عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

دخلت العلاقات الجزائرية-المالية مرحلة جديدة من الانفراج السياسي، بعدما أعلنت الجزائر، الأسبوع الماضي، إعادة سفيرها لدى جمهورية مالي إلى مقر عمله في باماكو ابتداءً من 10 يوليوز الجاري، بالتزامن مع إعلان السلطات المالية إعادة سفيرها إلى الجزائر العاصمة وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين، ولم في إطار طي الأزمة الدبلوماسية الحادة التي استمرت لأكثر من عام، وأدت إلى تجميد التمثيل الدبلوماسي وإغلاق الأجواء بين الجانبين.

وأكدت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، في بيان، أن قرار إعادة السفير، الذي كان قد “استُدعي للتشاور” في 7 أبريل 2025، يندرج في إطار إرادة الرئيس الجزائري لإعادة العلاقات الثنائية إلى “منحاها التاريخي والطبيعي”، على أساس الاحترام المتبادل وتعزيز علاقات الأخوة والتعاون بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الاستقرار بمنطقة الساحل والقارة الإفريقية.

    ومن جهتها، أعلنت الحكومة المالية إعادة سفيرها فوق العادة وكامل التفويض إلى الجزائر، إلى جانب استئناف حركة الطيران المدني والعسكري بين البلدين، في خطوة وصفتها بأنها تندرج ضمن تنشيط علاقات الصداقة والتعاون.

    وكانت الأزمة قد اندلعت في أبريل 2025 إثر إعلان الجيش الجزائري إسقاط طائرة استطلاع مسيرة تابعة للقوات المسلحة المالية بدعوى اختراقها المجال الجوي الجزائري، وهو ما رفضته باماكو، مؤكدة أن الطائرة كانت تنفذ مهمة داخل الأراضي المالية. وسرعان ما تطور الخلاف إلى تبادل استدعاء السفيرين وإغلاق المجال الجوي، قبل أن تتسع دائرة التوتر مع تبادل الاتهامات بشأن ملفات أمنية مرتبطة بمنطقة شمال مالي.

    ولم يقتصر الخلاف بين البلدين على حادثة الطائرة المسيرة؛ إذ وجهت السلطات المالية انتقادات حادة ومباشرة للجزائر، متهمة إياها بالتدخل في شؤونها الداخلية والحفاظ على اتصالات مع بعض الجماعات المسلحة الناشطة في شمال البلاد.

    وفي خضم هذه الأزمة، أعلنت باماكو سحب اعترافها بجبهة البوليساريو، مع إعلان دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد الجاد وذي المصداقية لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء في إطار السيادة المغربية، وهو موقف شكل تحولاً بارزاً في توجهات الدبلوماسية المالية.

    ويرى متابعون أن استئناف العلاقات بين الجزائر ومالي يجسد محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة الثنائية والتكيف مع المتغيرات التي يشهدها الملف الإقليمي، في ظل اتساع دائرة التأييد الدولي والإفريقي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، مشيرين إلى هذا التقارب يأتي في إطار إعادة ترتيب التحالفات بمنطقة الساحل، وسط مؤشرات على محدودية فعالية سياسة الضغوط الدبلوماسية التي انتهجتها الجزائر تجاه عدد من الدول الإفريقية، في وقت تواصل فيه الرباط تعزيز مكاسبها الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.

    قال زكرياء أقنوش، الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية، إن إعادة السفراء بين الجزائر ومالي واستئناف الملاحة الجوية تمثل منعطفا استراتيجيا يعكس “براغماتية الاضطرار” وإعادة تموضع موازين القوى في منطقة الساحل، فرضتها التحولات الإقليمية والواقعية السياسية، مشيرا إلى أن الجزائر وجدت نفسها مضطرة إلى التكيف مع معادلة جديدة، خاصة بعد التحول الجذري في الموقف المالي من قضية الصحراء ومحاولة تفادي مزيد من العزلة الإقليمية.

    وأضاف أقنوش، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن قبول الجزائر استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع باماكو، رغم سحب الأخيرة اعترافها بجبهة البوليساريو وإعلانها دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، يعكس إقرارا ضمنيا بتراجع فعالية أوراق الضغط التقليدية التي كانت تعتمدها الجزائر في منطقة الساحل، مبرزا أن ما كان يشبه “الفيتو” على تقارب بعض دول المنطقة مع المغرب لم يعد قائما، بعدما اختارت مالي، إلى جانب دول أخرى، الانخراط في مقاربات أمنية وتنموية جديدة، ما يؤكد أن ملف الصحراء أصبح عنصرا مؤثرا في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

    وأوضح المتحدث ذاته أن الأزمة التي اندلعت عقب إسقاط الطائرة المسيرة المالية في أبريل 2025 كشفت للجزائر حدود سياسة القطيعة، إذ أن استمرار التوتر مع باماكو كان سيحرمها من أي قدرة على التأثير في الترتيبات الأمنية على حدودها الجنوبية، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، لافتا إلى أن هاجس الجزائر يتمثل أيضا في تفادي ترك المجال لقوى إقليمية ودولية منافسة، من بينها المغرب وتركيا وروسيا، لتعزيز حضورها في الساحل.

    وتابع قائلا: “إن السيناريو الأكثر ترجيحا خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار العلاقات الجزائرية-المالية ضمن إطار من التعايش البارد والحذر، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق الأمني والحدودي ومكافحة الإرهاب، مقابل استمرار التباين حول قضية الصحراء، حيث ستسعى الجزائر إلى الحد من اندفاعة مالي نحو المغرب، بينما ستتمسك باماكو بمواقفها الجديدة باعتبارها جزءا من خياراتها السيادية”.

    وبخصوص مستقبل هذا التقارب، أكد الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، أنه لا يستبعد احتمال تعرضه لانتكاسات جديدة؛ حيث شهدت المناطق الحدودية تصعيدا عسكريا جديدا بين الجيش المالي وحلفائه والجماعات المسلحة، بما قد يفرز تداعيات أمنية مباشرة على الجزائر، غير أنه يرى، على المدى البعيد، أن اتساع دائرة التأييد الدولي والإفريقي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي قد يدفع الجزائر إلى مراجعة مقاربتها الدبلوماسية والانخراط في رؤية إقليمية أكثر تركيزا على التعاون الاقتصادي والأمني.

    ولفت المحلل السياسي ذاته إلى أن التطورات الأخيرة تؤكد أن التوازنات في منطقة الساحل لم تعد تحكمها الاعتبارات الأيديولوجية وحدها، بل أصبحت رهينة لمعادلات الأمن والتنمية وإعادة رسم التحالفات، وهو ما يفرض على مختلف الفاعلين الإقليميين التكيف مع الوقائع الجديدة التي أفرزتها التحولات الجيوسياسية.

    وشدد مصرح هسبريس على أن إعادة العلاقات بين الجزائر ومالي لا تعني بالضرورة تجاوز أسباب الخلاف، بقدر ما تعكس إدارة براغماتية للأزمة، فرضتها المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة، بعدما أثبتت مرحلة القطيعة محدودية قدرتها على تغيير المواقف السيادية لباماكو.

    وخلص أستاذ الأنثروبولوجيا السياسية إلى أن عودة السفراء تمثل خطوة لإدارة تداعيات الأزمة أكثر من كونها انفراجة دبلوماسية كاملة، موردا أن مستقبل العلاقات بين البلدين سيظل رهينا بقدرة الجزائر على التكيف مع التحولات المتسارعة في الساحل، وبمدى استعدادها للتعامل مع المواقف الجديدة لدول المنطقة، وفي مقدمتها الدعم المتزايد للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

    تكيف جزائري

    يرى سعيد بوشاكوك، الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال، أن عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي تعكس نمطا متكررا في السياسة الخارجية الجزائرية، يقوم على اللجوء إلى أدوات الضغط، وفي مقدمتها سحب التمثيل الدبلوماسي وقطع العلاقات، قبل أن تنتهي هذه الأزمات بالعودة إلى منطق التهدئة والتكيف مع الوقائع السياسية التي تفرضها التحولات الإقليمية والدولية، دون تحقيق مكاسب ملموسة على مستوى تغيير مواقف الدول المعنية.

    ولفت بوشاكوك إلى أن “التطور الذي شهدته العلاقات بين الجزائر ومالي يجسد حدود سياسة الضغوط الدبلوماسية، خاصة في ظل اتساع دائرة التأييد الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الحل الوحيد الجاد وذي المصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء، بما ينسجم مع مقتضيات الشرعية الدولية ومع مسار الجهوية المتقدمة والتدبير الترابي الذي راكمه المغرب خلال السنوات الأخيرة”.

    وأوضح المتحدث في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الأزمة بين باماكو والجزائر، التي انتقلت من مرحلة التوتر الحاد إلى استئناف العلاقات، تشكل مؤشرا على بداية تحول تدريجي، وإن كان اضطراريا أكثر منه اختياريا، في مقاربة الجزائر لعدد من الملفات الإقليمية، مبرزا أن منطق المصالح والبراغماتية أصبح يفرض نفسه على حساب الحسابات الإيديولوجية التي طبعت مواقفها خلال فترات سابقة.

    وعن انعكاسات هذا التحول على قضية الصحراء، أكد بوشاكوك أن الجزائر تجد نفسها أمام واقع دبلوماسي جديد، يتمثل في استمرار اتساع الدعم الدولي والإفريقي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وهو ما يقلص من هامش المناورة ويجعل الرهان على تغيير مواقف الدول الداعمة للمغرب أكثر صعوبة، في ظل تنامي القناعة الدولية بجدية المقترح المغربي.

    كما استحضر المصرح أن إدراك الجزائر لمخاطر العزلة الإقليمية والدولية، وضياع فرص التعاون في منطقة الساحل، ساهم في تسريع مراجعة بعض خياراتها الدبلوماسية، دون انتظار تراجع الدول التي أعلنت دعمها الصريح للمبادرة المغربية، مشيرا إلى أن البيئة الجيوسياسية الحالية أصبحت محكومة بمنطق المصالح المشتركة والشراكات العملية أكثر من أي اعتبارات إيديولوجية.

    وفي هذا الصدد، سجل سعيد بوشاكوك أن المكانة التي راكمها المغرب إقليميا وقاريا ودوليا، بفضل السياسة الخارجية التي يقودها الملك محمد السادس، القائمة على الوضوح والواقعية وتنويع الشراكات، عززت منسوب الثقة الدولية في المملكة، وأسهمت في توسيع قاعدة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي، مشددا على أن هذا المسار يفرض على مختلف الفاعلين الإقليميين إعادة قراءة التحولات الجارية والتكيف مع موازين القوى الجديدة.

    عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عودة العلاقات مع مالي تكشف تآكل أوراق ضغط الجزائر بمنطقة الساحل.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار