د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
شهدت جبهات القتال الأوروبية في العام الأخير من الحرب العالمية الأولى معارك أثرت بعمق في الفكر العسكري للقرن العشرين. فقد أدى انحصار ملايين الجنود داخل خطوط خنادق امتدت لمئات الكيلومترات إلى إظهار حدود مفهوم الهجوم التقليدي.
كانت الجيوش الكبرى قادرة على اختراق الجبهة، لكنها لم تكن قادرة على مواصلة التقدم. وسرعان ما كان النجاح الأولي يتحول إلى حرب استنزاف. ومن اللافت أن الحرب في أوكرانيا، بعد مرور قرن كامل، أعادت طرح أسئلة مشابهة.
وخلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، طوّر المنظّرون السوفييت عقيدة "المعركة العميقة" لتجاوز هذا المأزق.
وأستخدم هنا تحديدًا مصطلح "المعركة العميقة"، لأنه لا يعني الشيء نفسه الذي يُقصد اليوم بالمصطلح المتداول في الأدبيات العسكرية وهو "العمليات العميقة".
فعندما يُذكر اليوم مصطلح العمليات العميقة، يتبادر إلى الذهن غالبًا هجمات تنفذها القوات الخاصة، أو الصواريخ بعيدة المدى، أو صواريخ كروز، أو الطائرات المسيّرة ضد أهداف محددة تقع خلف خطوط الجبهة.
أما المعركة العميقة، فكانت تقوم على فكرة مختلفة تمامًا. إذ كان الهدف هو اختراق جبهة العدو بواسطة جيوش الدبابات والوحدات الآلية، والتقدم عشرات الكيلومترات إلى الداخل، مع شل مراكز القيادة، وأنظمة الإمداد، وقوات الاحتياط، بالتزامن مع عملية برية واسعة النطاق. (تذكّروا مفهوم وحدات الصف الثاني لدى السوفييت).
ولم تظهر هذه العقيدة بالمصادفة، بل كانت تقف وراءها التجارب المريرة للحرب العالمية الأولى.
فلماذا طوّر السوفييت مثل هذه العقيدة؟
يكمن الجواب في عملية مايكل عام 1918. ففي مارس/آذار 1918، نفذ الجيش الألماني واحدة من أعنف عمليات التمهيد المدفعي في التاريخ حتى ذلك الوقت.
ثم اخترقت وحدات الهجوم النخبوية الدفاعات البريطانية في عدة نقاط، وحققت في الأيام الأولى تقدمًا أسرع بكثير مما كان متوقعًا. لكن هذا النجاح لم يكن مستدامًا.
فلم تتمكن وحدات المدفعية من اللحاق بالمشاة المتقدمين، وامتدت خطوط الإمداد، بينما أقامت القوات الفرنسية والبريطانية القادمة كتعزيزات خطوطًا دفاعية جديدة.
وفقد الجيش الألماني زخمه الأولي، وتوقفت العملية. لقد تحول النجاح التكتيكي إلى فشل في تحقيق نتيجة استراتيجية.
وقد دُرست هذه التجربة لسنوات طويلة في الأكاديميات العسكرية السوفييتية. ورأى الضباط السوفييت أن المشكلة لم تكن في اختراق الجبهة، بل في القدرة على الحفاظ على سرعة التقدم بعد الاختراق.
فكان ينبغي نقل العملية إلى عمق دفاعات العدو قبل أن يتمكن من إنشاء خطوط دفاع جديدة. ومن هذه الحاجة وُلدت فكرة المعركة العميقة.
وكان أحد أبرز منظّري هذا الفكر غيورغي إيسرسون. فقد كان من أبرز المنظرين العسكريين في الاتحاد السوفييتي، ورأى أن الحروب الحديثة لم يعد من الممكن تفسيرها فقط باتساع الجبهة.
وبحسب رأيه، فإن مصير الحرب يعتمد على الضغط المتزامن على مراكز القيادة، وأنظمة الإمداد، وقوات الاحتياط الموجودة في عمق العدو. وما يزال كتابه «تطور الفن العملياتي» الصادر عام 1932 يُدرّس حتى اليوم في العديد من الأكاديميات العسكرية.
وكان اسم بارز آخر هو فلاديمير ترياندافيلوف، الذي يُعد أحد مؤسسي الفن العملياتي. وبرأيه، فإن نجاح الهجوم لا يُقاس باختراق خط الدفاع الأول.
بل إن العامل الحاسم هو إدخال قوات جديدة بصورة متواصلة عبر الثغرة التي فُتحت، وعدم منح المدافع فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.
فبمجرد أن تتراجع وتيرة الهجوم، يصبح بإمكان المدافع استعادة توازنه. ولهذا كانت كثافة القوات، واللوجستيات، والتوقيت، أجزاءً لا تنفصل عن خطة واحدة.
أما الشخص الذي سعى إلى تطبيق هذه الأفكار عمليًا فكان ميخائيل توخاتشيفسكي. فبعد الحرب الأهلية، قاد عملية تحديث الجيش الأحمر، وصمّم هجمات واسعة النطاق تعتمد على الاستخدام المشترك للدبابات، والوحدات الآلية، والقوة الجوية.
وفي عام 1935 أصبح أحد أوائل المارشالات في الاتحاد السوفييتي، لكنه أُعدم بعد عامين خلال حملات التطهير التي قادها ستالين.
وقد شكّلت هذه التصفية نقطة تحول مهمة في تطور الفكر العسكري السوفييتي. ومع ذلك، استمرت المفاهيم التي طورها في توجيه الهجمات الكبرى للجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية.
وخلال العقود التالية، تغيرت التكنولوجيا. فقد غيّرت أنظمة الصواريخ، والذخائر الموجهة بدقة، والحواسيب، والحرب الإلكترونية، المفهوم التقليدي للحرب.
وكان لعقيدة المعركة العميقة نصيبها من هذا التحول أيضًا. وكان نيكولاي أوغاركوف من أوائل من أدركوا هذا التغيير داخل هيئة الأركان العامة السوفييتية.
فقد توقع أوغاركوف، الذي شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة السوفييتية، أن يؤدي الجمع بين أنظمة الاستطلاع والأسلحة الدقيقة بعيدة المدى إلى تضييق مساحة حركة التشكيلات العسكرية الكبرى تدريجيًا.
وبرأيه، لن تكون المشكلة في المستقبل هي القدرة على إصابة العدو، بل القدرة على حشد القوات من دون التعرض للإصابة.
وما يجري اليوم في أوكرانيا يُظهر أن توقعات أوغاركوف قد تحققت إلى حد كبير.
فالمشكلة الحقيقية ليست تقادم الدبابات أو قصور المدفعية، وإنما في أن جمع القوة اللازمة لهجوم واسع النطاق بصورة سرية أصبح اليوم شبه مستحيل.
ففي الحرب العالمية الثانية، كان بالإمكان حشد مئات الدبابات، وآلاف الجنود، ومخزونات ضخمة من الذخيرة خلف الجبهة على مدى أسابيع.
وكان الطرف الآخر، في كثير من الأحيان، لا يكتشف ذلك إلا مع بدء الهجوم. وهكذا كان بإمكان الطرف المهاجم تحقيق تفوق ساحق في القوة، ولو لفترة قصيرة.
أما اليوم، فقد أصبح ميدان المعركة مختلفًا تمامًا. إذ تراقب طائرات الاستطلاع المسيّرة، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاستخبارات الإلكترونية، والذخائر الموجهة بدقة، الجبهة بصورة تكاد تكون دائمة.
وتُكتشف بسرعة كبيرة تحركات الوحدات، ومستودعات الذخيرة، ونقاط تزويد الوقود، ومراكز القيادة.
ثم تدخل المدفعية، أو الصواريخ الباليستية، أو الطائرات المسيّرة الانتحارية من نوع FPV على الخط. وهكذا تبدأ كثافة القوة اللازمة للهجوم بالتآكل قبل أن تبدأ العملية نفسها.
ولهذا السبب، تنشر الجيوش وحداتها على مساحات واسعة لضمان بقائها. لكن ذلك يحرمها هذه المرة من قوة الصدمة اللازمة للهجوم.
ولنفترض أن ثغرة فُتحت في الجبهة. حتى هذا لم يعد يؤدي إلى النتائج التي كان يحققها في الحروب السابقة، لأن احتياطيات المدافع تُوجَّه بسرعة أيضًا بفضل شبكة الاستطلاع نفسها.
فالوحدات المتقدمة تُراقَب بواسطة الطائرات المسيّرة عند كل تقاطع، وكل جسر، وكل طريق إمداد. والوحدات التي تتعرض باستمرار لنيران المدفعية تفقد سرعتها.
وهكذا يتوقف النجاح الأول للهجوم قبل أن يتحول إلى عملية تمتد إلى عمق دفاعات العدو. إن فقدان الزخم الذي شهده الجيش الألماني في عملية مايكل قبل قرن يعود اليوم للظهور، ولكن لأسباب مختلفة.
غير أن العنصر الذي يوقف التقدم هذه المرة ليس تخلف وسائل الإمداد، بل شبكة المستشعرات المنتشرة في السماء.
وأعتقد أن أهم درس تقدمه الحرب في أوكرانيا يكمن هنا. فالتقييم الذي يتكرر كثيرًا في السنوات الأخيرة بأن "عصر الدبابات قد انتهى" يبسط القضية إلى حد كبير.
فالذي تغيّر ليس نظام سلاح واحدًا، بل ميدان الحرب بأكمله. فلم يعد العامل الحاسم هو إنتاج عدد أكبر من الدبابات مقارنة بالعدو، بل منعه أولًا من رؤيتك، وتأخير قدرته على إصابتك عندما يراك، ثم توجيه قوة نيرانك إلى النقطة المناسبة في الوقت المناسب.
وستكون الجيوش الناجحة في المستقبل هي تلك التي تستطيع تحقيق ذلك.
ومن هذا المنظور، قد تدخل الحرب في أوكرانيا التاريخ، ليس فقط باعتبارها مواجهة بين أسلحة جديدة، بل بوصفها أول مختبر كبير أصبحت فيه المعركة بين الظهور والاختفاء في صميم الحرب الحديثة.
مشاهدة تحول المعارك العميقة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تحول المعارك العميقة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تحول المعارك العميقة.
في الموقع ايضا :
- "بشت" وآية قرآنية.. جدل كبير بعد مشاركة الوفد السعودي بوداع خامنئي (شاهد)
- المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني: لا يمكن النظر إلى مراسم تشييع القائد الشهيد على أنها مجرد مراسم عزاء بل إنها تحولت إلى حدث ذي أبعاد سياسية واجتماعية وإقليمية عاجل
- عراقجي: الدبلوماسية في المنعطفات التاريخية ليست مجرد أداة لتنظيم العلاقات بل مرآة تعكس الهوية والإرادة الوطنية عاجل
