الفقر الصامت: رسائل لا تقرأها ولا تفهمها إلا القلوب ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
الفقر الصامت: رسائل لا تقرأها ولا تفهمها إلا القلوب
 كتب -اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني في المجتمعات التي تشتد عليها الضغوط الاقتصادية كالمجتمع الأردني، لا يظهر الفقر دائمًا في صورته التقليدية المعروفة. فليس كل محتاج يقف على أبواب الناس والمؤسسات والمساجد ويطلب المساعدة، وليس كل من أثقلته الحياة يملك القدرة على الشكوى أو البوح. هناك نوع آخر أكثر قسوة وتعقيدًا؛ فقرٌ صامت يختبئ خلف الأبواب المغلقة، ويتوارى خلف ملامح متماسكة وابتسامات مجاملة، حتى يكاد أقرب الناس إلى أصحابه لا يشعرون به. هذا النمط من الفقر، والذي قد يكون أكثر إنتشارا وقسوة، لا تكشفه الإحصاءات الرسمية وحدها، ولا تلتقطه المؤشرات الاقتصادية الجامدة، لأنه يرتبط بثقافة اجتماعية عميقة تقوم على التعفف وصون الكرامة والخوف من إظهار الحاجة. ولذلك وصف القرآن هذه الفئة بدقة بالغة حين قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. الفقراء الصامتون يتعايشون مع ضيق ذات اليد محتفظين بكبريائهم، مما يجعل رصدهم ومساعدتهم تحدياً يتطلب تضامناً مجتمعياً وتلمساً دقيقاً لحاجاتهم الحقيقية. فالمشهد هنا لا يتعلق بأشخاص لا يحتاجون، بل بأشخاص يجيدون إخفاء حاجتهم حتى تبدو عليهم علامات الاكتفاء. هؤلاء الأشخاص يجمعون بين ألم العوز وألم الكتمان، مما يولد لديهم ضغوطاً نفسية واجتماعية خفية. وتختصر إحدى القصص الاجتماعية المتداولة هذه الحقيقة بصورة مؤلمة؛ رجل عاد إلى منزله فلاحظ ملابس قديمة وممزقة منشورة على حبال الغسيل. استغرب وجودها، قبل أن تخبره زوجته بأنها تعود لأخيه الذي طلبت زوجته نشرها عندهم. عندها فقط أدرك الرجل أن أخاه يعيش ضائقة قاسية دون أن يبوح بها أو يطلب العون. تكمن قوة هذه القصة في رمزيتها الاجتماعية العميقة؛ فالفقر هنا لم يعلن نفسه بالكلمات، بل تسرب عبر التفاصيل الصغيرة. عبر الملابس القديمة الباهتة، أو تغير العادات اليومية، أو اختفاء بعض المظاهر البسيطة التي كانت تبدو عادية في السابق. إنها إشارات خافتة لا يلتقطها إلا من يمتلك حسًا إنسانيًا يقظًا، وقلبًا لم تستهلكه او تستحوذ عليه مشاغل الحياة. المشكلة الحقيقية أن مجتمعاتنا، رغم اتساع مظاهر العمل الخيري والمؤسسي فيها ، بدأت تفقد تدريجيًا قدرتها على اكتشاف هذا النوع من الاحتياج والفقر الدفين. فالعلاقات الاجتماعية أصبحت أكثر سطحية، والتواصل الأسري بات في كثير من الأحيان أقرب إلى المجاملات العابرة منه إلى المتابعة الحقيقية لأحوال الناس. بل إن بعض الأفراد قد ينشغل بالمبادرات العامة والعمل الخيري البعيد، بينما يوجد في دائرته الضيقة قريب أو جار يواجه ضائقة حقيقية بصمت كامل. ومن هنا جاءت عناية الإسلام بالأقربين قبل غيرهم، ليس فقط باعتبار ذلك قيمة أخلاقية ودينية، بل باعتباره ضرورة لحماية التماسك الاجتماعي. فالأسرة والعائلة والجوار ليست مجرد روابط شكلية، وإنما شبكة أمان يفترض أن تمنع الإنسان من السقوط وحيدًا في مواجهة الحاجة والفاقة. ولهذا لم يقدم القرآن مساعدة ذوي القربى بوصفها تفضّلًا اختياريًا، بل باعتبارها حقًا أصيلًا: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. ولم يكتفِ المنهج النبوي بالدعوة العامة إلى الإحسان، بل ربط حقيقة الإيمان نفسها بالإحساس بحاجة القريب والجار؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه". ويحمل هذا الحديث دلالة اجتماعية عميقة؛ فالقضية لا تتعلق فقط بإطعام جائع، بل ببناء مجتمع يقظ إنسانيًا، لا يسمح بأن يعيش الإنسان معزولًا عن آلام من حوله. فحين يصبح الجار جائعًا دون أن يشعر به أحد، أو يضطر القريب لإخفاء ضائقته خجلًا، فإن الخلل لا يكون اقتصاديًا فقط، بل أخلاقيًا واجتماعيًا وإيمانيا أيضًا. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، يصبح هذا المعنى أكثر إلحاحًا. فالكثير من الأسر لم تصل بعد إلى مرحلة السؤال العلني، لكنها تعيش حالة استنزاف يومي صامت؛ موظفون تستنزفهم الديون، وأرامل يخفين عجزهن، وأسر باتت تؤجل العلاج أو التعليم أو حتى بعض الاحتياجات الأساسية حفاظًا على الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية. ومع اقتراب مواسم الطاعة، وعلى رأسها العشر الأوائل من ذي الحجة وعيد الأضحى، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف معنى القرب من المجتاجين حولنا. فليست العبادة معزولة عن الواقع الإنساني، ولا يُختزل التقرب إلى الله في الشعائر وحدها، بينما يبقى المحتاجون في دوائرنا القريبة يواجهون أزماتهم بصمت. إن أخطر ما في الفقر الصامت أنه لا يطلب النجدة ولا يطرق الأبواب، ولذلك قد يمر دون أن يلاحظه أحد. وهنا تتجلى مسؤولية المجتمع، لا في انتظار الاستغاثة، بل في امتلاك القدرة على قراءة الرسائل الخفية التي تتركها الحاجة خلفها؛ في ملامح التعب والمعاناة، وفي تغير السلوك، وفي التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة لكنها تقول الكثير. فبعض الناس لا يتقنون طلب المساعدة، لأن كرامتهم أعلى من أن تسمح لهم بذلك. وبعض الأزمات لا تُعلن نفسها بالكلمات، بل تترك آثارها بصمت على وجوه أصحابها وتفاصيل حياتهم اليومية. ولذلك، فإن أكثر القلوب إيمانا وإنسانية ليست تلك التي تستجيب بعد النداء، بل تلك التي تسمع النداء قبل أن يُقال.   .

مشاهدة الفقر الصامت رسائل لا تقرأها ولا تفهمها إلا القلوب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الفقر الصامت رسائل لا تقرأها ولا تفهمها إلا القلوب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الفقر الصامت: رسائل لا تقرأها ولا تفهمها إلا القلوب.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار