أثارت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، مؤخراً، عن طبيعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، جدلاً واسعاً، داخل الأوساط الإسرائيلية، وأعادت تصريحات فانس فتح الباب مجدداً لدراسة مدى تماسك العلاقات بين الجانبين، وطرحت العديد من التساؤلات حول مستقبلها، وجدية الحديث عن تراجع المكانة الإستراتيجية لـ “إسرائيل ” لدى الولايات المتحدة؛ فهل عكست تصريحات فانس بداية تحول في جوهر العلاقات بين البلدين الحليفين؟ أم أنها تكرار لأنماط متشابهة من خلافات تكتيكية سابقة لم تمس جوهر العلاقات الاستراتيجية والفريدة من نوعها بين الطرفين؟
اعتبر فانس أن المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى “إسرائيل” تمنح إدارته الحق في أن تمتثل “إسرائيل” إلى سياستها، ملمّحاً إلى أن عدم امتثال الأخيرة يبرر فرض قيود على توريد السلاح، وفي لقاء آخر تحدث فانس عن رفضه الربط بين نقد “إسرائيل” وكراهية اليهود ومسألة “اللاسامية”، وأنه لا يوجد تطابق كامل بين المصالح الإسرائيلية والأميركية، واعتبر نقد فانس غير مسبوق كونه صدر عن مسؤول في البيت الأبيض هو الأرفع بعد الرئيس دونالد ترمب.
تاريخياً، فإن العلاقات بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” تتسم بطابع خاص، منذ نشأة الأخيرة على أرض فلسطين، بيد أن العلاقات بينهما شهدت تباينات في تقدير المصالح، في مراحل مختلفة، ولا سيما بعدما اتخذت “إسرائيل” قرارات منفردة خلافاً للارادة الأميركية أو من دون التنسيق معها؛ فمنذ تولّي رئيس الحكومة الإسرائيلية الأول ديفيد بن غوريون فإن الولايات المتحدة و”إسرائيل” عالجتا الخلافات بينهما بهدوء، وذلك استناداً للدعم الجارف من مختلف الدوائر والمستويات التي تؤثر في صنع القرار الأميركي، على الصعيدين الداخلي والخارجي، كالكونغرس الأميركي بغرفتيه، والحزبين الجمهوري والديموقراطي، وكبريات وسائل الإعلام والصحافة، والرأي العام، والشركات ورؤوس الأموال، واللوبي الإسرائيلي “إيباك” ، كما حظيت “إسرائيل” بتأييد مختلف الدول الغربية، الأمر الذي أسهم في الضغط على ساكن البيت الأبيض في حال اتخذ قرارات لا تتفق مع المصالح الإسرائيلية؛ فتسارع “إسرائيل” لتحشيد مؤسسات صنع القرار الأميركي لصالحها، الأمر الذي أبقى العلاقات بين الجانبين تحافظ على مسارات استراتيجية وخاصة وثابتة بل وفريدة من نوعها، بفعل تلاقي المصالح والقيم المشتركة، من جهة، وقدرة “إسرائيل” على التأثير في صنع القرار الأميركي عبر أدواتها المختلفة، من جهة أخرى.
ولعل الأمثلة على ثبات ونوعية العلاقات المشتركة الأميركية والإسرائيلية، متعددة، ففي العام 1981 أقدمت “إسرائيل” على تدمير مفاعل تموز النووي العراقي، وقيل إن الحكومة الإسرائيلية لم تحصل على ضوء أخضر أميركي، ما تسبب بخلافات بين الجانبين، وقيل أيضاً، إن الولايات المتحدة حجبت جزءاً من المساعدات العسكرية عن “إسرائيل” ، بيد أنه وبعد عشرة أعوام، في العام 1991، بعد التدخل العسكري الأميركي والدولي في حرب الكويت، شكر وزير الدفاع الأميركي ريتشارد تشيني “إسرائيل” على تدميرها المفاعل النووي العراقي.
وللدلالة على عمق العلاقة بين الطرفين، تتكرر مقولة أحد الجنرالات الأميركيين و هو ألكسندر هيغ، الذي شغل منصبي القائد الأعلى لقوات الناتو ووزير الخارجية الأميركي في أثناء الحرب الباردة، قال إن “إسرائيل” “هي حاملة الطائرات الأكبر في العالم التي لا يوجد جنود أميركيون على متنها، ولا يمكن إغراقها، وهي راسية في منطقة حساسة أمنيًا واقتصاديًا”.
على الرغم من أن “إسرائيل” نجحت في الحفاظ على علاقات متينة مع الولايات المتحدة، مستخدمة كل الوسائل المعروفة والخفية للتأثير في صنع القرار الأميركي بما يخدم مصالحها، بيد أنها تسعى لإظهار نوع من الاستقلالية وأنها ليست دولة تابعة لأميركا، أو النجمة الـ 51 في علمها، وتروّج أن العلاقة بينهما قائمة على مصالح مشتركة، تخدم الطرفين، بل وتعتقد جهات إسرائيلية أن مستوى المنفعة الأميركية من “إسرائيل” أكبر، وليس العكس، وأن الأخيرة يمكنها أن تعتمد على نفسها حتى من دون الدعم الأميركي، ما يعكس حالة الدهشة وربما الصدمة، لدى شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي، لأن ما يُثار من خلافات بين الجانبين، حدث مع الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب الذي يوصف بالداعم التاريخي والحليف الأكبر لـ “إسرائيل” ، وذلك على خلفية الاتفاق مع إيران.
على الرغم من الاتجاه الثابت لتغلب الجانبين الأميركي و الإسرائيلي على الخلافات بينهما، ومقدرة الأخيرة على تجنيد حلفائها وداعميها للحفاظ على مصالح “إسرائيل” ضمن الأجندة الأميركية، بيد أن عدداً من المتغيرات الراهنة، والتي لم تكن حاضرة طيلة العقود الماضية، قد تؤثر في مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية، منها:
– التحولات في اتجاهات الرأي العام الأميركي؛ فوفقاً لغالبية استطلاعات الرأي العام فإن تعاطف الأميركيين تراجع بشكل حاد تجاه “إسرائيل” ، ومؤشرات التعاطف مع الشعب الفلسطيني لدى الأميركيين تتزايد بشكل ملحوظ، بعد حرب الإبادة التي شنتها “إسرائيل” على غزة، بدعم أميركي، وتجاوز تأييد الفلسطينيين حاجز الـ 50% لدى الشرائح الأميركية العمرية والحزبية كافة، بينما تزيد النسبة كلما رصدت بين فئة الشباب، وتصل إلى مستويات مرتفعة للغاية في أوساط الحزب الديمقراطي، وقد أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” في نيسان/ أبريل الماضي أن 60% من البالغين الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه “إسرائيل”، و أن 80% من الديمقراطيين لديهم رأي سلبي تجاه “إسرائيل”، أما بين الجمهوريين، فلا تزال الأغلبية تدعم “إسرائيل”، لكن 57% ممن تراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً يحملون وجهات نظر سلبية، الأمر الذي يعني أن قدرة الحكومة الإسرائيلية على تجنيد أحد أدواتها المهمة لصالحها للتأثير في صناعة القرار تراجعت بشكل واضح.
– لم تعد المسألة الإسرائيلية تشكل حالة إجماع داخل أروقة الكونغرس الأميركي بحزبيه الجمهوري والديمقراطي، كما أن الأخير يشهد تحولاً واضحاً في رؤيته لـ “إسرائيل”، في ضوء تعزيز التيار التقدمي الليبرالي داخل الحزب الديمقراطي ونجاح عدد من رموزه في الانتخابات التمهيدية مؤخراً، كما أن مستوى تأييد “إسرائيل” داخل الحزب الجمهوري يتراجع لصالح التيار الذي يرفع شعار “أميركا أولاً” والمعروف باسم “ماغا” وأبرز رموزه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
وعلى خلفية الحرب مع إيران انضم عدد من مشرّعي الحزب الجمهوري، إلى الديمقراطيين في التصويت في مجلس النواب على تشريع لإنهاء الحرب، وفي مجلس الشيوخ، انحاز عدد من المحافظين إلى الديمقراطيين في تصويت يحد من صلاحيات ترامب كقائد أعلى للجيش في الحرب؛ ما يعكس التصدعات في التوافق حول العمل العسكري المدعوم إسرائيلياً حتى داخل حزب ترمب، إلى جانب معارضة نحو 60% من عموم الأميركيين لتلك الحرب.
– تاريخياً، شكّل دعم اللوبي الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة المعروف باسم “إيباك” نقطة قوة للجهة أو للشخص الذي يحظى بدعمه، ومؤشراً على نجاحه في الانتخابات، بيد أن دعم الإيباك لأحد المرشحين تحول إلى تهمة وعبء على المرشحين المدعومين منه وليس رافعة لهم، في نظر شريحة واسعة داخل الرأي العام الأميركي.
– حالة السخط العالمي من السلوك الإسرائيلي تجاه الإبادة الجماعية في غزة، وتوجيه محكمة الجنايات الدولية تهم ارتكاب جرائم حرب للقيادة الإسرائيلية، وتبنّي الأخيرة مواقف يمينية متطرفة، أفقدت “إسرائيل” جزءاً مهماً من قوتها الناعمة، وأفرغت سرديتها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط من محتواها، كما تركت تداعيات الحرب على إيران وغلق مضيق هرمز أثراً للعلاقة بين حلفاء واشنطن، بسبب انفرادها مع “إسرائيل” في الحرب، بصرف النظر عن مصالح الحلفاء في الغرب، ما عزّز من انتقاد “إسرائيل” والإدارة الأميركية معاً.
– إن الحرب على إيران شكلت العامل الأبرز في الخلاف الأميركي الإسرائيلي الراهن، فالحرب، اعتبرت مصلحة إسرائيلية خالصة، ومصلحة لنتنياهو شخصياً، كونها تتسق مع مشروعه وبرنامجه، على الصعيد الأمني والشخصي؛ فالحرب واستمرارها يخدمانه سياسياً، ويتفقان مع توجهات قواعده اليمينية، بينما ترمب، فقد دخلها في تناقض مع برنامجه المعلن ورغمًا عن رغبة قواعده، ولأن ترمب ينظر لمواصلة الحرب من زاوية الاقتصاد ومدى تأثيره على الناخب الأميركي، فإن العامل الأمني هو زاوية التفكير الإسرائيلي، ما يعني أن حسابات المصلحة الأمنية والشخصية والحزبية لا يوجد بينها توافق بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي، على الأقل في هذه المرحلة.
يعتمد مستوى الخلاف الأميركي الإسرائيلي الحالي على السلوك الإسرائيلي تجاه الاتفاق الإيراني، ففي حال عمد نتنياهو إلى تخريب الاتفاق، فقد يتطور الاختلاف إلى سلوك غير متوقع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تجاه نتنياهو شخصياً، كالإعلان عن عدم دعمه له في الانتخابات ودعم مرشحين آخرين، الأمر الذي سيثير حفيظة رموز وقواعد الائتلاف اليميني الحاكم وسيرفع مستوى النقد لترامب، ما قد يدفع الأخير إلى مزيد من الخطوات تجاه الحكومة الإسرائيلية.
العلاقات الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية ترامب قد لا تشهد تحولات جوهرية، ولكن أول المؤشرات سيظهر في الانتخابات النصفية الأميركية المقبلة، وهوية الأعضاء الجدد في الكونغرس الأميركي، ومستوى صعود التيار الليبرالي التقدمي في الحزب الديمقراطي من جهة، وتيار الانعزال الأميركي “ماغا” و” أميركا أولاً” داخل الحزب الجمهوري، من جهة أخرى. كما أن الانتخابات الرئاسية بعد نحو عامين ونصف وهوية الرئيس الأميركي المقبل ومواقفه تجاه “إسرائيل” ستعتبر المحطة الأبرز في الحكم على مستقبل العلاقات بين الجانبين، بيد أنه وبصرف النظر، عن الاستحقاقات الأميركية الداخلية، فإن “إسرائيل” التي كانت محل إجماع داخلي أميركي، أصبحت مثار جدل حاد وعاصف يضع “إسرائيل” في قفص الاتهام، وتوجيه النقد لها ليس من المحرمات، فالعلاقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” تشهد تحولاً لا جدال فيه، بدأ من أسفل إلى أعلى، ونقطة التحول كانت بسبب ارتكاب “إسرائيل” جريمة الإبادة الجماعية في غزة، وتعززت بعد قيام بنيامين نتنياهو في جرّ دونالد ترامب للانخراط في حرب ضد إيران. فقد أدت الحرب مع إيران إلى تصدع في مكانة “إسرائيل” في الولايات المتحدة؛ ولم تعد المصالح الأميركية والإسرائيلية متوافقة تجاه الصراع مع إيران؛ فترامب يريد وقف إطلاق النار، بينما يريد نتنياهو حرباً لا تنتهي.
| وسام أبو شمالة: كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية first appeared on الخبر اليمني.
مشاهدة مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الخبر اليمني ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مستقبل العلاقات الأميركية الإسرائيلية.
في الموقع ايضا :
- حالة الطقس في اليمن اليوم الإثنين.. ارتفاع الحرارة وفرص أمطار متفرقة
- مسيّرة إسرائيلية تلقي قنبلة ثانية على بلدة النبطية الفوقا جنوبي لبنان
- الصفدي يلتقي نظيره الأوزبكي في طشقند