من حق الصحافي علي لمرابط أن يكتب، وأن ينشر، وأن يعبر عن آرائه، وأن يمارس العمل الصحافي أو التدوين عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، فهذا حق يكفله الدستور والقانون، ولا يمكن لأي دولة تحترم الحريات أن تنكر هذا الحق أو تنتقص منه، غير أن من حق الأشخاص والمؤسسات الذين يعتبرون أن ما ينشره لمرابط، المقيم في إسبانيا، ألحق بهم ضررا أو مس بكرامتهم أو بسمعتهم، أن يلجؤوا بدورهم إلى القضاء، وأن يطلبوا الإنصاف عبر الآليات القانونية التي يتيحها القانون للجميع دون استثناء.
وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة واقعة توقيف علي لمرابط، زوال اليوم الأحد، بمطار ابن بطوطة بمدينة طنجة، خارج السياق القانوني الذي جاءت فيه، فالأمر يتعلق، بحسب المعطيات المتداولة، بتنفيذ إجراءات قضائية مرتبطة بشكايات متعددة ومذكرات بحث في ملفات تتعلق بالتشهير والقذف والإهانة ونشر أخبار زائفة، وهي قضايا يظل الفصل فيها من الاختصاص الحصري للقضاء، بعيدا عن الضجيج الإعلامي والمواقف المسبقة، إذ إن تنفيذ الإجراءات القضائية لا ينبغي أن يفسر خارج إطارها القانوني، ولا أن يتحول إلى مادة للتأويل السياسي أو الإعلامي قبل استكمال البحث.
إن توقيف أي شخص من أجل البحث معه لا يعني إدانته، كما لا يشكل في حد ذاته استهدافا أو عقوبة، وإنما هو إجراء تمهيدي تفرضه مقتضيات البحث والتحقيق، ويخضع له آلاف المواطنين كلما كانوا موضوع شكايات أو أوامر قضائية، لذلك فإن التعامل مع هذه الواقعة باعتبارها حالة استثنائية، أو محاولة إضفاء بعد سياسي أو حقوقي عليها قبل استكمال المسطرة القضائية، لا يجد ما يسنده قانونا، لأن الأصل في دولة القانون هو خضوع الجميع للإجراءات نفسها، بصرف النظر عن صفاتهم أو مواقعهم أو شهرتهم، مع تمتعهم في الوقت نفسه بكامل الضمانات التي يقررها القانون.
كما أن هذا التوقيف لا يخدم طرفا واحدا، وإنما يضمن حقوق جميع الأطراف، فهو يمنح المشتكين فرصة عرض ما لديهم من معطيات لإثبات الضرر الذي يقولون إنهم تعرضوا له، وفي المقابل يمنح علي لمرابط كامل الحق في الدفاع عن نفسه، وتقديم الوثائق والحجج والأدلة التي تؤكد صحة ما نشره، والكشف عن مصادر المعلومات التي ظل يؤكد أنها تستند إلى معطيات دقيقة، فالمسطرة القضائية لا تقوم على الانطباعات، وإنما على الوقائع والإثباتات، وهي وحدها الكفيلة بتمييز الحقيقة من الادعاء، وهو ما يجعل القضاء الجهة الوحيدة المخول لها تقدير قيمة الأدلة وترتيب آثارها القانونية.
ولا ينبغي أن يغيب عن هذا النقاش أن العمل الصحافي، مهما اتسعت مساحته، يبقى محكوما بضوابط قانونية وأخلاقية، تقوم على التحري، والتثبت، واحترام قرينة البراءة، وتمكين الأطراف المعنية من حق الرد، والتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات، فالصحافة لا تستمد مشروعيتها من مجرد النشر، وإنما من قدرتها على تقديم معلومات دقيقة ومدعمة، لأن المصداقية تظل الرأسمال الحقيقي لأي صحافي أو مؤسسة إعلامية، وكلما ارتفعت معايير المهنية ازدادت ثقة المجتمع في الرسالة الإعلامية.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب في مثل هذه القضايا هو اختزالها دائما في عنوان واحد هو “حرية التعبير”، وكأن مجرد رفع هذا الشعار يجعل كل ما ينشر بمنأى عن المساءلة القانونية، والحال أن حرية التعبير، في جميع الديمقراطيات، ليست حقا مطلقا، وإنما تمارس في إطار القانون، وتقف عند الحدود التي يبدأ عندها حق الآخرين في حماية سمعتهم وكرامتهم وحياتهم الخاصة، فالتشهير ليس رأيا، والقذف ليس موقفا سياسيا، ونشر الأخبار غير الصحيحة، إذا ثبت ذلك، لا يدخل ضمن الحماية التي توفرها حرية الصحافة، كما أن الاحتجاج بحرية التعبير لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإفراغ النصوص القانونية التي تحمي الأفراد والمؤسسات من مضمونها.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن سيادة القانون يقتضي أيضا احترام قرينة البراءة، وعدم إصدار الأحكام قبل انتهاء التحقيقات واستكمال المساطر القضائية، فكما لا يجوز تصوير توقيف علي لمرابط باعتباره إدانة نهائية، لا يجوز أيضا تقديمه باعتباره ضحية قبل أن يقول القضاء كلمته، لأن العدالة لا تبنى على الانحياز، وإنما على المساواة بين جميع الأطراف، وتمكين كل واحد منهم من ممارسة حقوقه كاملة، بما يكفل محاكمة عادلة تحفظ حقوق المشتكين والمشتكى به على السواء.
ومن زاوية أخرى، يغيب في كثير من الأحيان الطرف الأكثر حضورا في أصل هذه القضية، وهم المشتكون أنفسهم، فهؤلاء لجؤوا إلى القضاء لأنهم يعتبرون أنهم تعرضوا للتشهير أو القذف أو الإساءة، ومن حقهم، مثل أي مواطن، أن يحصلوا على حماية القانون، وأن تنظر شكاياتهم أمام القضاء، أما تجريدهم من هذا الحق فقط لأن المشتكى به صحافي أو شخصية معروفة، فهو انتقاص من مبدأ المساواة أمام القانون، وإفراغ لحق التقاضي من مضمونه، كما أنه يبعث برسالة خاطئة مفادها أن بعض الفئات يمكن أن تتمتع بحصانة غير منصوص عليها في القانون.
ومن الخطأ أيضا تحويل القضايا المعروضة على القضاء إلى محاكمات موازية على منصات التواصل الاجتماعي، لأن الأحكام لا تصدر بعدد المشاركات والتعليقات، ولا بحجم التضامن أو المعارضة، وإنما بما يثبت أمام القضاء من وقائع وأدلة، فالرأي العام من حقه أن يناقش، وأن يتابع، وأن يعبر عن مواقفه، لكنه لا يحل محل القضاء، كما أن الحملات الإعلامية، أيا كان اتجاهها، لا ينبغي أن تؤثر في المسار الطبيعي للعدالة أو في الضمانات المكفولة لجميع الأطراف، لأن استقلال القضاء يظل أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها دولة القانون.
وعلي لمرابط ليس ساذجا حتى يجهل وجود هذه الملفات، وكان يعلم، وهو يقرر العودة إلى المغرب، أن هناك شكايات معروضة أمام القضاء، وأن المساطر القانونية قد يتم تفعيلها في حقه، واليوم أصبحت أمامه فرصة كاملة للإجابة عن أسئلة المحققين، ومواجهة ما هو منسوب إليه، وتقديم ما يراه مناسبا من دفوعات وأدلة ومصادر، كما أصبحت أمام المشتكين فرصة لإثبات ما يدعونه، ليبقى الحسم في النهاية للقضاء وحده، بعيدا عن التأويلات والأحكام المسبقة.
ويبقى المبدأ الذي لا ينبغي التفريط فيه واضحا، حرية التعبير قيمة دستورية يجب صونها، كما أن حماية السمعة والكرامة وحق التقاضي قيم لا تقل عنها أهمية، وعندما يتنازع الحقان، فإن المؤسسة الوحيدة المخولة بالموازنة بينهما هي القضاء، لا الرأي العام ولا حملات التأييد أو الرفض.
ولذلك فإن الملعب اليوم بين علي لمرابط والقضاء، والكلمة الأخيرة ستظل للقانون، لأن العدالة لا تصنعها الشعارات، وإنما تبنى على الأدلة، واحترام الإجراءات، وضمان حق الجميع في محاكمة عادلة، وهي القاعدة التي تقوم عليها دولة الحق والقانون.
لمرابط وحرية التعبير .. الكلمة الأخيرة للقضاء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة لمرابط وحرية التعبير الكلمة الأخيرة للقضاء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لمرابط وحرية التعبير الكلمة الأخيرة للقضاء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لمرابط وحرية التعبير .. الكلمة الأخيرة للقضاء.
في الموقع ايضا :
- النادي البنزرتي: تركيبة الهيئة التسييرية
- عاجل إيران: التلفزيون الإيراني: إيران تطالب دول المنطقة بمنع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها وإمكاناتها لشن الاعتداءات…
- الجيش الأمريكي يستهدف أنظمة صواريخ ودفاع جوي إيرانية قرب مضيق هرمز