"دير تومليلين" .. جهد يلاقي الذاكرة بالتاريخ ويصوغ "سردية إنسانية مغربية" ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

قصة ذاكرة تُستدعى وتصان وتنقل، يحكيها “دير تومليلين” الذي حملته مبادرات مغربية متوالية خلال أزيد من عقد، من أجل تحقيق استمرارية ذكرى عيش مشترك وتضحية ونقاش معرفي ونقل للعلم عبر التعليم، وعبر إتاحة الولوج إلى إحدى أغنى المكتبات الفلسفية التي وجدت مقرا لها بجبال أزرو في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

“دير بينديكتين تومليلين السابق” هو العنوان الذي تحمله لافتة استقبال المكان اليوم، بعد ترميمه بمبادرة مغربية، بعد نصف قرن من إغلاق أبوابه، رغم ما شكله من مركز للنقاش الفكري والدعم التربوي.

    استقبل “دير تومليلين” شخصيات بارزة في الفكر والسياسة قبل سبعين سنة؛ مثل الفيلسوف محمد عزيز الحبابي، والسياسي والمنظر المهدي بن بركة، والفقيه والسياسي محمد بن العربي العلوي، والمستشرق الفرنسي لوي ماسينيون، والفيلسوف إيمانويل ليفيناس… وتردد على مكتبته أعلام سيطبعون تاريخ المغرب بعد ذلك مثل عالم الإناسة عبد الله حمودي، على سبيل المثال لا الحصر، فضلا عن استفادة أسماء مغربية بارزة من خدماته الطبية مثل رائد التشكيل جيلالي غرباوي، الذي دخل “دير تومليلين” وقطنه وعاد إليه، بسبب صعوباته النفسية، وكان محطة مفصلية في تاريخ تعبيره، يوثق آثارها مؤرخو الفنون.

    وفي الخطاب الافتتاحي للملتقيات الدولية لـ”دير تومليلين” سنة 1957، قال ولي العهد آنذاك، الذي سيصير بعد أربع سنوات الملك الحسن الثاني، حاملا رسالة الملك محمد الخامس: “سيداتي سادتي، أنتم في بلدكم الذي يأمل منه صاحب الجلالة أن يصبح صلة وصل بين الشرق والغرب، فالإنسان الخيّر، والمؤمن والصادق، أينما وجد فهو في بلده”.

    ومن انطباعات مشارك أمريكي، وثقها معرض لـ”أرشيف المغرب” قبل 11 سنة، (2015) بالرباط، حول “دير تومليلين” وملتقياته العلمية: “لقد ضم الحضور يابانية كانت تُدرس الفلسفة بألمانيا، وألمانيا يلقن الإسبانية بمراكش، وإسبانيا يعلم الموسيقى بهولندا. وحضر أيضا شعراء، وفنانون، وعلماء الاجتماع، وعلماء الدين، ومصورون، وإكليريكيون، وصيادلة، وأطباء الأمراض العقلية، ومهندسون. كان هناك بلجيكيون يحملون أسماء إيطالية، وعرب بأسماء إنجليزية، وألمان بأسماء فرنسية. كما حضر عالم دين مسلم بعمامته من فاس، وهو فرنسي الجنسية، والمغني الشعبي بسروال ‘الجينز’ الذي كان كاهنا، وراهبات بروتستانتيات، وفارسي من هارفرد. كما ضم الجمع إمام المسجد الكبير بفاس، ورئيس الكوليج الفرنسي بروما”.

    تاريخ يكتب

    قبل أيام، في يوليوز الجاري من سنة 2026، استقبلت أكاديمية المملكة فعاليات “الملتقيات الدولية” التي تحمل اسم وأفق “تومليلين” بشراكة مع المؤسسة التي حملت في السنوات العشر الأخيرة، رسالة البحث عن دعم لصيانة ذاكرة “تومليلين”: “ذاكرات من أجل المستقبل”.

    واليوم بعد نجاح الترميم، تحكي لوحات تعريفية بالدّير، الذي كان قبل ذلك أنقاضا، جزءا من ذاكرته وذاكرة المغرب وتفسيرا لإشعاعه، بأربع لغات: العربية، والأمازيغية، والإنجليزية، والفرنسية.

    من بين ما توثقه اللوحات علاقات رهبانه “مع الحركة الوطنية”، وتدريسهم بـ”إعدادية أزرو”، وما حدث قبل الاستقلال سنة 1955 حيث “وجدت المخيمات الصيفية لحزب الاستقلال، الممنوعة من قبل السلطات العسكرية الفرنسية، ملجأ لها في الدير حيث قام الجميع بتنظيم أنشطة ونقاشات”.

    هذا التاريخ يحكي جزءا منه المؤرخ عبد الله بوصوف، كاتبا في تقديمه مؤلف المؤرخ جامع بيضا حول “دير تومليلين” أنه “يندرج في فكر وممارسة اجتماعية للبندكتيين، التيار المتميز داخل الكاثوليكية؛ وهو ما ظهر في دعمهم لاستقلال المغرب، وشرعية السلطان محمد بن يوسف، وقربهم من الشباب الوطنيين المغاربة، ومن بينهم عبد الرحيم بوعبيد الذي كان طالبا بباريس”، مردفا: “قصة الشاي المقدم للمعتقلين السياسيين من الحركة الوطنية، يظهر موقفهم الإنساني، ضد السياسة الرسمية للسلطات الفرنسية”.

    وألهمت هذه المعطيات، بعد عودة الملك المنفي محمد الخامس إلى العرش، واستقلال المغرب رسميا سنة 1956 “تشجيع الحكومة المغربية الرهبان على تجديد تجربة عام 1955 من خلال إضفاء بعد دولي”؛ فـ”تم إطلاق اللقاءات الدولية بشكل رسمي” ونظمت برعاية ملكية.

    هذه الذاكرة استعادتها مؤسسة أرشيف المغرب سنة 2015، حين نظمت معرض “تومليلين 56-57″، قائلة في دليلها: يعكس هذا المعرض روح “ملتقيات تومليلين” خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، قرب مدينة أزرو عقب الاستقلال حيث “تناولت مواضيع عديدة؛ منها: الحاضرة – الحوار بين الأديان – تحرير المرأة – التعليم. وقد تميزت هذه التظاهرات بدعم العائلة الملكية متمثلة في الأمير مولاي الحسن والأميرة للا عائشة، وينم هذا الدعم عن إرادة المغرب القوية في بناء مجتمع متعدد أساسه قيم التعايش المشترك واحترام الآخر”.

    واعتبرت مؤسسة أرشيف المغرب، آنذاك، أن هذه “محطة مهمة من تاريخ المغرب طالها النسيان”.

    لكن، هذه المبادرة فتحت باب مبادرات أخرى للتذكّر، فخلال إحدى عشرة سنة، تعززت المكتبات بإصدارات عديدة؛ من بينها “حوارات تومليلين”، “الكتابُ البديع” الصادر عن دار ملتقى الطرق، وكتاب جامع بيضا “كان يا مكان.. تومليلين” الصادر باللغة الفرنسية عن أرشيف المغرب، والمترجم بعد ذلك إلى اللغة الإنجليزية، وكتاب “تومليلين.. ذاكرة مغربية”، الصادر بعنوان مزدوج بالعربية والإنجليزية عارضا “ذكريات طفولة مغاربة، مسلمين ويهود، مع الرهبان البينديكتيين في دير تومليلين المسيحي بين سنتي 1952 و1967. من خلال حكايات طريفة ومؤثرة أحيانا”.

    كما أخرجت وثائقيات مغربية وجدت طريقها لقاعات السينما، والشاشات الرسمية أيضا، مثل “أجراس تومليلين” لحميد درويش، و”مقبولين” لـ يزّة جنيني.

    وسبق أ قال لهسبريس مخرج وثائقي “أجراس تومليلين” أنه “ليس فيلما حول الديانات، ولكن حول قدرتنا على احترام الاختلاف”.

    أما الفيلم الوثائقي “مقبولين، ضيوف تومليلين” لمخرجته إيزة جينيني، فروى سنوات تأسيس “دير تومليلين”، قبيل استقلال المغرب، من لدن رهبان بمدينة أزرو، مقدما شهادات حول التعامل المتضامن مع مطالب الاستقلال، ولصالح تعليم ورعاية ساكنة المنطقة.

    وعبر أحد أبرز المجلات الفلسفية المغربية “الأزمنة الحديثة”، صدرت في عددين منها أعمال “اللقاءات الدولية حول تومليلين”، مهتمة بالنقاش المغربي الراهن حولها، وبأعمال وتصورات نقاشاتها حول التربية في سنة 1957. وهو موضوع سبق أن اهتم بنقاشه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في رواقه بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط سنة 2025.

    مبادرات مسؤولة

    في يوليوز الجاري، بمناسبة الذكرى السبعين لأول اللقاءات الدولية بتومليلين (1956-2026)، نشر المجلس الوطني لحقوق الإنسان خبر زيارة رئيسته آمنة بوعياش، ضمن وفد من المجلس لدير تومليلين “بعد ترميمه، وإعادة تأهيل مرافقه”، لما في هذه المبادرة من “تثمين لذاكرة جماعية، ونموذج غير مؤسساتي ملهم للحوار والانفتاح والتعايش بين الثقافات والحضارات والأديان”.

    الرابطة المحمدية للعلماء، بدورها، انخرطت منذ سنوات في هذه الجهود، حيث شاركت عبر مركزها “البحث والتكوين في العلاقات بين الأديان” في الترميم، وفعاليات تثمين الذاكرة والنقاش حولها. ونظمت النسخة الخامسة من اللقاءات الدولية لتومليلين بالمقر القديم للدير، مستلهمة لقاءات أواخر خمسينيات القرن العشرين، بتعاون مع “مؤسسة ذاكرات من أجل المستقبل” و”المعهد الكاثوليكي في تولوز” و”مؤسسة مستقبل 21″؛ قصد “إعطاء الذاكرة مكانتها كحافز لعملية الانفتاح على الآخر، والتأكيد على أهمية الحفاظ عليها”.

    ومن بين مبادرات “مؤسسة ذاكرات من أجل المستقبل” من أجل صيانة ذاكرة “تومليلين” ونقلها للأجيال والتعريف بها عبر العالم، مشروع تكوين المرشدين السياحيين، حول تاريخ تومليلين، الذي أثمر وجود مرشدين متخصصين في تاريخ المكان ورمزيته وروحه.

    ومن أهم المبادرات “المسار الذاكراتي” الذي أثث مكان الدير بلافتات صور من فترة نشاطه واقتباسات وشروحات، خاصة حول “الاجتماعات الدولية التي عُقدت هناك من عام 1956 إلى عام 1966، والتي جمعت للنقاش أناسا من إفريقيا، العالم العربي، آسيا، أوروبا وأمريكا، من جميع الأديان ومن كل الآراء السياسية”؛ وهو برنامج مولته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ونظم افتتاحه بشراكة جمعت مؤسسة ذاكرات من أجل المستقبل، ومجلس عمالة مكناس، وجمعية آباء وأولياء تلاميذ ثانوية طارق ابن زياد بمدينة آزرو، ومنتزه إفران الوطني، والشركات المحلية الملتزمة بإفران.

    وتقول المؤسسة، التي ترأسها سفيرة المغرب السابقة في النرويج لمياء الراضي، إن برنامج صيانة ذاكرة ووجود “دير تومليلين” يتماشى مع الخطاب الملكي في 23 يناير 2016 الموجّه إلى المشاركين في مؤتمر مراكش حول “حقوق الأقليات الدينية في بلاد الإسلام”، الذي استشهد بدير تومليلين كمكان استقبال للحوار بين الأديان، قائلا: “في الواقع، في اليوم التالي للاستقلال في عام 1956، كان هناك، كل صيف، في دير تومليلين – الواقع على جبل في منطقة فاس والذي كان يسكنه الرهبان البينديكتين سابقًا – تجمعًا من المثقفين والمفكرين، لا سيما المسلمين والمسيحيين، شارك فيه شخصيات بارزة مثل المفكر المسيحي الشهير لويس ماسينيون.”

    نداء مثمر

    المؤرخ جامع بيضا، الذي أشرف في فترة إدارته “أرشيف المغرب” على مبادرات تصون ذاكرة تومليلين، كان قد وجه، في ختام مؤلفه “كان يا مكان تومليلين”، الصادر سنة 2019، نداء بضرورة “ترميم موقع الذاكرة هذا، وتمرير روح تومليلين للأجيال الصاعدة”.

    وقال جامع بيضا لهسبريس، بعد مضي سنوات من النداء: “أنا سعيد جدا بترميم تومليلين، وهي عملية تولتها مؤسسة ‘ذاكرات المستقبل’. هذا يثلج الصدر”.

    وأضاف: “ترميم الكنيسة هدفه ليس لإعادة استغلالها، بل إعادة روح تومليلين التي كرسها الرهبان البندكتيون، أي ذلك المجال الروحي الذي يتسع للمسيحي والمسلم واليهودي وحتى الملحد، أو اللائكي إن شئنا، لم لا؟”.

    ثم استرسل قائلا: “كل هذا يتحقق بخطى متأنية، مدروسة عقلانيا، وبودي أن يتحول هذا المكان إلى مزار ضمن المسار السياحي، مع وزارتي السياحة والثقافة؛ لأنه صفحة مشرقة في تاريخنا، ولها أيضا تداعيات اقتصادية على منطقة أزرو، التي تعايشت ساكنتها مع البندكتيين في الخمسينات والستينات (…) فيكون أثرهم الإيجابي اليوم، بمثابة صورة من العقود الماضية، ننقلها لزمننا الحالي”.

    وقد أعاد أكاديميون بالمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، منذ أسابيع، التفكير في صورة العقود الماضية. وكما أطلق المعهد التابع لأكاديمية المملكة المغربية، منذ سنتين، مشروعا لإعادة التفكير في “السردية التاريخية الوطنية”.

    وكان من بين محاور نقاش المؤرخين بالمعهد عينه المسيحيون الليبراليون الذين كانوا ضد نفي السلطان، والمسيحيون القاطنون بالمغرب والأجانب المتضامنون مع المطالب المغربية، في سياق التفكير في جوانب مهمشة سابقا من تاريخ المقاومة المغربية.

    هذا المغرب المبحوث عنه يوثق شيئا منه خطاب للملك محمد الخامس، بعد الاستقلال قبل احتدام الصراعات السياسية والإيديولوجية، ألقاه بالرباط، عند استقباله أعضاء مؤتمر تومليلين في 23 غشت 1957: “أملنا أن يكون جميع ضيوفنا المشاركين في المؤتمر قد استطابوا المقام في المغرب، ووجدوه كسالف العهد به مكرما لضيوفه، وافر الاحترام لقصاده، ساعيا إلى تشجيع وتقدير مثل هاته الاجتماعات الرامية إلى التعارف والتفاهم بين مختلف الشعوب، والداعية للعمل على ما فيه خير البشرية وطمأنينتها”.

    "دير تومليلين" .. جهد يلاقي الذاكرة بالتاريخ ويصوغ "سردية إنسانية مغربية" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة دير تومليلين جهد يلاقي الذاكرة بالتاريخ ويصوغ سردية إنسانية مغربية

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ دير تومليلين جهد يلاقي الذاكرة بالتاريخ ويصوغ سردية إنسانية مغربية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "دير تومليلين" .. جهد يلاقي الذاكرة بالتاريخ ويصوغ "سردية إنسانية مغربية".

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار