بعد يوم الاستقلال: الأردن بين ذاكرة العمر ومسؤولية الغد ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
بعد يوم الاستقلال: الأردن بين ذاكرة العمر ومسؤولية الغد
  قبل أيام، كتبت عن عيد الاستقلال الأردني الثمانين، كتبت عنه من زاوية الذاكرة والرحلة والمعنى، وكأنني أستبق المناسبة بشيء من الشوق الوطني والتأمل الهادئ. كنت أرى الاستقلال وهو يقترب محمّلًا بالرموز والصور والرايات والأناشيد، وكنت أستعيد معه حكاية وطن لم يولد سهلًا، ولم يكبر في ظروف مريحة، لكنه ظل قادرًا على أن يصنع من الصبر دولة، ومن القليل معنى، ومن الجغرافيا الصعبة بيتًا اسمه الأردن. أما اليوم، فأنا أعيد الكتابة بعد يوم الاحتفال. أكتب لا من حرارة المناسبة، بل من هدوء ما بعدها. فالأمس كان يوم الفرح، يوم العلم، يوم الكلمات الوطنية، يوم استحضار التاريخ. أما اليوم فهو يوم السؤال: ماذا يبقى من الاستقلال بعد أن تنتهي الاحتفالات؟ ماذا يبقى في الشارع، وفي المؤسسة، وفي عقل المواطن، وفي قلب الشاب الذي يبحث عن غده؟ وأنا أكتب اليوم، لا أكتب كمراقب بعيد، بل كرجل عاش عمره مع هذا الوطن، وكطيار متقاعد رأى الأردن من الأرض ومن السماء. أنا من مواليد تشرين الأول عام 1955، وحين وُلدت كان عمر الاستقلال الأردني لا يتجاوز تسع سنوات وبضعة أشهر. كان الأردن يومها طفلًا في عمر الدولة، كما كنت أنا طفلًا في عمر الحياة. كبرنا معًا، كلٌّ بطريقته: كبرتُ أنا في حضن وطن يتشكّل، وكبر الأردن وسط عواصف المنطقة، يبحث عن مكانه، وعن صوته، وعن قدرته على البقاء. هذه المقارنة ليست رقمًا عابرًا في الذاكرة. حين وُلدت، كان الاستقلال ما يزال قريبًا من يومه الأول، وما تزال الدولة الأردنية في بدايات تثبيت مؤسساتها وبناء شخصيتها. واليوم، وأنا أرى عيد الاستقلال الثمانين، أشعر أنني لا أقرأ تاريخًا عامًا فقط، بل أقرأ جزءًا من عمري الشخصي. فبين طفل وُلد بعد الاستقلال بتسع سنوات، وطيار متقاعد يكتب بعد ثمانين عامًا من ميلاد الدولة المستقلة، تمتد حكاية طويلة من التحوّل والصبر والاختبار. ربما تكون الكتابة بعد المناسبة أكثر صدقًا من الكتابة قبلها. قبل المناسبة نكتب بالعاطفة المنتظرة، أما بعدها فنكتب بما تبقّى من المعنى. والاحتفال الحقيقي لا يُقاس بعدد الأعلام التي رُفعت، بل بالأثر الذي يتركه العيد في وعينا. فالاستقلال ليس يومًا نمرّ به، بل امتحان طويل نعيشه كل يوم. ثمانون عامًا من الاستقلال ليست رقمًا عابرًا في عمر الدولة الأردنية. إنها عمر من الصمود والتجربة والاختبار. منذ عام 1946، لم يكن الأردن دولة تنعم بترف الموارد أو بهدوء الجغرافيا، بل كان وطنًا يقف في قلب منطقة قلقة، تحيط به الأزمات، وتثقل كاهله التحديات، ومع ذلك استطاع أن يحافظ على اسمه واستقراره. وهنا يستحق الأردن أن نمدحه بلا تردد. يستحق أن نقول إنه وطن صمد حين كان السقوط قريبًا من كثيرين. وطن حافظ على مؤسساته، وجيشه، وأمنه، ومدارسه، وجامعاته، وإدارته، رغم كل ما مرّ على المنطقة من اضطراب. يستحق أن نفخر بأنه ظل بيتًا للناس، وملاذًا للباحثين عن الأمان، وصوتًا عاقلًا في زمن ارتفعت فيه أصوات كثيرة بلا حكمة. لكن حب الأردن لا يعني أن نكتفي بالمدح. فالمدح وحده قد يتحول إلى ستار ناعم يخفي ما يجب أن نراه. والوطن الذي نحبه لا نخدمه حين نجمله أكثر من اللازم، بل نخدمه حين نقول له الحقيقة بمحبة. نعم، نحن نعتز بالأردن، لكننا نعرف أيضًا أن أمامه تحديات ثقيلة لا يجوز إنكارها أو تأجيل الحديث عنها. هناك بطالة تؤلم الشباب، وهناك غلاء يضغط على الأسر، وهناك فجوة بين العاصمة وبعض المحافظات، وهناك شعور لدى كثيرين بأن الفرصة لا تصل دائمًا إلى من يستحقها. وهناك بيروقراطية تُتعب المواطن، وواسطة تجرح العدالة، ومؤسسات تحتاج إلى تجديد في الروح قبل الشكل. هذه ليست كلمات ضد الوطن، بل كلمات من أجله. فالنقد الوطني ليس خصومة، بل مسؤولية. في يوم الاستقلال نرفع العلم عاليًا، وهذا واجب جميل. لكن بعد يوم الاستقلال، يجب أن نسأل: هل رفعنا معه مستوى العدالة؟ هل رفعنا مستوى التعليم؟ هل رفعنا كرامة المواطن؟ هل جعلنا القانون أقرب إلى الناس، والخدمة العامة أكثر احترامًا، والفرصة أكثر إنصافًا؟ فالعلم لا يكون عاليًا فقط على السارية، بل يكون عاليًا حين يشعر المواطن أن كرامته عالية أيضًا. لقد نجح الأردن في حماية الاستقرار، وهذه نعمة كبيرة لا يعرف قيمتها إلا من رأى الفوضى حوله. لكن الاستقرار لا يجب أن يكون سقف الطموح. لا يكفي أن نقول إننا أفضل من غيرنا، بل يجب أن نسأل: هل نحن أفضل مما كنا؟ وهل نستطيع أن نكون أفضل مما نحن عليه الآن؟ فالأوطان الحية لا تقارن نفسها بالخراب من حولها، بل تقارن نفسها بما تستحقه من مستقبل. الاستقلال اليوم لم يعد مجرد سيادة سياسية وحدود محمية وقرار وطني مستقل، رغم أن هذه كلها عناصر أساسية لا يمكن التقليل منها. الاستقلال اليوم يعني أيضًا اقتصادًا قويًا، وتعليمًا حديثًا، وإدارة نزيهة، وشبابًا قادرًا على العمل، ومواطنًا لا يشعر أن حلمه مؤجل إلى أجل غير معروف. الاستقلال في القرن الجديد هو أن لا يكون الإنسان غريبًا في وطنه، ولا عاجزًا أمام مؤسساته، ولا خائفًا على مستقبل أبنائه. الأردن لا يحتاج إلى مواطن يصفق فقط، بل إلى مواطن يشارك. لا يحتاج إلى حب صامت، بل إلى حب عامل. لا يحتاج إلى خوف من النقد، بل إلى وعي يفرّق بين النقد الذي يهدم والنقد الذي يبني. فالأوطان لا تكبر بمن يمدحها دائمًا، ولا بمن يجلدها دائمًا، بل بمن يحبها بما يكفي ليحمي إنجازها ويواجه أخطاءها في الوقت نفسه. بعد يوم الاحتفال، تبدو صورة الوطن أكثر وضوحًا. نرى فيها الفخر، ونرى فيها التعب. نرى فيها الإنجاز، ونرى فيها النقص. نرى فيها دولة صمدت، ومجتمعًا تحمّل، وشبابًا ينتظر، ومستقبلًا يحتاج إلى قرارات شجاعة. وهذا لا يقلل من الأردن، بل يجعله أكثر إنسانية وواقعية. فالوطن الحقيقي ليس لوحة مثالية بلا خدوش، بل بيت نحبّه ونرممه كلما تعب. في عيد الاستقلال الثمانين، ثم في اليوم الذي يليه، أجد أن المعنى الأعمق ليس في أن نقول: لقد مضت ثمانون سنة. بل أن نسأل: ماذا سنفعل في السنة الحادية والثمانين؟ أي أردن نريد أن نتركه لأبنائنا؟ أردن يكتفي بأن ينجو، أم أردن يقرر أن ينهض؟ أردن يحرس ذاكرته فقط، أم أردن يصنع غده بشجاعة؟ الأردن يستحق أن نفرح به، نعم. لكنه يستحق أكثر أن نعمل من أجله. يستحق أن نمدحه حين ينجز، وأن ننتقده حين يتعثر، وأن نحميه حين يُستهدف، وأن نصلحه حين يحتاج إلى إصلاح. فالوطن ليس فكرة نحبها من بعيد، بل مسؤولية نعيشها من الداخل. بالأمس احتفلنا بالاستقلال. واليوم، بعد أن هدأ صوت الاحتفال، يبدأ الامتحان الحقيقي. يبدأ حين يعود كل واحد منا إلى موقعه، إلى عمله، إلى قلمه، إلى مؤسسته، إلى ضميره، ويسأل نفسه: هل أنا جزء من قوة هذا الوطن أم جزء من تعبه؟ الاستقلال ليس ذكرى تنتهي بانتهاء اليوم الوطني. الاستقلال عهد يتجدد كل صباح. والأردن، بعد ثمانين عامًا، لا يزال قادرًا على أن يكتب فصلًا أجمل من حكايته، إذا امتلكنا شجاعة الحب، وصدق النقد، وإرادة العمل. بالأمس كان عيد الاستقلال، أما اليوم فهو يوم الوفاء الحقيقي له. فالاحتفال يرفع الصوت، لكن العمل يرفع الوطن.   .

مشاهدة بعد يوم الاستقلال الأردن بين ذاكرة العمر ومسؤولية الغد

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بعد يوم الاستقلال الأردن بين ذاكرة العمر ومسؤولية الغد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بعد يوم الاستقلال: الأردن بين ذاكرة العمر ومسؤولية الغد.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار