أعاد المسار الذي يشقه المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم 2026 إلى الواجهة نقاشا يتجاوز الجوانب الفنية للمباريات، ليمتد إلى طبيعة تفاعل الجماهير مع الأداء الفردي للاعبين. ومع كل مباراة تتشكل على منصات التواصل الاجتماعي موجة جديدة من المواقف والانطباعات، تتأرجح بين الإشادة والانتقاد، وفق ما تفرزه النتيجة أو تحسمه لقطة واحدة داخل المستطيل الأخضر؛ فيما يصف مختصون في علم النفس الرياضي هذا السلوك بـ”سيكولوجية النتائج”، حيث تصبح النتيجة النهائية الإطار الذي يوجه قراءة الجمهور لكل ما سبقها من أحداث.
وتقدم مباريات “أسود الأطلس” في المونديال نماذج حية لهذه الظاهرة؛ فإبراهيم دياز تحول إلى حديث المتابعين بعد مستواه اللافت أمام البرازيل واسكتلندا، قبل أن تتراجع أسهمه لدى غالبية الجماهير مع مباريات لاحقة لم يظهر فيها بالفاعلية نفسها، كما عاش عيسى ديوب المسار ذاته، إذ وجد نفسه تحت ضغط الانتقادات بعد تمريرة ناقصة كادت تربك المنتخب أمام البرازيل، قبل أن ينتقل إلى واجهة الإشادة الجماهيرية مباشرة بعد هدف التعادل الذي سجله أمام هولندا في الوقت الحاسم، وهو هدف أعاد المغرب إلى أجواء المباراة وفتح باب التأهل إلى الدور الموالي.
المشهد نفسه رافق عز الدين أوناحي، الذي واجه كما كبيرا من الملاحظات خلال دور المجموعات، قبل أن تتغير لغة التعليقات مع استعادة حضوره في وسط الميدان وارتفاع تأثيره في إيقاع اللعب. وتكشف هذه التحولات أن الرأي العام الكروي يتفاعل مع الصورة الآنية أكثر من تفاعله مع الأداء الكامل، فتتغير معها الأحكام بسرعة كبيرة، وتنتقل الشخصيات الرياضية من دائرة الانتقاد إلى دائرة الاحتفاء، أو العكس، خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي خضم هذا التفاعل تمر أدوار فنية عديدة دون أن تحظى بالاهتمام نفسه. ويبرز اسم بلال الخنوس ضمن اللاعبين الذين فرضوا حضورا مؤثرا في المنظومة التكتيكية للمنتخب، من خلال التحرك المستمر، والضغط على المنافس، وتأمين الربط بين الخطوط، والمساهمة في إخراج الكرة وبناء الهجمات.
ورغم هذا المردود ظل حضور لاعب شتوتغارت الألماني في النقاشات الرقمية محدودا مقارنة بزملاء ارتبطت أسماؤهم بالأهداف أو التمريرات الحاسمة؛ ما يعكس ميل الجمهور إلى ربط التقييم بالمشهد الأخير الذي يبقى عالقا في الذاكرة أكثر من تفاصيل العمل الجماعي الذي يسبق صناعة النتيجة.
وتترجم هذه الظاهرة طبيعة العلاقة التي باتت تربط كرة القدم بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتسارع وتيرة إصدار الأحكام مع كل مباراة، وتتداخل العاطفة مع التحليل في صناعة الرأي العام الرياضي. وبين إشادة اليوم وانتقادات الغد يواصل المنتخب الوطني كتابة فصل استثنائي في المونديال، فيما يواصل الجمهور، بدوره، إعادة صياغة روايته للأبطال مع كل صافرة بداية ونهاية.
قال هشام العمراني، اللاعب الدولي المغربي السابق، إن التفاعل الكبير الذي تبديه الجماهير المغربية مع مباريات المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم 2026 يندرج ضمن السلوك الطبيعي للمشجع، الذي يربط تقييمه للأداء الكروي بالنتيجة النهائية أكثر من ارتباطه بالجوانب التقنية أو التكتيكية للمباراة، مشيرا إلى أن الانتصار ينعكس مباشرة على المزاج العام ويولد حالة من الفرح الجماعي تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
وأوضح العمراني، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الفوز الذي يحققه المنتخب الوطني يمنح الجماهير طاقة نفسية إيجابية، ويفرز، بتعبيره، “هرمون السعادة”، وهو ما يفسر مظاهر الاحتفال التي تشهدها الشوارع والساحات العمومية عقب كل انتصار، حيث يتقاسم المغاربة مشاعر الفخر والاعتزاز داخل الأسر وبين الأصدقاء والأحباب، انطلاقا من المكانة التي يحتلها المنتخب الوطني في الوجدان الجماعي.
وفي تفاصيل الظاهرة النفسية أكد المحلل الرياضي نفسه أن الجمهور لا يتعامل مع المباريات بعقلية المحلل أو المدرب، وإنما بعاطفة المشجع الذي يبحث عن الانتصار قبل أي اعتبار آخر، لذلك تتغير ردود الفعل بشكل سريع تبعا للنتائج؛ إذ تتحول الإشادة إلى انتقاد والعكس صحيح بحسب ما تفرزه المباراة من أحداث.
وتابع المتحدث ذاته: “حين يحقق المنتخب الفوز تبدو الأمور كلها إيجابية في نظر الجماهير، بينما تقود أي نتيجة غير مرضية إلى توجيه الانتقادات نحو اللاعبين الذين لم يقدموا المستوى المنتظر، سواء بسبب إهدار الفرص أو ارتكاب أخطاء دفاعية أو سوء التعامل مع بعض تفاصيل المباراة، في حين يحظى اللاعبون الذين يصنعون الفارق بإشادة واسعة بعد كل انتصار”.
وفي هذا الصدد ذكر الدولي المغربي ذاته أن ما يثير استغرابه لا يتعلق بردود فعل الجماهير، لأنها تبقى مفهومة بحكم طبيعة التشجيع، وإنما بانسياق بعض المحللين والتقنيين وراء الأحكام العاطفية المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، رغم أن دورهم يفرض عليهم تقديم قراءة احترافية تستند إلى التحليل الفني والوقائع التكتيكية بعيدا عن تأثير النتيجة وحدها.
وتطرق هشام العمراني أيضا إلى الفارق بين المشجع والمحلل الرياضي، موضحا أن الجمهور ينظر إلى المباراة بعين الانتصار والفرحة الآنية، بينما تقتضي مهنة التحليل قراءة تفاصيل اللقاء، وتفسير الاختيارات الفنية، وإبراز الجوانب الإيجابية والسلبية بموضوعية، بشكل يمنح المتلقي فهما أعمق لما جرى داخل أرضية الملعب.
وفي رده على أسئلة هسبريس بشأن تأثير هذا التفاعل الجماهيري على أداء ونفسية اللاعبين نبه المتحدث ذاته إلى أن الأمر يختلف باختلاف شخصية كل لاعب ومستوى نضجه الاحترافي، لافتا إلى أن الانتقاد قد يشكل حافزا إيجابيا يدفع اللاعب إلى مضاعفة العمل واستعادة مستواه الحقيقي، كما قد يتحول إلى عامل سلبي بالنسبة للاعب الذي يفتقد الثقة في النفس أو يعاني هشاشة على المستوى الذهني.
وشدد العمراني على أن اللاعب المحترف مطالب بتحويل الضغط الجماهيري إلى دافع للتطور، مستحضرا في هذا السياق حالة عز الدين أوناحي، الذي تعرض لانتقادات عقب مباراة البرازيل، قبل أن يعترف خلال الندوة الصحافية التي سبقت مواجهة اسكتلندا بأن أداءه لم يكن في مستوى تطلعات الجماهير، مؤكدا عزمه على العمل والعودة إلى المستوى الذي ينتظره منه المغاربة، وهو ما اعتبره المحلل ذاته نموذجا لكيفية استثمار النقد في تطوير الأداء.
وبخصوص “عقلية الجمهور” أورد المصرح عينه أن المشجع المغربي يظل وفيا للمنتخب الوطني، غير أن أحكامه تصدر في الغالب تحت تأثير العاطفة والانفعال اللذين يرافقان المباريات الكبرى، لذلك تبقى النتيجة هي العامل الأكثر حضورا في تشكيل مواقفه، فيما يظل التقييم الفني الهادئ مسؤولية المحللين والمتخصصين أكثر من كونه مسؤولية الجمهور.
ذاكرة لا ترحم
تعليقا على الجدل المتواصل الذي يرافق أداء لاعبي المنتخب الوطني المغربي خلال نهائيات كأس العالم 2026 أكد ماء العينين لارباس، المدرب السابق لنهضة طرفاية ومؤسس أول مدرسة لكرة القدم بالصحراء المغربية، أن ظاهرة الانتقال السريع من الإشادة إلى الانتقاد ليست جديدة في الكرة المغربية، بل رافقت مختلف الأجيال والمنتخبات الوطنية، مضيفا أن “عقلية النتيجة” ظلت حاضرة في تعاطي جزء كبير من الرأي العام مع اللاعبين، حيث تطغى نتيجة المباراة على تقييم المسار الكامل أو قيمة اللاعب الفنية.
وأوضح ماء العينين، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التاريخ الكروي المغربي يقدم نماذج كثيرة لهذه الظاهرة، مستحضرا مشاركة المنتخب الوطني في مونديال 1986، عندما تعرض اللاعب حسينة، أحد ركائز المنتخب آنذاك، لانتقادات واسعة حتى قبل انطلاق البطولة بسبب اختياره ضمن التشكيلة، رغم مساهمته في بلوغ النهائيات.
كما استعاد المحلل الرياضي ذكريات مونديال 1994، مبرزا أن حارس المرمى عزمي، الذي كان من أبرز نجوم البطولة الوطنية مع الوداد البيضاوي وساهم في قيادة المنتخب إلى كأس العالم، تحول إلى هدف للانتقادات بعد خطأ واحد أمام المنتخب السعودي، وهو ما اعتبره دليلا على أن الجمهور كثيرا ما يختزل مسيرة اللاعب في لحظة واحدة، متناسيا سنوات كثيرة من العطاء.
وسجل المتحدث ذاته أن الظاهرة نفسها تتكرر مع الجيل الحالي، رغم الإنجازات غير المسبوقة التي حققها المنتخب الوطني تحت قيادة وليد الركراكي، مشيرا إلى أن الأخير نجح في بناء منتخب تنافسي أعاد لكرة القدم المغربية والإفريقية حضورها على الساحة العالمية، وأصبح مصدر إلهام لمنتخبات عربية وإفريقية أخرى. ورغم ذلك، يضيف لارباس، فإن بعض الأصوات لا تتردد في توجيه الانتقادات بمجرد تعثر لاعب أو تراجع مستواه في مباراة معينة، دون استحضار ما قدمه على امتداد مشواره.
واستشهد المدرب الصحراوي السابق بعدد من الأسماء التي طالتها الانتقادات، من بينها سفيان رحيمي، الذي اعتبره لاعبا صنع مساره بجهده الشخصي وأثبت قيمته هدافا للدوري الإماراتي والمنتخب الوطني، قبل أن يتعرض لحملة انتقادات بسبب إضاعته ركلة جزاء، رغم أن كبار نجوم كرة القدم العالمية، مثل ميسي وروبرتو باجيو، سبق لهم إهدار ركلات حاسمة.
كما توقف المحلل الرياضي عينه عند إبراهيم دياز، موردا أن تمريراته الحاسمة أمام البرازيل واسكتلندا عكست جودة فنية عالية، وأن تقييم اللاعب لا ينبغي أن يتغير بسبب مباراة واحدة، ومشيدا في الوقت نفسه أيضا بما قدمه عيسى ديوب أمام هولندا، سواء على المستوى الدفاعي أو من خلال مساهمته في الهدف الذي قاد المنتخب إلى التأهل.
وخلص ماء العينين لارباس إلى أن كرة القدم الحديثة تقوم على العمل التراكمي، مبرزا أن الحُكم على اللاعبين أو المدربين ينبغي أن يستند إلى المسار الكامل وليس إلى لقطة أو نتيجة ظرفية؛ كما نوه بالدور الذي تضطلع به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في تطوير الفئات السنية، مشددا على أن الاستثمار في التكوين هو الضامن الحقيقي لاستمرار حضور المنتخب الوطني في أعلى المستويات، وهي الرؤية التي ستسمح للمغرب بمواصلة صناعة أجيال قادرة على المنافسة قاريا وعالميا، بعيدا عن الأحكام الآنية التي تفرضها عاطفة النتائج.
بين دياز وأوناحي وديوب .. "سيكولوجية النتائج" تتحكم في صور الأبطال Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة بين دياز وأوناحي وديوب سيكولوجية النتائج تتحكم في صور الأبطال
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين دياز وأوناحي وديوب سيكولوجية النتائج تتحكم في صور الأبطال قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين دياز وأوناحي وديوب .. "سيكولوجية النتائج" تتحكم في صور الأبطال.
في الموقع ايضا :
- "بشت" وآية قرآنية.. جدل كبير بعد مشاركة الوفد السعودي بوداع خامنئي (شاهد)
- مجلس القيادة الرئاسي اليمني: الرحلة الإيرانية إلى صنعاء انتهاك للسيادة وتهديد للأمن الإقليمي
- ترمب: إن عاد الديمقراطيون للسلطة فهم يخططون لتعديلات من شأنها إنهاء فرص الجمهوريين للفوز بأي انتخابات قادمة عاجل