معلّقة عمرو بن كلثوم… حين يصبح الكبرياء جناحًا وسجنًا ..اخبار محلية

جو 24 - اخبار محلية
معلّقة عمرو بن كلثوم… حين يصبح الكبرياء جناحًا وسجنًا
مساء الأمس، اجتمعنا نحن ثلاثة طيارين متقاعدين في بيت أحدنا. جمعتنا السماء أعوامًا طويلة، ثم أعادتنا الأرض إلى مجالس أكثر هدوءًا؛ نستعيد فيها الرحلات التي مضت، والمدن التي عبرناها، ونتأمل العمر حين يتحول من أيام نعيشها إلى معانٍ نحاول فهمها. وبعد أن هدأ حديثنا، قال صديقنا المضيف: ما رأيكما أن نستمع إلى شيء يعيدنا إلى لغتنا الأولى؟ ثم انطلق صوت عمار مرشد وهو يلقي معلّقة عمرو بن كلثوم. كان صوته عميقًا، قويًّا دون صخب، وأداؤه يجمع بين وضوح اللفظ وهيبة المعنى، حتى خُيّل إلينا أن الكلمات لا تأتينا من تسجيل بعيد، بل تولد في مجلسنا للمرة الأولى: "ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا" ساد بيننا صمت مختلف؛ صمت ممتلئ بالذاكرة. فقد أعاد الإلقاء إلى القصيدة صليل سيوفها، وكبرياء قبيلتها، وكشف ما في اللغة العربية من ثراء في التعبير عن الكرامة والغضب والانتماء. قال صديقنا المضيف: لهذا البيت قوة لا تشيخ؛ فهو يعلن أن الحِلم ليس ضعفًا، وأن الصمت لا يعني العجز. فقال صديقي الثاني: لكنه يحمل تحذيرًا أيضًا؛ فقد يبدأ الإنسان مدافعًا عن كرامته، ثم ينتهي أسيرًا لغضبه. فالكرامة شيء، ومقابلة الجهل بجهل أشد شيء آخر. تأملت المعلّقة بعين الطيار المتقاعد، لا بعين الشاب الذي تفتنه حرارة التحدي. لقد علمتنا السماء أن الارتفاع لا يصنع العظمة وحده؛ فمن يرتفع أكثر يحتاج إلى رؤية أوسع وتواضع أعمق. والطائرة لا تبقى في الجو بقوة محركاتها فقط، بل بتوازن دقيق بين الرفع والوزن، والدفع والمقاومة. وكذلك الإنسان؛ لا تحفظه قوته وحدها، بل الحكمة التي تضبطها. ومعلّقة عمرو بن كلثوم قصيدة كرامة قبل أن تكون قصيدة فخر. وهي من أشهر المعلّقات، وتذهب رواية شائعة إلى أن تلك القصائد كُتبت بماء الذهب وعُلّقت على أستار الكعبة، مع أن صحة هذه الرواية موضع خلاف. ويرى آخرون أن التسمية مشتقة من «العِلق»، أي الشيء النفيس. ومهما يكن أصل الاسم، فقد عُلّقت هذه القصائد في الذاكرة العربية أكثر مما عُلّقت على الجدران. وفي زمن عمرو بن كلثوم، كانت القبيلة وطنًا وحصنًا وهوية، وكان الشاعر حارس كرامتها. لذلك بقي بيته الشهير راسخًا؛ لأنه يخاطب خوف الإنسان من أن يُفهم حلمه ضعفًا، أو يُفسَّر تسامحه خوفًا. قلت: لكن السنوات تعلمنا ما لا تقوله الحماسة. فقد يحفظ الرد العنيف الهيبة لحظة، ثم يورث الندم طويلًا. فقال صديقنا المضيف: وهذا ما تعلمناه في الطيران؛ فالطيار لا يواجه العاصفة بعناد، ولا يصر على مساره ليثبت شجاعته. إنه يقرأ المؤشرات ويغيّر الاتجاه، لأن الوصول بسلام أهم من الانتصار الوهمي على الطقس. ثم جاء صوت عمار مرشد: "إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا" قال صديقي الثاني مبتسمًا: لقد جعل الشاعر المجد يولد مع الطفل. فقلت: غير أن المجد لا يُورث كاملًا. قد يرث الإنسان اسمًا عظيمًا وتاريخًا كريمًا، لكن الأنساب تمنحه بداية الطريق فقط، أما أفعاله فهي التي تحدد نهايته. ومن يعيش على أمجاد أجداده يشبه طائرة تتباهى بتاريخها، لكنها لا تملك وقودًا للإقلاع. ثم سمعنا: "ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا" قال صديقنا المضيف: ما أوسع صورة القوة! فأجبته: كنت أراها كذلك في شبابي، أما اليوم فأرى فيها تحذيرًا من ضيق الإنسان حين يتوهم أن العالم خُلق ليمتلئ به وحده. نحن نعبر البحر ولا نملكه، ونشق السماء ولا نستحوذ عليها. قال صديقي الثاني: ربما تبدو الأرض صغيرة من الأعلى لكي نفهم أن خصوماتنا أصغر مما نتصور. وحين انتهى الإلقاء، بقي الصمت بيننا لحظات. قال صديقنا المضيف: في شبابنا، كنا نسمع في القصيدة صهيل الخيل. قلت: أما اليوم، فنسمع صوت الزمن يسأل: ماذا بقي من كل المعارك؟ عندها أدركت أن القصائد الكبرى لا تتغير، لكننا نحن الذين نتغير أمامها. نقرؤها في الشباب فنفتتن بالقوة، ثم نعود إليها بعد أن يهدأ العمر فنبحث عن الحكمة الكامنة خلفها. والموعظة أن الكرامة لا تكتمل بإهانة سواك، وأن القوة لا تظهر في استخدامها دائمًا، بل في ضبطها حين تقدر. فالإنسان لا يُقاس بقدرته على الغضب، بل بقدرته على ألا يصبح الغضب سيد قراره. لقد علمتنا السماء أن من يرتفع ولا تتسع رؤيته، لا يكون صعوده إلا سقوطًا مؤجلًا..

مشاهدة معل قة عمرو بن كلثوم hellip حين يصبح الكبرياء جناح ا وسجن ا

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ معل قة عمرو بن كلثوم حين يصبح الكبرياء جناح ا وسجن ا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، معلّقة عمرو بن كلثوم… حين يصبح الكبرياء جناحًا وسجنًا.

Apple Storegoogle play

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


اخر الاخبار