د. مصطفى تشيفيك - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
الأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية.
إنها المدرسة الأولى للإنسان.
فيها يتطور أول شعور بالأمان. وفيها تُتعلَّم أولى المسؤوليات.
وفيها تُعاش أولى التضحيات. وفيها أيضًا تُختبر أولى مشاعر الحب وأولى خيبات الأمل.
ومع ذلك، فإن اللغة المستخدمة في الحديث عن الأسرة شهدت في السنوات الأخيرة تغيرًا لافتًا.
وخاصة في الأوساط الأكاديمية. ثم في وسائل الإعلام. وبعدها في وسائل التواصل الاجتماعي. وأخيرًا في الحياة اليومية.
واليوم، لم تعد الأسرة تُنتقد فحسب، بل باتت شرعيتها نفسها موضع تشكيك بشكل متزايد.
وعلى وجه الخصوص، تنظر الأوساط الأكاديمية النسوية الماركسية، من خلال أبحاثها القائمة على نموذج "البنية الفوقية" وضمن نسقها الأيديولوجي الخاص، إلى الأسرة بوصفها إحدى المؤسسات الأساسية التي تخفي "عمل الرعاية المجاني" الذي يقوم عليه النظام الرأسمالي.
اقرأ المزيد
سياسات الأسرة ليست مساعدات اجتماعية، بل هي قضية تتعلق بتصور الإنسان.
القانون الثابت للتاريخ: المجتمعات تُبنى بالأسرة وتتفكك بالأسرة.
ما يفسد الأسرة ليس الفقر، بل العقلية.
وتلتقي أسماء مثل سيلفيا فيديريتشي، وليوبولدينا فورتوناتي، وكريستين ديلفي، وفي الآونة الأخيرة تاتيانا ياغونو، عند نقطة مشتركة، رغم استخدامها أطرًا مفاهيمية مختلفة.
ووفقًا لهذا التوجه الأيديولوجي، فإن الأسرة ليست كيانًا طبيعيًا.
بل هي مؤسسة تاريخية أُنتجت بما يتعارض مع الطبيعة الإنسانية.
وهي "الصيغة التي يظهر بها" عمل الرعاية المجاني.
بل إن ياغونو، انطلاقًا من هيغل وماركس، ترى أن شكل الأسرة الحديثة يمثل بنية تاريخية أساسية تقف عائقًا أمام الحرية.
وللوهلة الأولى، تبدو بعض جوانب هذا الطرح وكأنها محقة.
فقد ظل عمل الرعاية داخل المنزل لسنوات طويلة غير مرئي بالقدر الكافي.
فعلى سبيل المثال، لم يكن يُنظر إلى تربية الأطفال على أنها عمل، ولا يزال الأمر كذلك في كثير من الأحيان حتى اليوم.
كما لم تُقيَّم رعاية المسنين بوصفها نشاطًا ذا قيمة اقتصادية.
وغالبًا ما كانت الأعمال المنزلية تُعد "واجبًا طبيعيًا".
ولذلك فإن عمل الرعاية يحمل قيمة اقتصادية، وهو عمل مقدس، والنقاشات الدائرة حوله مهمة.
لكن من الممكن أيضًا الانطلاق من تشخيص صحيح للوصول إلى نتيجة خاطئة وغير عادلة.
فاليوم، في تركيا والعالم، توجد مقاربة أكاديمية تعتبر النهج الأيديولوجي القائل إن العلاقات الاقتصادية هي القيمة الوحيدة المحددة للحياة، هو النموذج العلمي الوحيد.
وهذه المقاربة تعدّ كل ما عداها أيديولوجيًا ورجعيًا وغير علمي.
غير أن هذه المقاربة نفسها تُعد في الواقع واحدة من أكثر النماذج الأيديولوجية في مختلف العصور، وتمارس تأثيرًا يسمم الثقافة الشعبية تجاه قيمة الأسرة وأهميتها.
فوفقًا لهذا النهج الأيديولوجي الذي يتخذ مظهرًا علميًا، تُختزل الأسرة تقريبًا بالكامل إلى فئة اقتصادية.
ويتحول الحب إلى علاقة اقتصادية.
وتُقرأ التضحية بوصفها عملًا مجانيًا.
وتُعرَّف الأبوة والأمومة باعتبارهما آلية لإعادة الإنتاج.
وتُفسَّر جميع علاقات الإنسان، سواء كانت تجارية أو سياسية أو فنية أو قائمة على المعنى أو المشاعر أو الأخلاق أو الدين، في ظل علاقات الإنتاج.
ووفقًا لهذا التصور، فإن الدافع الوحيد الذي يوجّه التاريخ هو الاقتصاد وعلاقات الإنتاج.
وللاطلاع على تفسير هذا النهج للتاريخ، يمكنكم الرجوع إلى كتابي «فلسفة التاريخ».
غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ هنا.
فالإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي.
إنه أيضًا كائن يبحث عن المعنى ويُنتج المعنى، وله قيمه الخاصة.
فالإنسان يحب. ويرتبط. ويُظهر الوفاء. ويحزن. ويضحي.
ولا يمكن تفسير جميع هذه التجارب بالاقتصاد وحده.
ومثل هذا الطرح لا يتجاوز كونه فرضًا أيديولوجيًا.
فهل انتظار أمّ إلى جانب طفلها المريض طوال الليل هو مجرد عمل مجاني؟
وهل الإنسان الذي يرعى زوجه المصاب بمرض ألزهايمر لسنوات طويلة لا يفعل سوى إعادة إنتاج نظام الاستغلال؟
وهل تخلي الأب عن أحلامه من أجل تعليم ابنه مجرد استثمار اقتصادي؟
إن هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بسهولة من خلال علاقات الإنتاج والاقتصاد التقليدية.
لأن العلاقات الإنسانية أغنى من التصنيفات الاقتصادية.
وهذا ما يثبته أيضًا تاريخ الفكر. فالتاريخ الإنساني مليء بالأمثلة التي تؤكد أن العلاقات لا تقتصر على الاقتصاد.
فعلى سبيل المثال، كان أرسطو يرى أن الأسرة هي أساس المجتمع السياسي.
أما ألاسدير ماكنتاير، ففي كتابه «الحيوانات العاقلة المعتمدة» (Dependent Rational Animals)، فيدافع عن فكرة أن الإنسان كائن يعتمد على غيره.
فالإنسان لا يستطيع أن ينمو بمفرده. ولا يمكن أن توجد حرية من دون رعاية. ولا يمكن أن تنمو الفضيلة من دون تضامن.
ولهذا السبب، فإن الأسرة ليست مجرد مؤسسة اقتصادية، بل هي نتيجة حتمية للطبيعة الإنسانية، وهي في الوقت نفسه مؤسسة أخلاقية.
وثمة مشكلة أخرى تتعلق بالتاريخ.
فمن أكثر الجوانب إشكالية في هذا الطرح تفسير نشأة الأسرة إلى حد كبير بوصفها نتاجًا للعلاقات الحتمية للرأسمالية.
غير أن علم الأنثروبولوجيا يقدم صورة مختلفة. فعلاقات القرابة أقدم بكثير من الرأسمالية. وعلى سبيل المثال، فإن شبكات الرعاية قديمة قدم التاريخ الإنساني.
وبطبيعة الحال، فإن الأسرة شهدت تغيرًا مستمرًا.
فالأسرة النووية كيان استمر وجوده منذ الإنسان الأول.
وللاطلاع على ذلك يمكن الرجوع إلى كتابي «أي أسرة؟ فلسفة الأسرة التطورية والخلقية وتأثيراتها السياسية».
لكن الانطلاق من ذلك لتفسير الأسرة نفسها على أنها مجرد نتيجة للرأسمالية لا يفسر الاستمرارية التاريخية تفسيرًا كافيًا.
فهذا الطرح يعبر عن منظومة فكرية ولّدها تصور أيديولوجي معين للإنسان.
أما التطور الأكثر لفتًا للانتباه، فهو انتقال هذه المفاهيم التي أنتجتها الأوساط الأكاديمية في إطار نموذج النسوية الماركسية إلى الثقافة الشعبية عبر السينما والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي.
فاليوم، يُقدَّم الزواج في وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان على أنه فقدان للحرية.
ويُصوَّر إنجاب الأطفال على أنه عائق أمام التطور الشخصي.
وتُعدّ التضحية مظهرًا من مظاهر الضعف.
أما الاستقلالية فقد جرى تحويلها إلى الفضيلة الوحيدة تقريبًا.
وليس الماركسية وحدها سبب هذا التحول.
فثقافة الاستهلاك تستخدم اللغة نفسها.
والفردانية النيوليبرالية تنتج النتيجة ذاتها.
والثقافة الرقمية تسرّع هذه العملية أيضًا.
لكن الخطابات الأكاديمية التي ترى أن الأسرة مؤسسة تاريخية ينبغي تجاوزها، توفر دعمًا فكريًا كبيرًا لهذا التحول الثقافي.
والمثير للاهتمام هو ما يلي.
فبعض النظريات التي تنتقد الرأسمالية قد تسهم، من دون قصد، في تغذية واحدة من أقوى النتائج الثقافية للرأسمالية.
ومن ذلك، على سبيل المثال، الفردانية المفرطة.
لأنه عندما تضعف الروابط الأسرية القوية، لا تزداد قوة الدولة وحدها.
بل يزداد السوق قوة أيضًا. فالفرد الوحيد يستهلك أكثر.
ويصبح أكثر هشاشة.
ويسهل توجيهه.
ويقل تضامنه مع الآخرين.
ولهذا، فإن النظر إلى الأسرة بوصفها مصدرًا للقمع فقط هو تحليل ناقص.
وبطبيعة الحال، فإن الأسرة ليست كاملة. ولا يمكن إنكار وجود العنف والإهمال والظلم داخلها. ويجب مكافحة هذه المشكلات.
لكن الحل ليس في إضعاف مؤسسة الأسرة أو القضاء عليها، بل في تقويتها.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس جعل الأسرة موضوعًا للاستقطابات الأيديولوجية، بل جعلها أكثر عدلًا.
وجعلها أكثر شمولًا.
وجعلها أكثر قدرة على الصمود.
فالمجتمعات القوية لا تقوم على الاقتصادات القوية وحدها.
بل تقوم أيضًا على الأسر القوية. فالأسرة ليست مجرد مؤسسة تُربي الأطفال، بل هي المؤسسة التي تُربي ضمير المجتمع.
واختزالها في إطار العمل وحده هو قراءة قاصرة تفصل الإنسان عن معناه وقيمه وطبيعته وتاريخه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو:
أي أسرة نعني عندما نتحدث عن الأسرة؟
وهل نستطيع أن نرى الموقف المتعمد والأيديولوجي الكامن وراء الخطاب الذي يشوه سمعة الأسرة من خلال النماذج والأبحاث الموجَّهة؟
مشاهدة من الأوساط الأكاديمية إلى الثقافة الشعبية كيف يجري تشويه سمعة الأسرة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الأوساط الأكاديمية إلى الثقافة الشعبية كيف يجري تشويه سمعة الأسرة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من الأوساط الأكاديمية إلى الثقافة الشعبية: كيف يجري تشويه سمعة الأسرة؟.
في الموقع ايضا :
- عاجل.. احجز الآن شقق تعاونيات الإسكان 2026.. تفاصيل المدن المتاحة وشروط الحجز وقيمة مقدم التعاقد وخطوات التقديم
- ألماني يقتل والدته السبعينية حرقا والشرطة تحقق في ملابسات الجريمة البشعة
- عاجل.. سلطنة عمان تبلغ الأمم المتحدة رفضها فرض رسوم على عبور مضيق هرمز
