اقتصاديات الجمعة المشمشية: حيث يُقاس النمو بالوهم وحجم الأكاذيب! ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
اقتصاديات الجمعة المشمشية: حيث يُقاس النمو بالوهم وحجم الأكاذيب!
كتب عبدالرزاق بني هاني -  هذا المقال هو جزء من فصل في رواية أقوم بصياغتها هذه الأيام، تحت عنوان شهادتي على عصر أوستنشيا. وفيها أعبر عن عظيم إحباطي عما وصلت إليه الأمور في أوستنشيا، المدينة الخيالية، التي أحبها وأحب أهلها الساذجين. وقد استهللت هذا الفصل بفقرة أقول فيها تباً لاقتصاديات الجمعة المشمشية، والأنفس التي تربت وترعرعت في كنفها الفاسد. أهلاً بكم في أحدث المدارس الاقتصادية التي تجاوزت كل النظريات الكلاسيكية والحديثة، وضربت بعلم الاقتصاد عرض الحائط، لتؤسس لنا نظرية وطنية خالصة لا تُدرّس في جامعات العالم، بل تُمارس ببراعة منقطعة النظير على مسرحنا المحلي، وقد وضعها عالم اقتصاد غير جليل، تحت عنوان اقتصاديات الجمعة المشمشية. وفي هذه النظرية العجيبة، لا نقيس النمو بالناتج المحلي الإجمالي، ولا بازدهار الصناعة، بل نقيسه بعدد التصريحات الخلبية التي يطلقها مسؤولون يعتقدون، بكل ثقة، أن الأكسجين الذي يتنفسونه مصنوع من الأكاذيب الخالصة، وأن وعودهم الوهمية هي العملة الصعبة الوحيدة التي يمتلكونها. وهنا، لا يسعنا إلا أن نستحضر رحاب الأساطير الإغريقية، حيث لم يكن الكذب مجرد سلوك بشري عابر، بل كان له كيان إلهي يتجسد في شخصيات أسطورية تتقن فنون التضليل.  وتتربع على عرش الزيف الإلهة أباتي (Apate)، وهي التجسيد المطلق للغش والمكر، وإحدى الشرور الكبرى التي انطلقت من صندوق باندورا لابتلاء البشرية. ولم تسر أباتي في دروب الخداع وحيدة، بل كان يرافقها دائماً دولوس (Dolos)، روح الحيل الخبيثة والتلاعب، الذي كان أستاذاً في طمس الحقائق، ينسج الأكاذيب ببراعة تجعل الباطل يبدو في أبهى صور الحق، لدرجة أنه كان يخدع الآلهة أنفسهم. وإلى جانب قوى الظلام هذه، برز هيرميس (Hermes)، إله الخطابة وشفيع اللصوص والمراوغين، الذي امتلك دهاءً فطرياً ولساناً معسولاً لقلب الموازين وتمرير أنصاف الحقائق كأنها يقين ثابت.  لقد آمن الإغريق أن الكذب قوة مدمرة قادرة على تدمير الممالك، وكأن أرواح أباتي ودولوس" لم تمت بانتهاء عصر الأساطير، بل هبطت من جبل أوليمبوس لتسكن في عقول المسؤولين في أوستنشيا، وهم الذين يتفننون اليوم في بيع الوهم! وبفضل هؤلاء الآلهة الجدد للخداع، تخيل معي مفارقة تبكي وتُضحك في آن واحد؛ دولة أوستنشيا تنام على كنوز من الثروات الطبيعية، وتستظل بشمس ساطعة تكفي لإنارة نصف الكرة الأرضية وتصدير الطاقة إلى الكواكب المجاورة، ومع ذلك، يقف المواطن فيها حائراً بين فقر مدقع ينهش لحمه، وعتمة موحشة تسكن جيبه وروحه. لكن شمسها الساطعة لا تُستغل لتوليد الطاقة أو بناء المستقبل، بل تُترك لتشوي جلود الكادحين في طوابير الانتظار الطويلة. أما الموارد الطبيعية، فتتبخر في الهواء الطلق أو تُباع بثمن بخس، لأن المسؤول مشغول بتوقيع اتفاقيات استيراد بأسعار فلكية، تضمن له تقاعداً مريحاً بعد أن يغادر كرسيه الوثير، تاركاً الشعب يقتات على شعارات الصمود والتحدي. لقد نجح عباقرة الجمعة المشمشية في تحقيق إنجازات لا مثيل لها، حيث دمروا ثالوث الحياة الكريمة، في وستنشيا، بضربة واحدة. فالبطالة لم تعد مجرد رقم يتجاوز الخطوط الحمراء، بل اخترقت الخطوط البنفسجية والأشعة تحت الحمراء، لتتحول إلى غول يبتلع أعمار الشباب. وجيوش من الخريجين يحملون شهاداتهم كأنها شواهد قبور لأحلامهم الموؤودة. وحين ينظر هؤلاء الخريجون بحسرة إلى التعليم الذي انحدر نحو الهاوية، بعد أن تحولت المدارس والجامعات من مصانع للعقول إلى محطات انتظار بائسة؛ مناهج متهالكة، وبنية تحتية تبكي حالها، لتخريج أجيال مبرمجة على الحفظ والنسيان. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت يد الخراب إلى الخدمات الصحية التي تراجعت حتى أصبح الدخول إلى المستشفى في أوستنشيا مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث الأسرّة المتهالكة، والنقص الحاد في الكوادر، والوصفة الطبية الموحدة لكل داء، لأن صحة الأوستنشي ليست سوى حبر على ورق في خطط التنمية المزعومة، التي وضعتها أباتي بالتعون مع دولوس. ولعل أبدع ما أنتجته هذه المدرسة الاقتصادية الساخرة هو سيمفونية الديون الموروثة؛ وهي استراتيجية قوامها الثابت هو استدن اليوم، ليدفع حفيدك غداً. فهم يُغرقون أوستنشيا في مستنقع من الديون المتراكمة، ديون لسداد ديون، وقروض لتغطية فوائد قروض، في متوالية هندسية مرعبة ستسحق عظام الجيل الحاضر في مدينة الأوهام أوستنشيا، وتخنق أنفاس الأجيال التي لم تولد بعد. ولا يكترث هؤلاء الأشاوس بهذا الخراب الكارثي، لأنهم ببساطة لا ينظرون إلى المسؤولية والأمانة كحِمل ثقيل أشفقت منه السماوات والأرض، بل يعتبرونها حدثاً مؤقتاً، وصالة ترانزيت، وبوفيه مفتوح يجب استغلاله والتهام ما فيه قبل التعديل الوزاري القادم. فالتعديلات الوزارية في أوستنشيا كثيرة وكثيرة، حتى نالت الراقصات نصيباً منها. وفي نهاية هذه المسرحية الهزلية المستمرة، سيحزم المسؤول حقائبه الجلدية الفاخرة، ويغادر إلى منتجعه الشتوي أو حساباته البنكية العابرة للقارات، تاركاً خلفه مدينة مثقلة بالهموم والديون، وشعباً محبطاً يقف في محطة قطار متهالكة، ينتظر قطار التنمية والرفاهية الذي وعدوه به. قطار يسمعون صافرته بوضوح في خطاباتهم الرنانة، لكن الناس في أوستنشيا نعلم يقيناً أنه لن يصل أبداً، إلا في جمعة مشمشية. .

مشاهدة اقتصاديات الجمعة المشمشية حيث ي قاس النمو بالوهم وحجم الأكاذيب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ اقتصاديات الجمعة المشمشية حيث ي قاس النمو بالوهم وحجم الأكاذيب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، اقتصاديات الجمعة المشمشية: حيث يُقاس النمو بالوهم وحجم الأكاذيب!.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار