يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من المعهد الدنماركي
كشفت دراسة استقصائية حديثة أصدرها المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، عن تحول جوهري وعميق في بنية السلطة العامة والاقتصاد السياسي في اليمن زمن الحرب.
وأفادت الورقة التي أعدها الباحث المستقل إبراهيم جلال بأن نقاط التفتيش المنتشرة على طول الطرق الحيوية لم تعد مجرد عقد أمنية طرفية أو مؤقتة، بل تحولت إلى آليات مؤسسية مركزية لممارسة النفوذ، وإعادة تراتبية السلطة، وتأمين قنوات التدفق المالي المستدام لصالح التشكيلات المسلحة المتنافسة.
وتركز الدراسة بشكل تحليلي دقيق على ممر “أبين-عدن-لحج-الضالع-ذمار” الاستراتيجي، وهو الشريان البري الرئيسي الذي يربط التدفقات التجارية البحرية القادمة عبر ميناء عدن، فضلاً عن التحركات العابرة للحدود من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، بالأسواق الاستهلاكية الكبرى والمراكز الحضرية في وسط وشمال البلاد.
ويخضع هذا الممر الجيوسياسي لسيطرة نظامين حركيين وسياسيين متناقضين تماماً في آليات العمل؛ حيث يتسم النظام في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية اسمياً بالتشرذم واللامركزية والتباين الهرمي الموزع، بينما يفرض المتمردون الحوثيون في الشمال الغربي نظاماً تراتبياً عمودياً شديد المركزية يعتمد على الأدوات الرقمية والأتمتة الجمركية.
ورغم هذا التباين البنيوي الصارخ، فإن كلا النظامين ينطلقان من منطق اقتصادي واحد يقوم على استخلاص الجبايات والريع من حركة تداول السلع والأفراد، مما يثقل كاهل القطاع الخاص ويجبر المستهلكين على تحمل الكلفة الكارثية لهذا الابتزاز.
وتشير الورقة إلى أن البنية التحتية للطرق المعبدة في اليمن تعرضت لتدمير هائل أو إغلاق تعسفي بقوة السلاح، مما دفع الحركة التجارية والمدنية إلى حصر خيارات تنقلها في ممرات طرقية ضيقة ومحددة. وقد أدى هذا الحصر اللوجستي إلى تعظيم القيمة الاستراتيجية للسيطرة على نقاط الاختناق الشريانية، حيث أصبحت حوكمة التداول اليومي مصدراً رئيسياً لتوليد رأس المال واستدامة تمويل الحرب الأهلية التي مر عليها أكثر من عقد من الزمن دون أفق للحل.
ويسعى هذا التقرير المفصل إلى تفكيك الممارسات المالية والسياسية والأمنية على طول هذا الممر، مستنداً إلى منهجية بحثية هجينة زاوجت بين تتبع المصادر المفتوحة والوثائق الرسمية وإجراء 32 مقابلة مع مخبرين رئيسيين و11 محادثة متابعة جرت بين نوفمبر 2025 ومارس 2026 مع مسؤولين وتجار وسائقي شاحنات.
التحولات العسكرية الكبرى وإعادة ترسيم النفوذ على خطوط التماس
يعيش اليمن منذ عام 2011 حالة من التآكل التدريجي والمستمر لمؤسسات الدولة المركزية وسيادتها، وهو الانهيار الذي تفاقم بشكل حاد وعنيف عقب التمرد المسلح الشامل الذي قادته جماعة الحوثيين المدعومة من إيران في سبتمبر 2014، مما أسفر عن تقسيم البلاد إلى رقع جغرافية ومناطق نفوذ متصارعة تسيطر عليها أطراف هجينة. وفي المحافظات الجنوبية التي جرى تحريرها من السيطرة الحوثية خلال عامي 2015 و2016، برزت قوات الحزام الأمني على مستوى المحافظات بدعم مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة تحت مظلة التحالف العربي بقيادة السعودية. وضُمت هذه القوات لاحقاً تحت لواء المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس في عام 2017 متبنياً مطالب الانفصال والعودة إلى حدود ما قبل عام 1990.
ولقد أسهم هذا التعدد والانتشار الكثيف للقوات الأمنية والعسكرية، التي بلغ قوامها نحو 200 ألف مقاتل بحلول عام 2020 وفقاً لتصريحات مسؤولين إماراتيين، في تقويض شرعية ونفوذ الحكومة المركزية التي شُكلت تلك الفصائل لمساندتها في الأصل. وبسط المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته الفعلية على العاصمة المؤقتة عدن ولحج والضالع وأبين، وفي ديسمبر 2025 أطلق هجوماً عسكرياً واسع النطاق نحو محافظتي حضرموت والمهرة محققاً توسعاً خاطفاً، إلا أن الانتكاسات العسكرية المتسارعة التي واجهها في مطلع شهر يناير من عام 2026 عجلت بانهيار نفوذه وتراجعه بشكل دراماتيكي.
وأدت هذه التحولات الميدانية المتسارعة في مطلع عام 2026 إلى إعادة ترتيب استراتيجي لميزان القوى على طول الممر التجاري، حيث تمكنت الحكومة اليمنية الشرعية، بمساندة عسكرية وسياسية مباشرة من المملكة العربية السعودية، من توسيع نطاق سيطرتها وإحكام قبضتها على حواجز الطرق ونقاط التفتيش على حساب المجلس الانتقالي الجنوبي. ويعكس هذا المشهد المتغير الطبيعة المتقلبة وغير المتوقعة للصراع اليمني، حيث تستغرق عمليات ترسيخ السلطة واستقرار الحوكمة وقتاً طويلاً يعقب التحولات في ميزان القوى العسكري. وفي المقابل، تمكن الحوثيون منذ عام 2017 من توطيد حكمهم في المحافظات الشمالية والغربية عبر استتباع مؤسسات الدولة وتصفية شركاء الميدان السابقين وعلى رأسهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي قُتل في ديسمبر 2017.
نقطة الحديد على مدخل مدينة عدنمن السيادة إلى الخصخصة: التطور التاريخي وتصنيف أنظمة النقاط
يرتبط التحكم في طرق التجارة وحركة السلع في جغرافيا اليمن تاريخياً بعملية تشكيل السلطة الحاكمة وفرض شرعيتها بين المدن الساحلية والعمق الداخلي، حيث كانت الممالك القديمة مثل مملكة حضرموت تعتمد على إقامة الحواجز ونقاط التفتيش لتوجيه خطوط القوافل وجباية المكوس. ورغم استبدال قوافل الجمال القديمة بشاحنات النقل الحديثة، فإن المنطق الجيوسياسي والاقتصادي للسيطرة على حركة التداول لم يتغير.
وتوضح ورقة العمل أن نظام نقاط التفتيش في اليمن مر بأطوار عدة منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2026، متحولاً من رمز للسيادة الوطنية وإنفاذ القانون إلى كانتونات مستقلة للجباية والنهب المفترس واقتصادات الظل.
ففي الفترة الممتدة من التسعينيات وحتى عام 2003، كانت النقاط تقع تحت إدارة الأجهزة الأمنية والشرطية الرسمية للدولة بهدف الحفاظ على الأمن والنظام العام والتحكم المحدود في السلع. ومع اندلاع حروب صعدة بين عامي 2004 و2010، بدأت تظهر ممارسات الفرز الأمني وتقييد الحركة الانتقائي في مناطق النزاع، لتأتي مرحلة الانتقال السياسي بين عامي 2011 و2014 وتشهد تصدعاً واسعاً في الوحدات العسكرية وظهور وسطاء قوة محليين وجباية غير رسمية ناشئة. وعقب تصاعد الحرب الأهلية الشاملة بين عامي 2014 و2017، تضاعفت نقاط التفتيش بشكل جنوني لترسيم الحدود الداخلية وجباية عوائد الممرات، وهو ما قاد إلى مرحلة مأسسة اقتصاد الحرب وترسيخ الممرات كمكاتب فرعية للجباية بين عامي 2022 و2026.
وتنقسم نقاط التفتيش الحالية في المشهد اليمني إلى ثلاثة أنواع رئيسية متباينة الوظائف والمشغلين، أولها النقاط الحكومية الرسمية التي تديرها وحدات الجيش والشرطة والجمارك لغرض الفحص الأمني والجباية المالية القانونية المصحوبة بإيصالات رسمية. وثانيها النقاط غير الرسمية التابعة لسلطات الأمر الواقع والتشكيلات المسلحة الموازية، والتي تنخرط في عمليات المراقبة، ومكافحة التسلل، وتفتيش الأجهزة الشخصية والهواتف، والابتزاز المالي الطبقي والمضايقات المستهدفة. أما النوع الثالث فيتمثل في نقاط التفتيش القبلية أو ما يُعرف بـ “القطاع القبلي” و”التقطع”، وهي حواجز طرق مؤقتة يقيمها رجال قبائل مسلحون في المناطق الريفية النائية لفرض رسوم مرور غير رسمية أو لاحتجاز المسافرين والشاحنات بغرض الضغط في نزاعات محلية أو ثارات قبلية، حيث بلغت بعض الجبايات المفروضة على صهاريج الوقود ما يعادل 2000 ريال سعودي للنقطة الواحدة.
مقطورات للغاز المسال في قطاع قبلي بمحافظة شبوة شرقي اليمنقوانين التسعينيات المستغلة وهيكل ممر أبين-عدن-ذمار الاستراتيجي
يتجلى الارتباط الوثيق بين القوانين المالية العامة السابقة واقتصاد الحرب الحالي في الطريقة التي استغلت بها الجماعات المسلحة التشريعات التي سنتها الحكومة اليمنية في تسعينيات القرن الماضي بالتعاون مع شركاء التنمية الدوليين والبنك الدولي. فقد أُنشئ صندوق صيانة الطرق بموجب القانون رقم 22 لعام 1995 تحت سلطة وزارة الأشغال العامة والطرق لدعم البنية التحتية عبر فرض ضريبة بنسبة تتراوح بين 3% إلى 5% على تدفقات الوقود. كما جرى تأسيس صندوق النظافة والتحسين بناءً على قرار رئيس الوزراء رقم 20 لعام 1999 لتمكين السلطات المحلية على مستوى المحافظات من تحصيل إيرادات مستقلة خارج الميزانية لدعم الخدمات البلدية والتنمية الحضارية.
بيد أن سنوات الحرب والإنفلات الأمني حوّلت هذه الصناديق القانونية والآليات التشريعية إلى غطاء لشرعنة الجبايات القسرية والتعسفية على مستوى المديريات والمحافظات من قبل الفصائل المسلحة. وأصبحت الأطراف المتصارعة تستخدم مسميات هذه الصناديق لإصدار إيصالات مطبوعة تمنح عمليات الابتزاز والاستخلاص المالي مظهراً رسمياً، في حين تذهب هذه الأموال الطائلة لتمويل المجهود العسكري والإثراء الفصائلي والشخصي دون أي أثر في صيانة الطرق أو تحسين الخدمات البلدية. ولم يعد وجود الإيصال الحكومي دليلاً على قانونية الجباية أو شرعيتها، بل تحول إلى أداة لترسيخ التبعية والمحسوبية وتكريس اقتصاد الحرب الفرعي على حساب معيشة المواطنين.
ويمتد ممر أبين-عدن-لحج-الضالع-ذمار كشبكة معقدة من خطوط الاتصال اللوجستية التي تجتاز تضاريس جغرافية متباينة ومناطق عازلة عسكرية وحدود إدارية للمحافظات. وتتحكم نقاط الاختناق المتمركزة على طول هذا الممر في تدفق السلع الأساسية والمواد النفطية والقات القادمة من الموانئ الساحلية والمنافذ البرية. وقد تسبب تدمير الطرق الحيوية وإغلاق بعضها الآخر نتيجة للمواجهات العسكرية في تركيز الكثافة المرورية والتجارية ضمن هذا الممر الشرياني، مما جعله الجائزة المالية الكبرى التي تتنافس عليها القوى العسكرية والمليشياوية لتعظيم عوائدها من ريع التنقل والحركة.
ميزان محوري في مداخل مدينة عتق بمحافظة شبوة -انترنتالمناطق الحكومية والمجلس الانتقالي: جبايات طبقية ونزاعات على ريع المرور
شهدت المحافظات الجنوبية الواقعة تحت السيطرة الاسمية للحكومة الشرعية، والتي هيمن عليها المجلس الانتقالي الجنوبي حتى مطلع عام 2026، انتشار شبكة كثيفة ومجزأة من نقاط التفتيش. وتوضح وثائق دراسة الباحث إبراهيم جلال أن السائقين يواجهون ما بين 8 إلى 25 نقطة تفتيش ثابتة ومتنقلة في كل محافظة على حدة، حيث تضم أبين وحدها أكثر من عشرين نقطة. وتعمل هذه النقاط كقنوات جباية طبقية تراكمية، حيث لا يدفع الناقل رسوماً موحدة عند بوابة رئيسية، بل تتراكم عليه المبالغ المالية عند كل حاجز يمر به، لتصل التكلفة الإجمالية للشاحنة الواحدة بين أبين وعدن ولحج والضالع إلى ما بين 900 ألف و3 ملايين ريال يمني.
وتعد نقطة “العلم” الواقعة عند المدخل الشرقي للعاصمة المؤقتة عدن أحد أبرز نماذج الابتزاز، حيث تفرض رسوماً تصل إلى 600 ألف ريال يمني (353 دولاراً أمريكياً) على المقطورات الكبيرة التي تحمل بضائع عالية القيمة. وفي محافظتي أبين ولحج، تفرض نقاط دوفس ووادي حسان والبيرق والحسيني رسوماً تصل إلى 200 ألف ريال للنقطة الواحدة (117 دولاراً)، بالإضافة إلى إجبار السائقين على دفع رسوم “تسهيل مرور” نقدية تتراوح بين 20 ألف و50 ألف ريال لتجنب التفتيش التعسفي والتأخير الطويل. وتشير التقديرات إلى أن هذه المنظومة الجبائية التابعة للمجلس الانتقالي كانت تدر عائدات مالية ضخمة تبلغ نحو 256.5 مليار ريال يمني سنوياً (ما يعادل 204.6 مليون دولار أمريكي)، تتوزع بين جبايات الوقود، والقات، وميناء عدن، والسلع التجارية.
تكشف الوثائق الرسمية الواردة في التقرير، مثل الأمر الصادر عن اللجنة الاقتصادية العليا للمجلس الانتقالي في سبتمبر 2021، عن مأسسة هذا الابتزاز عبر فرض 100 ريال يمني على كل كيس إسمنت سعة 50 كجم لصالح ما سُمي بـ “الحساب البنكي للدعم الأمني والعسكري” للقوات المشتركة. كما تظهر إيصالات التحصيل الميدانية، كالإيصال الصادر في سبتمبر 2025 بمحافظة الضالع، فرض مبلغ 400 ألف ريال يمني (235 دولاراً أمريكياً) على شاحنة تحمل 2083 كرتوناً من البرتقال تحت مسمى رسوم محلية لتنمية وتطوير المحافظة. وقد أثارت هذه الأموال السائلة النزاعات الداخلية، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات مسلحة متقطعة في يوليو 2025 بين عناصر من قوات الحزام الأمني ولواء عسكري محلي في أبين للسيطرة على عوائد النقاط التي تجني بعضها 135 مليون ريال شهرياً، في حين حققت نقطة واحدة في الضالع 1.94 مليار ريال في غضون 25 يوماً فقط من جباية الشاحنات.
شاحنات بضائع بانتظار دورها في جمارك محافظة ذمار الخاضعة للحوثيينشمال خطوط التماس: النظام المالي المؤتمت وعقيدة الاحتكار الحوثي
بمجرد عبور الشاحنات لخطوط التماس باتجاه المحافظات الشمالية الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، ينتهي نظام المساومة النقدي المجزأ ليبدأ نظام مالي وإداري تراتبي شديد المركزية والرقمنة. ورغم أن الحوثيين كانوا يديرون نحو 300 نقطة تفتيش عشوائية وموزعة في عام 2017 – مثل نقطة “أبو هاشم” السيئة السمعة في رداع والتي كانت تُستخدم لاحتجاز السائقين وابتزاز أقاربهم لدفع فدية تصل إلى 500 ألف ريال لتأمين الإفراج – إلا أن الجماعة اتجهت منذ عام 2019 نحو تقليص عدد النقاط وتركيز حوكمة التداول في عقد جمركية وضريبية رئيسية كبرى. وتشمل هذه العقد المركزية جمارك عفار في البيضاء، والراهدة في تعز، وذمار، ونهم في صنعاء، ومعسكر اللبنات في الجوف.
وأدخلت مصلحة الضرائب والجمارك التابعة لوزارة المالية الحوثية نظام الفحص الجمركي القائم على تقنية “الباركود” في عام 2021، وتبعه في أواخر عام 2021 ومطلع عام 2022 الاعتماد التدريجي لنظام المدفوعات الإلكترونية عبر المصارف وشبكات الحوالات والمحافظ الإلكترونية، كالمحفظة التابعة لبنك كاك المربوطة بالأجهزة اللوحية (الآيباد) والحواسيب المحمولة الخاصة بالمفتشين ميدانياً. وتوج هذا التحول الرقمي بإطلاق نظام “النافذة الواحدة” الجمركي في عام 2025 لإلغاء التعاملات النقدية واليدوية بشكل كامل في مينائي الحديدة والصليف، مما مكن الجماعة من فرض احتكار مطلق على حركة الإيرادات وجني ما بين 90 إلى 120 مليار ريال يمني سنوياً من هذا النظام الجمركي المستحدث. وتُظهر هذه المركزية المالية الصارمة محاكاة واضحة للأنظمة الجبائية المفروضة من قبل حركات متمردة أخرى مثل حركة طالبان في أفغانستان وحركة الشباب في الصومال.
بيد أن هذه الحوكمة الرقمية والمؤتمتة لا تعني بأي حال من الأحوال تخفيف العبء المالي عن كاهل التجار والناقلين؛ إذ يفرض الحوثيون نظام “الازدواج الضريبي” والجمركي المكرر على جميع البضائع التي سبق لها الخضوع القانوني للتدقيق والتخليص الجمركي ودفع الرسوم في موانئ الحكومة الشرعية. وتخضع الشاحنات القادمة من الجنوب لعملية ختم وتأمين بالباركود شمال مديرية دمت بالضالع، قبل نقلها إلى مكتب جمارك ذمار لإجراء الفحص والتقييم الكامل. ويضيف الحوثيون رسوماً إضافية إجبارية بنسبة 2% على جميع البيانات الجمركية لصالح تمويل المجهود الحربي وصندوق رعاية أسر الشهداء والجرحى التابع لمقاتليهم، فضلاً عن استمرار النقاط الصغيرة والفرعية في جباية مبالغ نقدية تتراوح بين 3 آلاف و10 آلاف ريال يمني تحت مسمى رسوم مكافحة التهريب وحق القات.
نقطة تفتيش للحوثيين في صنعاءالحرب الاقتصادية الحوثية: سلاسل التوريد المحاصرة وسياسات التوطين القسرية
لم تقتصر وظائف نقاط التفتيش والجمارك الحوثية على جني الأموال وتأمين الجبهات، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية لشن حرب اقتصادية شاملة ضد الحكومة اليمنية وإعادة تشكيل هندسة سلاسل التوريد في البلاد. ويتجلى ذلك بوضوح في القرار الصادر عن الجماعة في منتصف عام 2023 والذي قضى بحظر دخول وتداول الغاز المنزلي اليمني المنتج في محافظة مأرب الخاضعة للحكومة الشرعية. وقامت النقاط الحوثية باحتجاز ومصادرة مئات الشاحنات وصهاريج الغاز في صنعاء والجوف، مما حرم الحكومة من عوائد مالية حيوية وأجبر سكان مناطق سيطرة الحوثيين على استهلاك الغاز المستورد عبر ميناء الحديدة بأسعار مرتفعة.
وتعاظمت هذه الحرب الاقتصادية خلال عامي 2024 و2025 مع إعلان وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار الحوثية عن تطبيق سياسة قسرية بزعم “حماية وتشجيع الإنتاج المحلي وتوطين الصناعات”. وبموجب هذا التوجه التنظيمي الصارم، جرى حظر استيراد قائمة طويلة من السلع والبضائع عبر المنافذ البرية، في حين فُرضت ضرائب ورسوم جمركية باهظة تصل إلى 40% على بضائع أخرى، فضلاً عن احتجاز وتأخير الحاولات التجارية لإجبار التجار على الشحن عبر البحر وتغيير مساراتهم اللوجستية. وشملت المواد المحظورة والمقيدة بموجب هذا القرار مشروبات الألبان، والمياه المعبأة، والمناديل الورقية، والبلاستيك، ومواد التعبئة والتغليف، والسيراميك.
ويرى العديد من التجار والمراقبين أن هذه السياسات الحمائية المزعومة ليست سوى غطاء تنظيمي يهدف إلى احتكار السوق المحلية ورفع الحصة السوقية للمصانع والشركات الاستثمارية التي يمتلكها قادة الجماعة والمشرفون التابعون لها. وأسفر هذا الاحتكار القسري عن اختفاء السلع ذات الجودة العالية من الأسواق واستبدالها بمنتجات رديئة وبأسعار مرتفعة للغاية يتحملها المواطن البسيط. وعلاوة على ذلك، تستغل القيادات الحوثية نقاط التفتيش لفرض إتاوات باهظة على شحنات المبيدات والنفط والتبغ، وتسهيل مرور المواد المهربة والمخدرات عبر شركات لوجستية تابعة لقيادات عليا في الجماعة، مما يدر ريعاً هائلاً يغذي اقتصاد الظل ويمول العمليات العسكرية.
قوات للمجلس الانتقالي الجنوبيمعاناة السائقين اليومية: موازين مختلة وابتزاز على مشارف الطرق
تنعكس سياسات التداول الجائرة بشكل مباشر على الحياة اليومية والمهنية لسائقي شاحنات النقل الثقيل، الذين يواجهون بيئة عمل قسرية ومليئة بالمخاطر والابتزاز على طول الممر الاستراتيجي. وتلجأ أفراد نقاط التفتيش في كلا النظامين إلى استخدام التهديد باحتجاز الشاحنات، وتأخير المعاملات، والرفض التعسفي للأوراق الثبوتية كأدوات ضغط لإجبار السائقين على الدفع. وفي حال أبدى السائق أي مقاومة أو رفض لدفع المبالغ غير القانونية، يتم احتجازه لساعات طويلة أو أيام، مما يتسبب في تلف الشحنات الحساسة لعامل الوقت مثل المواد الغذائية والمواشي والمشروبات والوقود، وتكبد خسائر مالية فادحة.
وتشكل الموازين المحورية المنتشرة على الطرق، مثل ميزان شقرة في أبين وميزان معبر الدولي في ذمار وميزان الكيلو 16 في الحديدة، بؤراً رئيسية للفساد المفترس وجني الأموال. ويشكو السائقون من الاختلالات الفنية الكبيرة في هذه الموازين وعدم دقتها، حيث تسجل تفاوتاً يتراوح بين طنين إلى أربعة أطنان في القراءة الواحدة، فضلاً عن تضارب المعايير واللوائح الخاصة بالحمولات المحورية بين المحافظات. فالشاحنة التي تُصنف على أنها ذات ثمانية محاور وتتمتع بحمولة قانونية مسموح بها في حضرموت ومأرب وشبوة، يجري تصنيفها تعسفياً في عدن ولحج على أنها ذات ستة محاور، مما يجبر السائق على الدخول في دورات مضنية من تفريغ الشحنة وإعادة شحنها ودفع غرامات مالية باهظة.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، حددت الجماعة الحمولة القصوى المسموح بها للشاحنات بـ 64 طناً بغض النظر عن عدد المحاور، وتفرض غرامات مالية قاسية تتراوح بين 11,500 إلى 18,000 ريال يمني عن كل طن زائد. وأفاد أحد السائقين باضطراره لدفع 483 ألف ريال يمني (بالعملة القديمة) في ميزان معبر بذمار لتسوية قضية وزن زائد بلغت 42 طناً بسبب قراءة ميزان مختل. كما يفرض ميزان الكيلو 16 بالحديدة 18 ألف ريال عن كل طن زائد على برادات نقل المواد الغذائية، بالإضافة إلى رسوم وزن ثابتة تبلغ 10 آلاف ريال، مما دفع السائقين لوصف المنظومة بأنها ظالمة وغير عادلة وتفتقر لأي تنسيق موحد.
الحراك النقابي المكبوت والاستجابات الاستعراضية لسلطات الأمر الواقع
دفع هذا الضغط المالي والابتزاز المستمر نقابات الشاحنات ورابطات الناقلين والتجار إلى تبني تكتيكات مرنة ومقاومة منخفضة السقف لمواجهة التغول الاستخلاصي. وشملت هذه التكتيكات نشر الفضائح والانتهاكات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ورفع المذكرات الاحتجاجية الجماعية، والتفاوض المباشر مع الغرف التجارية والمسؤولين. وفي المناطق الجنوبية، لجأ السائقون في بعض الأحيان إلى تنظيم إضرابات شاملة ووقفات احتجاجية وقطع الطرقات، كما حدث في أكتوبر 2022 عندما ركنت مئات الشاحنات المحملة بالوقود والقات على جنبات الطريق الدولي في أبين احتجاجاً على تصاعد الجبايات.
وأسفر ذلك الإضراب الواسع في أكتوبر 2022 عن إجبار المجلس الانتقالي على التفاوض وتحديد سقف الجباية بـ 100 ألف ريال يمني كدفع لمرة واحدة في كل محافظة، إلا أن هذا القرار لم يصمد طويلاً وجرى الالتفاف عليه عبر استحداث مسميات جديدة وإعادة تفعيل النقاط. وفي مناطق سيطرة الحوثيين، يعد تنظيم الاحتجاجات المفتوحة أمراً شديد الخطورة نظراً للقبضة الأمنية الحديدية والتهديد بالعقوبات الانتقامية كالتعذيب، والسجن، وإلغاء تصاريح العمل، وتوجيه تهم جاهزة مثل “مساندة العدوان” أو “التعاون مع التحالف الصهيوني الأمريكي”. ومع ذلك، شهد شهر أبريل 2025 استثناءً بارزاً عندما خاض سائقو الشاحنات إضراباً دام ثلاثة أسابيع في مديريتي آنس وميفعة عنس بمحافظة ذمار، مما أجبر الجماعة على إلغاء جباية جديدة سُميت مساهمة المجهود الحربي واستبدال المشرف الحوثي المسؤول.
وتصف الورقة ردود أفعال السلطات المتصارعة تجاه مطالب السائقين بأنها تقع ضمن “الحوكمة الاستعراضية والفرمانات الوهمية”. ويتضح ذلك في التوجيهات التي أصدرها عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد ألوية العمالقة، عبد الرحمن المحرّمي (أبو زرعة)، في سبتمبر 2024، والتي قضت بمنع وحظر أي تحصيل مالي غير قانوني في النقاط العسكرية والأمنية بالمحافظات الجنوبية. ورغم الطابع الاستعراضي لهذه القرارات، فإن استمرار احتجاز الشاحنات ورفع وتيرة الجبايات يثبت بقاء المنظومة المفترسة؛ إذ تعمد القيادات العسكرية المستفيدة إلى تغيير مواقع النقاط أو إدراج الرسوم تحت لافتات وشعارات بديلة للحفاظ على تدفقاتها المالية الذاتية.
تداعيات سياسات التداول الإقليمية وآفاق الإصلاح الهيكلي المتعثر
أدت سياسات التداول المفروضة بقوة السلاح في يمن الحرب إلى تداعيات اقتصادية وإنسانية كارثية تجاوزت نطاق قطاع النقل لتمس جوهر حياة المواطن البسيط. فقد تسبب نظام “الاستخلاص المزدوج” والجبايات المتراكمة في خلق تفاوتات سعرية حادة للمواد الغذائية والسلع الأساسية بين مناطق السيطرة المختلفة، حيث يبلغ سعر كيس دقيق القمح (سعة 50 كجم) نحو 25 دولاراً أمريكياً في المناطق الخاضعة للحوثيين مقارنة بـ 20 دولاراً في المناطق الحكومية. ويتحمل المستهلك النهائي وخصوصاً الأسر الفقيرة والتي تعتمد على الحوالات المغتربة هذا الفارق السعري الذي يُعرف بـ “علاوة خط السيطرة”، مما يعمق معدلات الفقر المتعدد الأبعاد.
وعلى صعيد العمل الإنساني والإغاثي، تسبب تشرذم السلطات وتعدد الجباة في إعاقة تنفيذ البرامج والتدخلات التنموية الإقليمية الموحدة للمنظمات الدولية. وباتت وكالات الإغاثة مجبرة على خوض مفاوضات معقدة ومضنية عند كل نقطة تفتيش وممر على حدة لتأمين عبور المساعدات، مما يرفع الكلف التشغيلية ويؤخر جداول التسليم الإنسانية في وقت تشهد فيه البلاد تراجعاً حاداً في التمويل والمساعدات الدولية. وتحول أمن الطرق وجباية الضرائب من وظائف سيادية لحماية المواطن ودعم الاقتصاد إلى أدوات للنهب وتغذية الكانتونات المسلحة الموازية وتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي للبلاد.
وتخلص الورقة إلى أن تفكيك هذه المنظومة المفترسة واقتصادات الظل المرتبطة بنقاط التفتيش يتطلب حتماً استعادة تدريجية لاحتكار الدولة الشرعية لأدوات العنف وإنفاذ القانون. وتوصي الدراسة بضرورة قيام الحكومة اليمنية عبر وزارتي المالية والإدارة المحلية بأتمتة ورقمنة العمليات الضريبية، وتوحيد الأجور والمرتبات لقطع التمويل الذاتي عن الوحدات العسكرية المتمردة، وإلغاء القوانين المشوهة مثل ضريبة الوزن الزائد. كما تحث المجتمع الدولي والمؤسسات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي على تقديم الدعم الفني والمؤسسي لنقابات الشاحنات والغرف التجارية، ومساندة الجهود السعودية الرامية لترسيخ استقرار كشوف المرتبات العسكرية والمدنية لضمان الامتثال، والضغط على الجماعة الحوثية لوقف القرارات التنظيمية المفاجئة التي تخنق القطاع الخاص وتدمر ما تبقى من مقومات العيش لليمنيين.
البنادق تتقاسم أقوات اليمنيين.. نقاط التفتيش كبديل لمؤسسات الدولة واحتكار العنف السيادي يمن مونيتور.
مشاهدة البنادق تتقاسم أقوات اليمنيين نقاط التفتيش كبديل لمؤسسات الدولة واحتكار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ البنادق تتقاسم أقوات اليمنيين نقاط التفتيش كبديل لمؤسسات الدولة واحتكار العنف السيادي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، البنادق تتقاسم أقوات اليمنيين.. نقاط التفتيش كبديل لمؤسسات الدولة واحتكار العنف السيادي.
في الموقع ايضا :
- موقع “نور نيوز” الإيراني عن مصدر مطلع: الهجوم الأميركي على بوشهر لم يتسبّب في أي أضرار لمحطة الطاقة النوو
- مهرجان صفاقس يقرر التعامل فقط مع المؤسسات الإعلامية و المواقع الالكترونية القانونية
- وكالة أنباء الطلبة الإيرانية: إعادة تشغيل اثنين من أصل 3 خطوط كهرباء في جابهار واستئناف عمل الخط الثالث قريبا
