رادار الفتيت والتزوير العميق ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

أبلغت وزارة الداخلية الأحزاب السياسية هذا الأسبوع، بأنه سيتم، استعدادا لانتخابات 23 شتنبر 2026، تفعيل لجنة مركزية تضم وزير الداخلية وقادة الأحزاب، إلى جانب لجنة أخرى تتألف من عبد الوافي لفتيت ورئيس النيابة العامة، يعهد إليها بالسهر على سلامة العملية الانتخابية في مختلف مراحلها. كما ستُحدث لجان جهوية وإقليمية، تجمع الولاة والعمال بالوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، لمتابعة ما يجري على المستوى الترابي.

على الورق، تبدو هذه المنظومة الرقابية محكمة. وزارة الداخلية في المركز، والنيابة العامة إلى جانبها، والولاة والعمال في الجهات والأقاليم، والأحزاب حاضرة (نظريا)، والقانون جاهز بما يتضمنه من مقتضيات تجرّم شراء الأصوات واستعمال المال والمنافع للتأثير في الناخبين، وتراقب مصاريف الحملات وحساباتها.

    لكن المشكلة أن الانتخابات المغربية لا تجري كلها فوق الورق. هناك انتخابات ظاهرة تبدأ مع إيداع الترشيحات، وتشتد خلال الحملة، وتنتهي ليلة الاقتراع وفرز الأصوات. وهذه يمكن للجان أن تراقبها، وللمحاضر أن توثقها، وللوكلاء أن يتابعوا مخالفاتها، وللقضاء أن يقول فيها كلمته.

    وهناك انتخابات أخرى تجري قبل ذلك بكثير، تحت السطح، في منطقة لا تصل إليها الكاميرات ولا المحاضر ولا حتى النصوص القانونية بسهولة. وهذه هي الانتخابات الحقيقية في عدد كبير من الدوائر.

    فالمقعد لا يُشترى دائما ليلة الاقتراع، ولا يجري تسليم ثمن الصوت بالضرورة قرب مكتب التصويت، ولا يظهر “الشناق” دائما وهو يحمل لائحة أسماء وأوراقا نقدية. أحيانا تبدأ العملية قبل سنة أو سنتين، في عيادة تؤدى فيها مصاريف علاج، أو في جنازة يتكفل فيها أحدهم بالنقل والطعام، أو في جمعية توزع المساعدات، أو في تدخل لدى إدارة، أو في تسوية ملف عقاري، أو في تشغيل ابن أسرة، أو في تمويل موسم، أو في إصلاح طريق، أو في وعد بإدخال دوار إلى شبكة الهاتف…

    كل من هذه الأفعال قد تكون، منفردة، ومشروعة، إنسانية أو اجتماعية. لكن حين تتجمع داخل شبكة طويلة من الخدمات والوساطات والديون المعنوية، وتصب في النهاية في صندوق الاقتراع، نصبح أمام صناعة انتخابية كاملة لا يمكن اختزالها في “شراء الأصوات” بمعناه المباشر.

    لقد وصفت الدراسات الميدانية حول الانتخابات في المغرب منذ سنوات هذا العالم الموازي بدقة. فالعين الفاسد لا يستمد قوته من المال فقط، بل من تراكم أسباب التفوق. لديه وجاهة اجتماعية، ونفوذ اقتصادي، ومعرفة بدواليب الإدارة، وقدرة على الوساطة، وشبكة تجعل منه حلقة بين السلطة والسكان. وقد يتحول نفوذه إلى قدرة على اختيار المرشح، والتفاوض مع الأحزاب حول التزكية، بل وربط الحصول على المشاريع العمومية بالمساندة الانتخابية. وهذا تحديدا ما لا تراه اللجان، خاصة منها المركزية.

    فاللجنة قد تضبط مرشحا يوزع المال خلال الحملة، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تجرّم علاقة استمرت سنوات بين وسيط محلي وعشرات الأسر. وقد ترصد استعمال سيارة جماعة أو مقر عمومي، لكنها لن تجد محضرا يثبت أن شخصا حصل على وظيفة، أو رخصة، أو علاج، أو تدخل إداري، مقابل ولاء مؤجل إلى يوم الاقتراع. القانون يبحث عن الصفقة المباشرة، بينما تعمل الانتخابات العميقة بمنطق الدين المتراكم.

    العين الفاسد لا يقول للناخب: أعطيك الآن لتصوت لي لاحقا. هذه صيغة بدائية وساذجة، وقد تصبح خطرة في زمن الهواتف والكاميرات. ما يحدث أكثر تعقيدا، والخطاب الضمني الذي يصدر دون أن تتحرّك الشفاه يقول: “أنا من وقف معكم حين غابت الدولة، وأنا من أدخل مريضكم إلى المستشفى، وأنا من تحدث إلى القائد، وأنا من ساعد أبناءكم، وأنتم تعرفون الواجب”.

    لا يوجد عقد ولا فاتورة. هناك فقط ذاكرة اجتماعية ثقيلة، وشعور بالامتنان أو الخوف أو التبعية، ثم يأتي يوم الاقتراع ليبدو التصويت فيه حرا من الناحية القانونية، بينما يكون مقيدا بسلسلة كاملة من الالتزامات السابقة.

    حتى الوسطاء لم يعودوا دائما من الوجوه الكلاسيكية المعروفة. هناك بحث ميداني أجري في أحياء الدار البيضاء، وأظهر كيف تتحرك شبكات من النساء والشباب والعاطلين والفاعلين الجمعويين و”أولاد الدرب”، ممن يملكون معرفة دقيقة بالأسر والحاجات والعلاقات المحلية.

    بعضهم يتلقى مقابلا مباشرا، وبعضهم الآخر يبحث عن اعتراف أو موقع أو خدمة لاحقة، وبعضهم راكم فعلا شرعية اجتماعية من مساعدة الناس ومرافقتهم إلى المستشفيات والإدارات. وفي هذه المنطقة تصبح الحدود بين القرب الاجتماعي والزبونية والفساد شديدة الالتباس.

    المرشح المحترف يشتري، أو يستقطب، أو يستميل مفاتيح صغيرة. ولكل مفتاح عائلة، أو حي، أو دوار، أو جمعية، أو شبكة مهنية. وهؤلاء لا يبيعون أصواتهم بالضرورة، بل يبيعون قدرتهم المفترضة على التأثير في أصوات الآخرين. وهكذا يصبح لدينا سوق هرمي: الأحزاب تتنافس على الأعيان، والأعيان يتنافسون على الوسطاء، والوسطاء يتنافسون على الأسر، ثم يأتي الناخب في آخر السلسلة ليضع ورقة في الصندوق، فنحتفل جميعا بالانتخابات النزيهة والشفافة.

    ولا يجري التحضير ليوم الاقتراع عبر تقديم الخدمات فقط، بل يبدأ أيضا من إعادة توزيع المرشحين بين الأحزاب كما نشاهد هذه الأيام. وحين يفاوض صاحب “مقعد مضمون” أكثر من حزب، فهو لا يعرض عليهم أفكاره أو خبرته التشريعية، بل يعرض كتلة انتخابية يدعي ملكيتها.

    الأحزاب بدورها لا تسأله غالبا عن تصوره للاقتصاد أو التعليم أو الحريات. بل تسأله عن عدد الجماعات التي يتحكم فيها، وعن رؤساء المجالس الذين يدينون له، وعن العائلات والقبائل التي يمكنه تحريكها، وعن كلفة الحملة، وعن فرص الفوز. وهنا تقع أول عملية تزوير حقيقية للإرادة الشعبية، قبل أن لقي أي شخص ورقة تصويت فاسدة.

    هذا ليس تشكيكا في أهمية المراقبة القانونية. فهي ضرورية، بل لا غنى عنها. لكن الخطر هو أن نخلط بين نزاهة يوم الاقتراع ونزاهة العملية السياسية برمتها، بينما يمكن أن تمر الانتخابات دون تزوير ورقة واحدة، وتظل النتيجة، رغم ذلك، مشوهة ديمقراطيا.

    يمكن أن تفتح المكاتب في موعدها، وأن تكون الصناديق شفافة، وأن توقع المحاضر، وأن تُحصى الأصوات بدقة متناهية، ومع ذلك نكون أمام اقتراع غير متكافئ، لأن بعض المرشحين دخلوا السباق بسنوات من الرصيد الزبوني والنفوذ الإداري والمالي، بينما دخل آخرون ببرنامج ومنشور انتخابي.

    المشكلة، إذن، ليست في ضعف الرادار الذي أعلن عبد الوافي الفتيت نصبه، بل في أن جزءا كبيرا من حركة الانتخابات يجري تحت مستوى الرصد.

    وزارة الداخلية والنيابة العامة قادرتان على مطاردة الزوارق التي تتحرك فوق السطح، لكن كبار محترفي الانتخابات تعلموا منذ زمن الإبحار في المياه العميقة. لا أضواء، ولا ضجيج، ولا حقائب نقدية ظاهرة، ولا تعليمات مكتوبة. فقط خدمات ووساطات ووعود وإشارات وعلاقات قرابة ومصالح متبادلة، ثم تطفو النتيجة يوم الاقتراع وكأنها خرجت لتوها من إرادة فردية حرة.

    وهنا ينبغي تحميل الأحزاب مسؤوليتها. فلا معنى لأن تطلب الدولة من النيابة العامة مطاردة الفساد الانتخابي، بينما تفتح الأحزاب أبوابها لمن راكموا ثروتهم السياسية بالطريقة نفسها.

    حين يقبل حزب مرشحا لأنه يملك “خزان أصوات”، فإن عليه أن يسأل نفسه أولا: هل يملك هذا الرجل مواطنين مقتنعين، أم مدينين له بخدمات ومصالح؟

    صحيح أننا نحتاج إلى لجان مركزية وجهوية للمراقبة، لكننا نحتاج أيضا إلى أحزاب تقبل احتمال الخسارة النزيهة بدل ضمان الفوز الفاسد، وإدارة تفهم أن الحياد لا يبدأ يوم التصويت، وقانون يطارد بناء التبعية كما يطارد شراء الصوت، ومجتمع لا يقبل أن تتحول حاجته إلى ثمن انتخابي.

    قد ينجح رادار لفتيت في التقاط ما يتحرك فوق سطح الانتخابات. لكن التزوير العميق لا يطفو بهذه السذاجة؛ بل يُنجز داخل شبكات المصالح والولاءات والتزكيات والخدمات، ثم يصل إلى يوم الاقتراع وقد غُسلت آثاره وصار في هيئة اختيار حر. لذلك لن تكون المشكلة في مدى قوة الرادار، بل في أن ما نبحث عنه تعلّم منذ زمن كيف يسبح تحته.

    وحين تُعلن النتائج، قد تكون الصناديق نزيهة فعلا، بينما تكون الإرادة قد زُوّرت بعيدا عنها، في العمق الذي لا تصل إليه اللجان ولا المحاضر.

    رادار الفتيت والتزوير العميق صوت المغرب.

    مشاهدة رادار الفتيت والتزوير العميق

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رادار الفتيت والتزوير العميق قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رادار الفتيت والتزوير العميق.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار