيد فقط تشكيل موازين القوة، بل تعيد أيضًا تعريف العلاقة بين الحرية والمقاومة، وبين التدخل الاستعماري وفكرة الوحدة الإسلامية.
وفي النهاية، إيران في هذه الحرب ليست أمام خيار النصر أو الهزيمة فقط، بل أمام عملية تحول؛ وهذه العملية لن تعيد تعريف إيران وحدها، بل المنطقة بأكملها.
مشاهدة مكاسب وخسائر الحرب في الولايات المتحدة وإيران
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مكاسب وخسائر الحرب في الولايات المتحدة وإيران قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مكاسب وخسائر الحرب في الولايات المتحدة وإيران.
في الموقع ايضا :
- جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران؟
- قفزة في الاقتصاد المصري.. ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بالربع الثالث 2025/2026
- وحدات إنقاذ مغربية تواصل البحث عن جنديين أمريكيين مفقودين
