سليمان سيفي أوغون - يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس
تعيش الولايات المتحدة وإسرائيل حالة اختناق كبيرة في إيران.
لقد علّقتا الحرب في حالة فشل كامل. وبصراحة، أفسدتا الأمر على نحو فاضح. أما وقف إطلاق النار الذي أُعلن بعد أربعين يوماً من المعارك فقد أوجد مأزقاً آخر. ويمكن اعتبار تصريحات ترامب المتغيرة من ساعة إلى أخرى، والتي أوصلت مفهوم التناقض إلى ذروته، الدليل الأبرز على هذا الانسداد.
فقد فشلتا في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنتاها للعالم عند بدء الحرب. والنظام الإيراني الذي كانت شرعيته موضع تشكيك منذ زمن طويل حاز دعماً اجتماعياً أكبر من أي وقت مضى. أي إنهما لم تفشلا فقط في إسقاط النظام، بل لم تتمكنا حتى من إنهاكه. إن قتلهما عدداً كبيراً من رجال الدولة الإيرانيين مثل خامنئي ولاريجاني، والدمار الكبير الذي أحدثته الغارات المكثفة داخل البلاد، أدى، على عكس المتوقع، إلى مزيد من تماسك الشعب الإيراني حول النظام.
يمكننا أن نقدّر أن المنشآت النووية الإيرانية تعرضت لأضرار خلال الحرب. لكن هذه الأضرار لم تكن كافية لتدمير البرنامج النووي كما كان مأمولاً. أما العملية الخاصة التي نفذتها القوات الأمريكية الخاصة للاستيلاء على اليورانيوم الموجود لدى إيران فقد انتهت بفضيحة كاملة. ويبدو أن إيران تملك القدرة على إصلاح هذه الأضرار خلال فترة قصيرة ومواصلة برنامجها النووي.
كما اتضح أن القدرات الصاروخية الإيرانية، التي يبدو أنها استعدت لهذه الحرب منذ عشر سنوات، كانت أعلى بكثير مما كان متوقعاً. وتشير التصريحات إلى أن إيران لم تستخدم حتى نصف قدراتها خلال حرب الأربعين يوماً. وإذا أخذنا في الاعتبار أنها عوضت نواقصها أثناء وقف إطلاق النار، فمن الممكن توقع أنها ستواجه الولايات المتحدة وإسرائيل بكامل طاقتها إذا اندلعت الحرب مجدداً. كما ليس من الصعب الافتراض أنها اكتسبت خبرة مهمة في إصابة الأهداف، وأن نسبة إصاباتها ستزداد أكثر إذا تكرر القتال.
في المقابل، يبدو الوضع مختلفاً تماماً في إسرائيل والولايات المتحدة. فعلى الرغم من التعتيم الإعلامي، يمكننا أن نشعر بأن إسرائيل تعرضت لدمار كبير جداً خلال حرب الأربعين يوماً. وإضافة إلى ذلك، فإنها تعاني من خسائر كبيرة في قدراتها، ويُقال إن تعويض هذه الخسائر التي تفرض أعباء مالية ثقيلة سيكون صعباً للغاية خلال فترة قصيرة.
ولا حاجة لتكرار الأمر ذاته بالنسبة إلى الولايات المتحدة. لكن ما هو أخطر بكثير بالنسبة لها هو فقدان الهيبة الذي تعرضت له خلال هذه الحرب. فهي لم تتمكن حتى من إدخال حاملات الطائرات العملاقة التي كانت تتباهى بها إلى ساحات القتال. وإضافة إلى ذلك، تتداول الأخبار عن إصابة إحدى الحاملات، وعن اكتشاف أعطال في أخرى. كما نعلم من المصادر المفتوحة أنها خسرت عدداً كبيراً من الطائرات والمروحيات والآليات المدرعة.
والأسوأ من ذلك أن عشرات القواعد العسكرية التي تشكل ضمانة هيمنتها في الخليج أصبحت غير قابلة للاستخدام مع تجهيزاتها الحرجة والباهظة الثمن. وإعادة هذه القواعد إلى وضعها السابق تتطلب وقتاً طويلاً ونفقات ضخمة. ومن الواضح أن التكاليف المالية التي تحملتها الولايات المتحدة في هذه الحرب تجاوزت بكثير الأرقام التي قدمها هيغسيث إلى الكونغرس الأمريكي.
أما الأسوأ على الإطلاق فهو أن الولايات المتحدة تعرضت لخسارة ثقة لا يمكن علاجها في نظر حلفائها في الخليج. ويبدو أن إعادة بناء هذه الثقة أصبحت أمراً مستحيلاً.
في ظل هذه الظروف، توجد عوائق جدية أمام نتنياهو وترامب لبدء حرب جديدة. ومن الواضح أن هذا هو السبب الأساسي للانسداد الحالي. فهما لا يعرفان ماذا سيفعلان ولا كيف سينقذان نفسيهما من هذا المأزق.
وأعتقد أن طريق الزعيمين بدأ يتباعد في هذه المرحلة. فنتنياهو لا يملك مخرجاً سوى الحرب. إنه زعيم مرضي جعل من الحروب اللامتناهية رأسماله السياسي الوحيد. وهو يخاطب أمةً تعاني غالبيتها الساحقة من حالة مرضية. والشرط الوحيد لبقائه هو استمرار الحروب بلا انقطاع.
أما ترامب، فتنتظره انتخابات نوفمبر التي سيدخلها وسط عيوب ثقيلة. والرأي العام الأمريكي لا يهتم كثيراً بالحرب، لكن التضخم الناتج عنها، ولا سيما ارتفاع أسعار الوقود، يمثل قضيته الأولى. وترامب لا يملك ترف خسارة الانتخابات. ولهذا فهو بحاجة إلى انتصار.
ويبدو أن تصريحاته المتغيرة يومياً مرتبطة إلى حد ما بالحسابات التي تفرضها تقارير ذلك اليوم. فإذا كانت التقارير الواردة تدفع نحو الحرب، فإنه يندفع مطلقاً التهديدات. أما إذا كان العكس، فإنه يتحدث عن المفاوضات.
وخلاصة القول، ويا للأسف، إن ما يحدد مصير هذه المنطقة ليس المصالح الوطنية للحليفين، بل حساباتهما الشخصية المتعلقة بمستقبلهما السياسي. وهؤلاء السياسيون لا يتسببون بالخسائر لهذه المنطقة فحسب، بل يضرون أيضاً، بصورة موضوعية، بدولهم وشعوبهم.
والآن لنأتِ إلى السؤال الأساسي.
لا أدري إن كنتم قد لاحظتم ذلك، لكن أخباراً تبدو للوهلة الأولى غير مرتبطة بالموضوع تتسرب هذه الأيام. عشرات الآلاف من الناس، ومعظمهم من أصحاب الياقات البيضاء، يفقدون وظائفهم. وإذا استمر هذا الاتجاه فسنصل إلى أرقام بالملايين.
وقد تحدث بوتين في آخر تصريحاته عن اختفاء كثير من الوظائف قريباً مع العاملين فيها. كما أن الأخبار الواردة من مناطق مختلفة من العالم، وخاصة من المحيط الهادئ، تفيد بأن العاملين بدأوا يواصلون أعمالهم من منازلهم بأجور أقل بسبب الأضرار التي خلفتها الحرب في الخليج وما نتج عنها من اختناقات وتراجع في إمدادات الطاقة.
وفي الوقت نفسه، تشير الأخبار إلى أن البحر الأسود أصبح أكثر خطورة ليس فقط بالنسبة لسفن الطاقة، بل أيضاً لسفن نقل المواد الغذائية.
كما تشهد منشآت الطاقة في أنحاء مختلفة من العالم انفجارات غامضة.
وفي هذه الأثناء، بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل إلى حياتنا بصورة مباشرة. وتتزايد الحملات التي تشرح كيف سيجعل الذكاء الاصطناعي المدمج في الهواتف المحمولة حياتنا أسهل.
وثمة أمر آخر؛ فالسيارات الكهربائية تنتشر بوتيرة هائلة.
وباختصار، نحن على أعتاب تحول بالغ الأهمية. ومن الواضح جداً أن هذا التحول سيفضي إلى سلسلة ثقيلة من الأزمات الإنسانية.
ولا يبدو بناء عالم تقني أمراً سهلاً. ويمكننا أن نرى أن أباطرة التكنولوجيا يكرسون جميع استثماراتهم لفتح قنوات قبول تقود البشرية إلى هذا الفخ الذي يضمن لهم السيطرة المطلقة عليها.
أي إنهم منخرطون في نشاط محموم لبناء هيمنة جديدة.
والشرط الأساسي لذلك هو جعل الناس يتخلون عن السعي إلى الحرية. ولهذا يرون أنه لا سبيل آخر سوى إقامة ديستوبيا ترفع الحاجة إلى الأمن إلى أقصى مستوياتها.
إن النخب السياسية المتعفنة والفاسدة في مختلف أنحاء العالم تؤدي الأدوار الرئيسية في هذه الديستوبيا. وهي تجعل المؤسسة السياسية، التي تمثل آخر مخرج قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، بلا قيمة في أعين الجماهير.
وعندما تنهار المؤسسات، فمن الواضح أن الفراغ الناشئ سيملؤه، في أفضل الأحوال، قادة بونابرتيون أو فالانجيون، وفي أسوأ الأحوال نسخ مشوهة من الزعماء النازيين.
وأعتقد أن هؤلاء هم من سيتولون إدارة مرحلة الانتقال.
فلا يبدو أن هناك طريقة أخرى لإدخال الجماهير التي أنهكتها الحروب الثقافية والحروب الأهلية والحروب الإقليمية، والتي تعاني من نقص الغذاء والطاقة، إلى شبكة الأمن المطلقة التي يعد بها العالم التقني، مقابل التخلي الطوعي عن الحريات الفردية.
هل يمكن أن تكون كل تقييماتنا الجيوسياسية مجرد محاولة لتحويل سيناريو ديستوبي غير عقلاني، عبر جهد ذهني قسري، إلى توقع يوتوبي ومعقول؟
هذا هو السؤال الذي يرفرف في ذهني هذه الأيام.
وأردت أن أشاركه معكم...
مشاهدة بين الجيوسياسة والديستوبيا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين الجيوسياسة والديستوبيا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين الجيوسياسة والديستوبيا.
في الموقع ايضا :
- بربماني: قانون الأحوال الشخصية يحتاج لحوار رأي الأزهر ضرورة
- شاهد البث المباشر لمباراة المصري ضد زد إف سي في نصف نهائى كأس العاصمة
- بث مباشر.. شاهد مباراة مصر والمغرب في كأس أمم أفريقيا للناشئين
